الاثنين

رمى السَّيّد خالد موسى دفع الله محاولتي تحقيق الدور الذي لعبه المرحوم أحمد سليمان في انقلاب (الانقاذ) بأنها "ليست نابعة من إحساس عميق بالتوثيق التاريخي .. بل تصبُّ في دائرة تكريس الصورة النمطيَّة التي صنعها اليسار للرَّاحل المقيم بأنه انقلابي وانتهازي، وقد ذكر الأستاذ كمال ذلك، صراحة، عندما قال إن المرحوم ورَّط الحزب الشيوعي في انقلاب 1969م" (الأحداث، 23/11/09). وفي نهاية كلمته تجهَّمني الكاتب بقول غليظ مفاده أن ما كتبت في الرزنامة، مؤخَّراً، حول هذا الموضوع لا يعدو كونه "تصفية حسابات مع الموتى"!

تأويل المقاصد تقدير ذاتي في (السّياسة) يخصُّ صاحبه وحده، ولا رغبة لي في مجادلته حوله، ففي الناس من الفطانة ما يكفي .. ويزيد! أما اتهامه لي بأنني لم أكتب ما كتبت إلا (بعد) رحيل السَّيّد أحمد، عليه رحمة الله، من باب "تصفية الحساب مع ميّت!"، فذاك طعن خشن في (الأخلاق!) يدحضه ما كنت كتبت في رزنامة 21/9/1999م، بجريدة الصحافة، أي قبل أكثر من عشر سنوات، والمرحوم، وقتها، حي يرزق، وفي أتمّ صحَّته وعافيته، على النحو الآتي:

{ما من شكّ في أن السَّيّد أحمد هو أحد (شهود) تاريخنا السياسيّ خلال نصف القرن الماضي، بل أحد الذين ما تنفكُّ وجوههم تطلّ كلما قلبنا صفحاته، خاصّة ما اتصل منها بتقاطعات (الجيش والسّياسة)، بصرف النظر عن (وزن) هذه (الشهادة)، على كثرة روايته لها، أو (قيمة) الأدوار التي لعبها، على رسوخها في ذاكرة الأيام. إذ أن إطلالاته في تلك المشاهد أصبحت أمراً مشاعاً لعلماء التاريخ والسّياسة، مثلما أضحت (رواياته) حولها مشروعاً لمبحث متاح في ضوء علم الأخلاق. ويقيني أن غاية طموح من كان في عمره، ولعله أكبر السَّاسة سناً، متعه الله بالعافية، أن تذكره ألسنة الخلق بكلمة خير فيفوز فوزاً عظيماً، ويسجّل التاريخ سطراً لصالحه في نهاية الصفحة، فيهنأ بشيخوخة سعيدة!

أسجّل هذه الخاطرة تحت إلحاح الالتباسات التي يخلفها أسلوبه المضطرب في (رواية) الوقائع، ومنهجه الانتقائي المفتقر إلى تماسك المنطق الداخلي في التسبيب والتحليل والاستنتاج، والقائم بالكليّة على المزاج الشَّخصي المتعسّف في تلفيق علائق متوهّمة بين مقدّمات ونتائج لا رابط بينها؛ ولنأخذ، مثلاً على ذلك، واقعة خروجه من الحزب الشّيوعي مطلع السَّبعينات، فقد كرَّس باباً بأكمله يعزو فيه ذلك إلى "صحوة دينيَّة" سديدة وقعت له في نهاية مشوار "كتبَ عليه أن يمشيه"، ردحاً من الزمن، مع "الإلحاد"! الاستنتاج الأساسي هنا أن الرجل ثاب إلى رشده، فجأةً، فاهتدى بعد "ضلال"، ولذا غادر الحزب الشّيوعي! وبصرف النظر عن كون هذه الرواية ترمي، فحسب، إلى دمغ الشّيوعيّين السودانيّين بـ (الإلحاد)، وهي تهمة باخت من سوء الاستخدام، وبارت، حتى تكشّف للقاصي والدَّاني أن فيها من (السّياسة) أكثر ممَّا فيها من "الدّين"، وأمسى الإقرار بذلك يتصاعد، جهاراً نهاراً، حتى من داخل أوساط الحركة الاسلاميَّة نفسها، فإن أبسط عُشرة مع وقائع تلك الفترة، أو مراجعة لها في مظانها الوثيقة، سوف تكشف، بالقطع، عن أن سبب المفاصلة بين الرجل والحزب أبعد ما يكون عن هذا. فالثابت أن صراعاً أيديولوجيّاً احتدم، آنذاك، بين تيَّارين داخل الحزب: أحدهما يمثله المرحوم عبد الخالق الذي اعتبر ما حدث فجر 25 مايو (انقلاباً عسكريَّاًً) نقل السُّلطة بالقوَّة إلى عناصر البرجوازيَّة الصغيرة غير المؤتمنة على قيادة الثورة الوطنيَّة الديموقراطيَّة، ومن ثمَّ أصرَّ على التمسُّك باستقلاليَّة الحزب كمعبّر أيديولوجي عن مصالح (الطبقة العاملة) وحلفائها، ورفض، بالتالي، قرار إلحاقه بمؤسَّسات النظام. أما التيار الآخر فيمثله السَّيّد معاوية إبراهيم والسَّيّد أحمد، ويعتبر ما جرى (ثورةً) تحمَّل، من خلالها، فصيلٌ من فصائل الجَّبهة الوطنيَّة الديموقراطيَّة مهمَّة حلّ قضيَّة السُّلطة لصالح الجَّماهير، بدحره لحكم (اليمين الرَّجعي)، وفتح الطريق أمام التطوُّر الثوري في البلاد، فوجب على الحزب أن يحلَّ نفسه، ويعمل من داخل مؤسَّسات السُّلطة الجَّديدة، وألا يصرَّ على استقلاليَّته!

أيّاً كانت الكلمة الفصل في سداد أيّ من التحليلين، فإن الصّراع نفسه لم يكن، بأيَّة حال، (بدراً) أو (أحُداً) أخرى تدور رحاها بين (مؤمنين) و(مشركين)، بل كان خلافاً داخل نفس الحزب، من القمَّة إلى القاعدة، وحول أمر (دنيويّ) هو الموقف من انقلاب البكباشي جعفر نميري، وقد استخدم كلا الطرفين ذات المصطلح (الماركسي)، وزكى تحليله باعتباره الأوثق (ماركسيّةً)، والأجدر بالاعتماد لبلورة الموقف (الشيوعي) الصَّائب من الانقلاب. وحتى بعد هزيمة تيار السَّيّد أحمد، وفصله من الحزب، إثر إدانته بتهمة التكتل خارج الأطر التنظيميَّة، فإنه ظلَّ يردّد، بإصرار، أنه هو الذي كان على حقّ، وأن عبد الخالق كان على باطل، في ما يتصل بالموقف (الماركسي) الصّائب من مايو!

لذا فإن السُّؤال المنطقي الذي ما يلبث أن يثور على الفور هو: ما الذي أقحم، فجأة، مسألة (الإيمان) و(الإلحاد) هنا؟! هل كانت نهاية علاقة السَّيّد أحمد بالحزب قد بُنيَت على قرار اتخذه من تلقاء نفسه في لحظة (كشف إيماني) مكنه، لأوَّل مرَّة، من رؤية (الإلحاد) الذي كان والغاً فيه، طوال عقدين من الزمن، دون أن يفطن إلى ذلك؟! وهل يمكن اعتبار ما حدث صباح 25 مايو 1969م مناسبة صالحةً لينماز (المؤمنون) من (الملحدين)؟! أم أنه كان، في الحقيقة، انقلاباً (داخل) الحزب الشيوعي نفسه، مطلع السبعينات، رغم أنف الاستنتاجات (الدينيَّة) التي يريدنا السيد أحمد أن (نتجرَّعها) من روايته بأيَّة وسيلة؟! وإذا حدث و(تجرَّعناها)، جدلاً، فكيف لنا أن (نتجرَّع) معها شكواه لطوب الأرض من (الظلم) الذي يقول إنه حاق به هو ورفاقه جرَّاء طردهم من الحزب على يد "الزمرة الباغية والطغمة الضَّالة التي اغتالتنا بليل، وقضت بفصلنا من اللجنة المركزيَّة، بل من عضويَّة الحزب ظلماً وهضماً" (أخبار اليوم، 20/6/1999م). كيف يستقيم أن يكون خروج السيد أحمد من الحزب الشيوعي (هدايةً ربانيَّةً) إلى (الحقّ)، ثم تكون هذه (الهداية) نفسها، وفي ذات الوقت، (ظلماً) له و(هضماً) من جانب (زمرة باغية) و(طغمة ضالة) قضت بـ (حرمانه) من (حقه المشروع) في (الاستمرار) ضمن عضويَّة اللجنة المركزيَّة لـ (حزب الضَّلال) نفسه؟!

أخيراً، وليس آخراً، هل ترانا قسونا على الرجل، دون مسوّغ، حين وصفنا أسلوبه في رواية الوقائع بالاضطراب، ومنهجه في التسبيب والتحليل والاستنتاج بالافتقار إلى تماسك المنطق الداخلي، وبالانتقائيَّة القائمة على المزاج الشخصي المتعسّف في تلفيق علائق متوهَّمة بين (مقدّمات) و(نتائج) لا رابط بينها؟!

واستطراداً، فقد ظللت أنتظر، لأكثر من ثلاثة أشهر حتى الآن، أن يتفضل الرّجل بفضّ الالتباس الآخر اللافت في روايته التي ساقها لـ (أخبار اليوم)، بذات الأسلوب، حول انقلاب البكباشي علي حامد في نوفمبر 1959م، وحول حقيقة دوره، هو شخصيّاً، في ذلك الانقلاب المأساوي الذي انتهى بحمَّام دم مروّع لأولئك الضباط ممَّا كان له وقع الصدمة في النفوس. والالتباس الذي أعنيه ناجم من موقفين متباينين لنفس السَّيّد أحمد. ففي الرواية المذكورة، وبعد أن كال السُّباب، كعادته، للمرحوم عبد الخالق، أقرَّ بـ (مشاركته) في انقلاب 1959م، زاعماً أن ذلك كان بتكليف من الحزب، و".. أحطت عبد الخالق بإجراءات التحضير .. عند زيارتي له بسجن كوبر" .. إلخ. أما الموقف الآخر فسابق على هذه الرواية بنحو ثلاثين سنة، حين أثيرت هذه المسألة نفسها من خلال المؤتمر التداولي الذي عقده الحزب في 21/8/1970م، للتقرير، نهائياً، بشأن الخلاف حول انقلاب مايو بين جناح عبد الخالق وجناح معاوية وأحمد سليمان، حيث وصف السَّيّد أحمد رأيه الذي سعى لتسويقه للحزب، ويتمثل في حله، وانخراطه في مؤسَّسات (السُّلطة الثوريَّة)، بـ (الشَّجاعة)، كونه ينحاز إلى "من حملوا رؤوسهم على أكفهم"، يعني نميري ورهطه، أو كما قال! فأجابه عبد الخالق، وكأنه يقرأ من وراء الحُجُب، بأن أوان اختبار (الشَّجاعة) و(الجُّبن) لم يحن بعد، ولكنه سيحين عمَّا قريب، وساعتها سيكون ثمة متسع من الوقت لمعرفة من سيثبت ومن ستسوخ مفاصله! وقال، عموماً، إن انقلاب مايو انتصر، وليس في تأييد المنتصرين (شجاعة)، فللنصر، دائماً، ألف أب، ولكن الهزيمة يتيمة! ثم مضى يذكر المؤتمرين، في حضور السَّيّد أحمد، بوقائع انقلاب علي حامد قائلاً: إن أحمد شارك في تدبير ذلك الانقلاب من وراء ظهر الحزب؛ لكن، لمَّا كتبت (آخر ساعة) المصريَّة، بعد فشله، وإعدام ضباطه، أن له ضلعاً فيه، سارع إلى رفع دعوى (ردّ شرف) في مواجهتها! وخلص عبد الخالق إلى التساؤل عن قيمة (الشَّجاعة) إن كنا نربط (شرفنا) بـ (شرف المنتصرين)، ونفصله عن (شرف المهزومين)! ولكن السَّيّد أحمد لزم الصَّمت، ولم يحر جواباً، ثم ما لبث عبد الخالق أن أعدم بعد أشهر قلائل، وبات في رحاب ربّه!

يحتاج (الشيخ) أحمد سليمان إلى فضّ التباسات بعدد ذرَّات الرَّمل؛ ذلك بحقّ شيخوخته، وبحقّ ذاكرة الأجيال، وبحقّ من سيولدون في الغد، فالتاريخ ليس رهن أمزجتنا الشخصيَّة، يُمسي ويُصبح، كل يوم، على رغائبها، وتلاوينها، وتقلباتها}!

كان ذلك هو ما سقنا في باب نقدنا للرجل، أوان حياته، عام 1999م، لكنه لم يرد بشئ؛ فهل، تراه، ما يزال السَّيّد خالد موسى يصرُّ على اتهامه (المجَّاني) لما كتبنا، مؤخَّراً، بأنه مجرَّد "تصفية حسابات مع الموتى"؟!  

 

الثلاثاء

في أربعينيَّة الراحل نجم الدين محمد نصر الدين، أقمنا، مساء اليوم 5/1/2010م، حفل تأبين له بدار المحامين، أمَّه جمع غفير، وتعاقب على منبر خطابته عدد كبير من أهل نجم، وأصدقائه، وأساتذته، وتلاميذه، وزملائه، وقرَّائه، ترحَّموا على روحه، وحمدوا خصاله، وذكروا فضائله، وعدَّدوا مناقبه، وأضاءوا مآثره، وبيَّنوا مكرماته، ولا غرو، فقد كان الفقيد صاحب عقل نقدي راجح، ورأي مكتنز رصانة وسدادا؛ وكان، إلى ذلك، لطيف الحضور، خفيف الظلّ، سمح السجايا، بسَّام المحيَّا، وكان واسطة كلّ عقد، وفاكهة كلّ مجمع، وجوهرة كلّ تفاكر، يكتب في الصحف، ويتحدَّث في الندوات، وينشط في اتحاد الكتاب، ويسهم، بأسلوبه الجزل ولغته المعلاة، في نشر المعارف الديموقراطيَّة المتنوّعة، خصوصاً في جبهة الحقوق والحرّيَّات، وكان، على الدَّوام، ذا يد بيضاء، سبَّاقاً إلى العطاء، لا يتأخَّر قدحه عند الحاجة، ولا يبطئ سرجه يوم الكريهة، يخفُّ للمشاركة في كلّ عمل نافع، بما في ذلك جهود الشَّباب لتطوير أربجي، موطنه الصغير ومجتمعه الحميم، وهذا بعض غيض من فيضه الدَّفاق، عليه رحمة الله ورضوانه.

من أهمّ ما سدَّد إليه الراحل نقداً موضوعيَّاً حصيفاً، في مقالته الموسومة بـ (لائحة تزكية المجتمع)، ضمن كتابه الصادر حديثاً بعنوان (مقاربات حول القانون وإعمال العدالة)، بتقديم د. عبد الله علي إبراهيم، التشريعات التي تعكس (شموليَّة) واضعيها، وغربتهم عن حقائق الحياة في بلادنا، إذ تنحو إلى إقصاء (الآخر)، وإهدار خصوصيَّته الدينيَّة والثقافيَّة، ممَّا يهدّد السَّلام، وينذر بالحرب! ومن أخطرها نصوص بعينها في القانون الجنائي، وقانون النظام العام، و(لائحة تزكية المجتمع)!

تناول نجم الدين، بوجه مخصوص، وبسخرية عميقة، فقرات في هذه اللائحة تتسم بركاكة الصياغة، وغرابة المضمون، وهي الفقرات التي (تمنع) الغناء والرقص المختلط بما "يتنافى مع الأعراف والتقاليد والقيم الدينيَّة في الحدائق العامَّة والميادين .. الخ!"، فأثار جملة أسئلة عمَّا إن كان هذا (المنع) يطال الأغاني التي تتنافى مع هذه الموجبات مجتمعة، أم مع أيّ منها؟! وهل إذا اتسقت مع أيّ منها تنتفي المسئوليَّة الجنائيَّة؟! وما هو تعريف (الأعراف)؟! وهل تتسق، بالضرورة، مع القيم (الدينيَّة)؟! وهل هذه القيم هي (الإسلاميَّة) وحدها، أم قيم (الأديان) الأخرى أيضاً؟! وما المقصود بـ (التقاليد)؟! هل هي نفسها التي يمارسها الناس في أفراحهم وأتراحهم؟! وما هي الحكمة من منع الرقص (المختلط) في (الحدائق والميادين)، ممَّا يعني، بمفهوم المخالفة، إباحة (غير المختلط)، أو (المختلط) في (غير الحدائق والميادين)؟! 

وبما أن الغناء تعبير وجداني عن حال قائم اجتماعيَّاً، وجله عاطفي، فما هي الآليَّة التي تحدَّد بها درجة (خلاعة) و(هبوط) الأغنية؟! ومن يملك ممارسة الإشراف على هذا (الهبوطوميتر)؟! أهي لجان نصوص (ميدانيَّة) تحضر كلَّ حفل يقام في كلّ حديقة أو ميدان، ترافقها شرطة تسمى (شرطة تزكية المجتمع)، على غرار (شرطة أمن المجتمع)؟! وما هو موقع فرقة الفنون الشعبيَّة الحكوميَّة التي تمارس الرَّقص (المختلط) من إعراب هذه (التزكيَّة)؟!

وخلص نجم إلى أن انعدام المنهجيَّة في التشريع والتنفيذ هو السَّبب في إرباك حياتنا، وفي التخبُّط الذي يدفع ثمنه عامَّة البسطاء ممَّن لا متنفس لهم في حدائق منزليَّة، أو مزارع، أو ضياع (بكسر الضاد)، بل لهم الضَّياع (بفتحها)، اشتقاقاً من الفعل (ضاع يضيع)، فهم ضائعون ضياعاً، ومضيَّعون تضييعاً، أو كما قال!

 

الأربعاء

سبق أن عبَّرنا، أكثر من مرَّة، عن قلقنا إزاء احتقان الأوضاع في أبيي، وخشيتنا من انحدارها في الهوَّة الفاغرة بين تقديرات مركز لا يكاد يرى، في كلّ المنطقة، سوى النفط، وبين هموم رُّعاة، في جنوب كردفان، لا يهمُّهم (نفط السَّجم) هذا، بقدر ما يهمُّهم المصير المجهول لعشرة مليون رأس من الأبقار درجوا على (النشوق) بها، صعوداً، خلال شهور الجفاف، صوب بحر العرب، بل والتوغل بها، جنوباً، حتى بانتيو، في مراحيل يسَّرتها الحكمة الشعبيَّة، وتعايش المسيريَّة والدينكا، على أساسها، كأطيب ما يكون التعايش، بلا ترسيم حدود، ولا يحزنون! أما الآن، وبعد زهاء الستة أشهر من التحكيم، وخمس سنوات من التنفيذ النتعسّر لاتفاقيَّة السَّلام الشَّامل، بسبب تعنت الحزب الحاكم، وضيق رؤيته للمشكلة، ومع انقطاع الأمطار، وبدء موسم الجفاف شمالاً، وتهيُّؤ المسيريَّة للارتحال التقليدي مع أبقارهم باتجاه الجنوب، فإن ساعة (الحقيقة!) قد أزفت!

إدارة منطقة أبيي، والتي تطأ، عمليَّاً، جمر النزاع الموشك على الاشتعال هناك، عقدت، لأوَّل مرَّة منذ صدور قرار لاهاي في 22 يوليو الماضي، أربعة لقاءات بينها وبين قبيلتي المسيريَّة ودينكا نقوك، في لو (10 ديسمبر)، ودفرا (11 ديسمبر)، وأم خير (14 ديسمبر)، ورم أمير (15 ديسمبر). وعلى حين أعلنت الإدارة أن غرض هذه اللقاءات تشجيع التعايش السلمي في المنطقة، ووجَّهت رسالة للأهالي فحواها أن "الحدود لا ينبغي أن تصبح حواجز بالضرورة"، دعمت بعثة الأمم المتحدة وبرنامجها الإنمائي جهود تعزيز الحوار في المجتمع المحلي. ومن أبلغ ما قيل في هذه اللقاءات كلمة الأمير كول دينق، أحد كبار الزعماء المحليين، والذي ذكر بالخير نمط التعايش السلمي الذي كان سائداً إبان زعامة والده دينق مجوك، ثمَّ قال "ما نحتاجه هو إعادة فتح خطوط التواصل، وبناء الثقة؛ فحتى لو أقيم بيننا جدار كجدار برلين فإن الدينكا والمسيريَّة سيهدمونه" (موقع سودانيزاونلاين الأخباري، 17/12/09).

مثل هذه الرُّوح تنعش الآمال الكبار، وتؤكد على سداد الرأي القائل بأن الأمر لو كان ترك، أصلاً، للمسيريَّة والدينكا، لكانوا سووه بأفضل ممَّا فعل تحكيم لاهاي! لكن، وبما أنه ليس ثمَّة بُدٌّ ممَّا ليس منه بُدْ، فيتوجَّب على القوى السّياسيَّة الوطنيَّة أن ترمي بثقلها، الآن، وبأعجل ما يمكن، لسدّ هذه (الثغرة!) التي تتوعَّدنا بالحرب مجدَّداً، كما ينبغي على الدَّولة ألا تنفض يدها عن الأمر، وتتركه لإدارة المنطقة كأيّ شأن محلي، لتفرغ هي لحساب أرباحها المنتظرة من نفط هجليج!

لقد دقت ساعة المرحال القادم، وأزف موعد اختبار قدرة (لاهاي) على الصُّمود في ذهنيَّة (الهامش الرَّعوي)، لا في حسابات المركز (النفطي)!

 

الخميس

تقوم الديموقراطيَّة التعدُّديَّة، أصلاً، على جدليَّة (الحكومة والمعارضة)، كضدَّين متحدين! فالحزب الذي يحصد أغلبيَّة إجمالي أصوات الناخبين يذهب إلى (الحكومة)، أما الآخرون فلا (يموتون)، وإنما يجلسون في مقاعد (المعارضة)!

لكن يبدو أن لدى د. نافع علي نافع، مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم، رؤية مغايرة! ففي حديثه، أمام ندوة حزبه بضاحية أم بدَّة بأم درمان، رمى سيادته الأحزاب التي (تعارضهم) بـ (الخيانة العظمى!)، متوعّداً إيَّاها بأن (هزيمتها) في الانتخابات المقبلة ستعني تشييعها إلى (المقابر!)، وزاد قائلاً: "سنكتب، بعد الانتخابات، توفي إلى رحمة مولاه الحزب الفلاني والعلاني" (الشرق الأوسط، 13/12/09).

غير أن السَّيّد ياسر عرمان، نائب الأمين العام للحركة الشعبيَّة الشريكة في الحكم، ورئيس كتلتها البرلمانيَّة، شدَّد، في تصريح لذات الصحيفة، وفي نفس العدد، على أن (المعارضة) ليست (خائنة!) أو قادمة من (خارج الحدود!)، مؤكداً على أنها "جزء من النظام السّياسي الديمقراطي ولها تاريخ مشهود"؛ وأضاف أن "المؤتمر الوطني يريد السَّيطرة على العمليَّة الانتخابيَّة، والذهاب بالبلاد إلى خياري زيمبابوي وكينيا اللتين شهدتا أحداثا دمويَّة العام الماضي"، ونادى بضرورة ضمان "الحرّيَّات الكاملة لإجراء الانتخابات، وإيقاف الاعتداء على الأحزاب، والندوات والليالي السّياسيَّة، والنشاط السّلمي للجماهير" (المصدر نفسه).

رؤيتان متباينتان، والفرق بينهما جدُّ جلي، فلماذا يحتجُّ د. نافع، وأركان المؤتمر الوطني، على (التقارب) بين الحركة الشعبيَّة وأحزاب (المعارضة)؟!

 

الجمعة

اعترض الفريق مهندس محمد عطا، مدير جهاز الأمن، على تحديد فترة الاعتقال، في مشروع قانون الأمن الجديد، بشهر واحد، معلناً عن عزمه مطالبة البرلمان بزيادتها (الشرق الأوسط، 19/10/09).

في تقريرها النهائي لم تفت على اللجنة الدوليَّة التي كلفها مجلس الأمن بالتحقيق في أحداث دارفور (2004 ـ 2005م)، ملاحظة أن المادة/31 من قانون قوَّات الأمن الوطني لسنة 1999م تبيح لأيّ عضو فيه أن يقبض، لمدَّة 3 أيام، على أيّ شخص، ويفتشه، ويحتجزه، ويحقق معه، دون أن يخطره بالسَّبب! ثمَّ يمكن للمدير العام أن يمدِّد هذه الفترة إلى 3 شهور! ثمَّ يمكنه أن يجدِّدها، بموافقة النائب العام، لمدة 3 شهور أخرى! فإذا اقتضى الأمر، وغالباً ما يقتضي، يجوز له أن يطلب من مجلس الأمن الوطني تجديد الاعتقال لمدة 3 شهور إضافيَّة، وغالباً ما يستجيب المجلس، فتكون لدى الجهاز، عمليَّاً، سلطة اعتقال أيّ شخص، إداريَّاً، لمدة 9 أشهر و3 أيام!

ورغم أن القانون يمنح المحتجز، نظريَّاً، حقَّ الاستئناف أمام القاضي، إلا أنه لا يُبلغ، في العادة، بهذا الحقّ، ولا يُسمح له بمقابلة محام، وبالتالي تنعدم ضمانات حصوله على مساعدة قانونيَّة مستقلة! إنه وراء الشمس .. وكفى! ومع طول هذه المدَّة، فإنها يتمُّ تجاهلها في الغالب أيضاً، إذ قد تتجاوز، أحياناً، 12 شهراً وزيادة، دون عرض المحتجز أمام قاض، أو توجيه تهمة محدَّدة له، أو تقديمه لمحاكمة عادلة! وفضلاً عن كلّ ذلك تمنح المادة/9 عضو الجهاز الذي يعيِّنه المدير العام لتنفيذ مهام (خاصَّة!) سلطة واسعة في احتجاز ممتلكات الشخص المعتقل "وفقا للقانون"!

ومع أن المادة/32/2 تنصُّ، نظريَّاً أيضاً، على حقّ الشَّخص المعتقل في الاتصال بأسرته "حيثما لا يخلُّ ذلك بسير الاستجواب والتحقيق في القضيَّة!"، وهو، طبعاً، "يخلُّ!"، إلا أن العبارة نفسها، كما لاحظت اللجنة الدوليَّة، تنفي الوضوح، ولا تجلب سوى الغموض، وتهبط بمستوى قطعيَّة القانون! فحتى لو كانت أسرة المحتجز على علم بهذا (الحقّ)، فمن المشكوك فيه أن تتوفر لديها (الشَّجاعة) لتحدِّي هالة الخوف التي تحيط بالجهاز! وقد تبيِّن للجنة الدوليَّة أنه، في أغلب الأحيان، عندما تسعى القلة (الشُّجاعة) للحصول على إذن، فإنه لا يُمنح لها! وبالنتيجة يكون الشَّخص المعتقل مجهول المكان والمصير، طوال المدَّة المذكورة، مِمَّا يشكل مخالفةً جسيمة لنصّ المادة/14/3/ج من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسّياسيَّة، والسودان موقع ومصادق عليه، فهو، بالتالي جزء من القانون الوطني بنصّ المادَّة/27/3 من الدستور، بل مخالفة حتى لنصّ المادة/31 من قانون الأمن نفسه التي توجب، بعد انتهاء مدة الاحتجاز المحدَّدة، تقديم المحتجز إلى المحاكمة أو إطلاق سراحه!

ضف إلى كلّ ذلك ما يتمتع به أعضاء الجهاز، بموجب المادة/33، من امتيازات privileges وحصانات immunities تستخدم كمعينات للإفلات من العقاب impunity، أو كدروع مضادَّة للمسئوليَّة الجنائيَّة، فلا يُرغم أحد منهم على إعطاء معلومات عن الأنشطة التي اطلعوا عليها "خلال عملهم"! ولا يمكن، بدون موافقة المدير، مقاضاة أىٍّ منهم عن أيَّة أفعال "ذات صلة بعملهم"! وحتى إذا وافق المدير، فإنهم يحتفظون بـ (حقهم) في العودة على الدولة بالتعويض! علماً بأن عضو الجّهاز (المتهم) يُقدَّم إلى محكمة .. (سريَّة!)، وفي ذلك مخالفة صارخة لنصّ المادة/41/1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسّياسيَّة، حيث الجَّلسات (العلنيَّة) هي المعيار الأساسي للمحاكمة العادلة. وعند مواجهة اللجنة للواء صلاح عبد الله، مدير الجّهاز السَّابق، بهذه المسألة، نحا باللائمة على الترجمة الإنجليزيَّة للنصّ، كونها، برأيه، غير دقيقة، ممَّا حدا باللجنة إلى العكوف على إعادة الترجمة بمعرفتها، فخلصت إلى أن النصَّ يشتمل، بالفعل، على المحاكمة (السّريَّة)!

لهذا وغيره أوصت اللجنة بإلغاء هذا القانون. كما عبَّرت لويز آربور، المفوَّضة السامية السَّابقة لحقوق الإنسان، في المؤتمر الصَّحفي الذي عقدته في ختام زيارتها للسودان بتاريخ 5/5/2006م، عن قلقها "إزاء قوَّات الأمن التي تقوم بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاعتقالات التعسُّفيَّة والتعذيب .. في أماكن تابعة للجهاز، الأمر الذي يتطلب إعادة ترتيبه وإصلاحه بصورة عاجلة .. (لأنه) لا يتسق مع المعايير الدوليَّة لحقوق الإنسان .. في عدم محاكمة المسئولين والحصانات .. وله سلطات كان يجب أن تمارسها السُّلطة المدنيَّة .. (و) هناك حاجة إلى تغيير كامل لنظام الأمن الوطني في السودان" (صحف ووكالات ، 5 و6/5/2006م).

الشاهد أن إصرار السَّيّد عطا على تضمين القانون الجديد مدَّة أطول للاعتقال هو مجرَّد تحصيل حاصل! فسواء حُدّدت هذه المدَّة بيوم أو شهر أو سنة، فليس هذا هو المهمُّ، بالنسبة للجّهاز، بل المهمُّ هو ورود (سلطة الاعتقال) نفسها في القانون، مع ما يحيط بها من امتيازات وحصانات؛ أمَّا (الباقي) فسيتكفل به الجّهاز، حتماً، مثلما كان الأمر مع قانون 1999م!

لا مساومة، إذن، في شأن المطالبة بإلغاء هذه (السُّلطة)، اتساقاً مع نصّ المادة/151/3 من الدستور المؤسَّس على اتفاقيَّة السلام، والتي حدَّدت مهام الجّهاز في "جمع المعلومات وتحليلها وتقديم المشورة للسُّلطات المعنيَّة" .. رغم مغالطات الحزب الحاكم، وتفسيره العجيب لهذا النصّ الواضح كالشَّمس!  

 

السبت

لطالما تمنينا على كلّ من وقفوا، بأنفسهم، على أيّ حدث مهمّ في تاريخنا المعاصر، أو اطلعوا، بوجه أو بآخر، على أيّ من أسراره، أو خباياه، أو ماورائيَّاته، في كلّ المجالات، من دهاليز السّياسة إلى ميادين الرّياضة، أن يوثقوا لذلك بطريق الكتابة، أو الصَّوت، أو الصُّورة، ويمكنوا من نشره على الملأ، في مذكرات، أو مقالات، أو أشرطة أو أيَّة وسائط إليكترونيَّة، إذ يكفينا ما اندرس، حتى الآن، في الذواكر الخربة، أو اندفن في صدور الراحلين مع جثامينهم، فلم يورثونا سوى الثقوب والفراغات التي تستوجب مضاهاة أطنان من الوقائع للخروج بدرهم من الحقيقة!

ربَّما لهذا وحده يستحقَّ الأستاذ المحبوب عبد السَّلام، أحد شهود حركة الإسلام السّياسي في بلادنا، على الأقل في طورها السُّلطوي التنفيذي خلال العقدين الماضيين، أن نحيّيه، ونشدَّ على يده، كونه بذل جهداً مقدَّراً في تدوين ونشر كلّ ما وقف بنفسه عليه، أو ما بلغ إلى علمه، بشكل أو بآخر، ممَّا لا غنى عنه لأيّ باحث في أحداث وخوافي فترة من أهمّ وأخطر فترات حياتنا السّياسيَّة الرَّاهنة، وذلك في كتاب حسن التحرير، جميل التصميم، يقع في 443 صفحة من القطع الكبير، وقد صدر حديثاً عن دار مدارك بالقاهرة، بعنوان: (الحركة الإسلاميَّة السودانيَّة: دائرة الضوء ـ خيوط الظلام: "تأمُّلات في العشريَّة الأولى لعهد الإنقاذ"، ط 1، القاهرة 2010م).

وإذ نتوقع، بطبيعة الحال، أن تثير روايات الكاتب، وتحليلاته، واستنتاجاته الكثيفة، جدلاً واسعاً، تعضيداً أو دحضاً، بل لعلها تستنفر همم آخرين ليحذوا حذوه، توثيقاً مفصَّلاً لشهاداتهم، فإن ذلك ممَّا يعزز، يقيناً، من قيمة هذا الكتاب، ويؤكد جدارة مؤلفه بالتحيَّة والتهنئة.

 

الأحد

قلم خفيف الظلّ ينشر، باسم (قيرا قيرا)، في موقع (السَّاحة العربيَّة) على الشبكة العنكبوتيَّة، رصد طائفة من طرائف التحرير الصّحفي، بالاستناد إلى عدَّة مصادر، مثل (طرائف الأخطاء الصحفيَّة المطبعيَّة) لمنذر الأسعد؛ و(أيّ كلام) لأحمد رجب، و(مقالب وحكايات صحفيَّة) لعلي المغربي، و(الصحافة قصص ومغامرات) لمحسن محمد، نقلا عن موقع (الصَّحفي العربي). فمثلاً، عندما خشي محرر (الحوادث) في صحيفة عربيَّة من (التصريح) بجنسيَّة المتهم، (ألمح) إلى أنه "من بلد يحجُّ إليه المسلمون"! وغطى صحفي آخر حادثاً (انقلبت) فيه درَّاجة بخاريَّة يقودها (عسكري)، فكتب: (انقلاب عسكري في مدينة كذا)!

وتقع الأخطاء، أحياناً، إما للسَّهو، أو لسؤ التفاهم، أو للتداخل بين الموضوعات. فقد تلقى أنطون الجميل، رئيس تحرير (الأهرام) الأسبق، نعياً، قبيل الطبع مباشرة، فكتب عليه توجيهاً لعمال الجَّمع: "إن وُجد له مكان"، فنشر كالآتي: "توفي فلان الفلاني أسكنه الله فسيح جناته إن وُجد له مكان"! وتداخلت مادَّتان في صحيفة أخرى فظهر إعلان عن محل (فطائر) يقول: "تمتع بفطيرة الفاكهة من خشب المهوقني المتين"! وتداخل، أيضاً، خبر عن جموح حصان مع خبر زواج نشرته (المقطم) قائلة: "احتفلت الجالية اليونانيَّة بزواج ابن عميدها الخواجة كرياكو، وقد استقبله الأهل مع عروسه، ثم انطلق فجأة هائجاً يبرطع في الشارع، فحطم واجهة حانوت وقتل طفلا، وألقت الشرطة القبض عليه، ثم خرج العروسان في عربة مكشوفة، وبينما كان الحوذي يقود الكارو، جمح الحصان متأبطا ذراع عروسه سليلة أرقى العائلات، وطاف بها أركان الفيلا، وأحيت الحفل بديعة مصابني، بحضور مأمور قسم الأزبكية وحكمدار القاهرة"!

وليس نادراً ما يقع الخطأ بسبب المنافسة على السبق الصحفي! ففي 1875م نشرت صحيفة أمريكيَّة خبراً خاطئاً عن وفاة الأديب الفرنسي فيكتور هوغو! وبعد 10 سنوات مات هوغو فعلاً، فأعلنت الصحيفة أنها حققت سبقاً صحفيَّاً! كذلك نشرت صحيفة لندنيَّة، بالخطأ، خبر وفاة الشاعر الإنجليزي كيبلنج، وكان مشتركاً فيها، فكتب إليها يقول: "بما أنكم صحيفة محترمة، وأخبار الصًّحف المحترمة كلها صحيحة، فأرجو شطبي من قائمة المشتركين لأنني انتقلت إلى الدَّار الآخرة"!

ولعلَّ (فبركة) المادَّة الصحفيَّة هي أكثر الأخطاء فظاظة! فعندما يئس صحفي مبتدئ من إمكانيَّة إجراء لقاء مع المخترع أديسون، لجأ لتلفيق اللقاء ونشره بعنوان (أكبر مخترع في العالم)! فما كان من أديسون إلا أن اتصل به قائلاً: "بل أنت أكبر مخترع في العالم، لا أنا"! أما الكاتب المصري السَّاخر أحمد رجب فقد قرَّر، مرَّة، أن يسخر من موضة العبث واللامعقول الأدبيَّة التي سادت ردحاً من الزمن، فألف رواية من مجموعة جُمَل مفككة، وعبارات غامضة بلا معنى، أسماها (الهواء الأسود)، ونشرها بمجلة (الكواكب) باعتبارها لمؤلف أجنبي يدعى فريدريك دون مارث! فتبارى كبار النقاد في مدحها كرواية (عالميَّة!) تعكس أزمة العصر، ومأساة إنسان القرن العشرين .. الخ! لكن الصَّدمة ما لبثت أن أصابت الجميع عندما كشف رجب أنه هو مؤلفها الحقيقي، وأنها لا تعني أيّ شئ!

غير أن معظم الطرائف تنتج عن أخطاء لغويَّة أو طباعيَّة. فقد كتب، مرَّة، محرّر صحيفة عربيَّة افتتاحيَّة أحد أعدادها بعنوان (ما يريد الشياطون)، معتبراً أن (جمع الشيطان) هنا فاعل مرفوع بالواو! وروَّجت صحيفة أخرى لنفسها بأنها "أوسخ الصحف انتشاراً!"، فلوَّثت سمعتها بتبديل (العين) بـ (الخاء)! ونشرت صحيفة ثالثة حديثاً مع أنور السادات بعنوان: "الرئيس المدمن يتضاءل بالبيض المحلي"! والمقصود: "الرئيس المؤمن يتفاءل بالبيض المحلي"! وثار قضاة مصر على (الأهرام)، وشكوها لنقابة الصَّحفيّين، لا لمطالبتها "بتجديد شباب القضاء"، بل لأن عنوانها جاء كالتالي: "الأهرام تطالب بتجريد ثياب القضاة"! وبعد أن فكَّ طلاب جامعة الإسكندريَّة إضراباً كانوا نظموه، كتبت (الأخبار): "كلاب الإسكندريَّة ينهون إضرابهم"، فحصدت الحكومة غضب الطلاب الذين عادوا لإضرابهم، وحصدت الصحيفة، بالمقابل، غضب الحكومة! ونشرت صحيفة أن الحكومة "تجتث" حقوق العمال، بدلا من "تبحث"! وكتبت أخرى عن "عورة وزير الأوقاف"، والمقصودة "عودته"! أمّا ما فعلته صحيفة ثالثة فقد كان فضيحة بجلاجل، فبدلاً من أن "تتجوَّل" وزيرة الشؤون الاجتماعية في محافظة كفر الشيخ، تحوَّلت (الجّيم) إلى (باء)، ووقعت الكارثة!

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]