في الذكرى الثانية لثورة 21 أكتوبر 1964 وقف الزعيم إسماعيل الأزهري رئيس الحزب الوطني الاتحادي ورئيس مجلس السيادة في ليلة سياسية بأم درمان وفض شراكته مع حزب الأمة في الحكومة الائتلافية. وكان سبق ذلك منذ أوائل سبتمبر 1965 خلاف بين الحزبين حول من يترأس وفود السودان إلى مؤتمرات القمة العربية والأفريقية. وكان النزاع حول من يقود الوفد: أزهري رئيس مجلس السيادة أم محمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء عن حزب الأمة. وقال الأزهري في تلك الليلة السياسية إنهم حاولوا حل الأزمة بأن يتكون الوفد إلى غانا من الحزبين غير أنه سمع بأمس يومه أن الأمة قد شكل وفداً برئاسة المحجوب. وقال إن من رأي الحزب الاتحادي أن الأمة تحداه بما يجعل فض الائتلاف من لا مفر منه. وقال نصر الدين السيد، قطب الحزب وممثله البرلماني عن مدينة الخرطوم بحري، في الندوة إن وزراء الاتحادي تقدموا باستقالاتهم من الحكومة استقالات قال المحجوب إنه سيقبلها.

بدأ الخلاف موضوعنا هنا في أوائل سبتمبر 1965 ولم ينته إلا في أوائل نوفمبر من السنة. وأول ما نشرت جريدة الميدان عنه كان في 7 سبتمبر عن شخصية قانونية توسطت بين الأزهري والمحجوب حول الخلاف. وقابل الوسيط الأزهري السيد الصادق المهدي رئيس حزب الامة. وتعاقد مع الأطراف على أن يترأس الأزهري وفد السودان للقمة العربية في الدار البيضاء وتكون للمحجوب رئاسة مؤتمرات أخرى. وانحل الإشكال في 8 سبتمبر بالاتفاق على سفرهما معاً في حين قال مستشارون قانونيون بأحقية المحجوب كرئيس للوزراء في تراس الوفود لمثل هذه الاجتماعات دستورياً.

وجاء في أخبار 6 أكتوبر 1965 أن الأزهري كون لجنة مشتركة من الحزبين مهمتها الإشراف على بروتكول الوفود الرسمية للمؤتمرات الدولية. وبدا أن الأزهري لم يكن راضياً عن رحلة حكومية إلى شرق أفريقيا وعن تجاهله في اتفاقية انعقدت مع أثيوبيا كان ينبغي أن يعلم بها كرئيس دولة. وجاء في صحف 8 أكتوبر أن الأزهري قرر أن يوكون على رئاسة وفد السودان لمؤتمر القمة الأفريقي بأكرا بدولة غانا.

ويبدو أن الأزهري لم ينجح في إقناع حلفائه في الأمة بجعل رئاسة وفدنا لمؤتمر القمة الأفريقي له. ولذلك اشتكي في الليلة السياسية لحزبه في 21 أكتوبر من انفراد الأمة بالوفد ورئاسته. وكانت المساعي جارية من أهل الخير لتجاوز الأزمة. ولكنها اشتدت الأزمة. ففي أخبار 24 أكتوبر جاء أن لجنة الوطني الاتحادي التنفيذية وهيئته البرلمانية قررتا فض الائتلاف واستقالة الوزراء الاتحاديين. وأخرج الاتحاديون ما بأنفسهم من الائتلاف في غير رئاسة الوفد التي بدت كالقشة التي قصمت ظهر البعير. فلم يكن توزيع الوزارات بين الحزبين عادلاً أصلاً علاوة على تحيز الحكومة لنوب الأمة وغير ذلك. وعرض الأزهري، الذي قبل بالوساطة، شروطه لعودة الائتلاف ليرجع عن موقفه. وشروطه كانت أن يُبعد المحجوب من رئاسة الوزارة، وأن يعتذر حزب الأمة عن الأخطاء التي ارتكبها بحق حزبه ورئيسه شخصياً وبأن يعدل الدستور بحيث يعطى رئيس مجلس السيادة حق رئاسة الوفود مستقبلاً". ومعلوم أن الدستور قد عُدل من قبل ليكون الأزهري رئيساً دائماً لمجلس السيادة الذي كانت رئاسته دورية شهراً لكل عضو. وهي صفقة انعقد بها ائتلاف حزبه وحزب الأمة في الحكم.

واتصلت حلقات الأزمة بين الحزبين. وتداعت الوقائع. واقترحت الهيئة البرلمانية للحزب الشيوعي اتحاد شعبي على سنة مبادئ ثورة أكتوبر. وصرفت الهيئة البرلمانية للاتحادي من جهتها النظر عن عودة الائتلاف مع الأمة ونادت بقيام حكومة قومية من كل الأحزاب. وبالعدم قيام حكومة للوطني الاتحادي أو يذهب لصف المعارضة إن لم يفز بها. وتواصلت المساعي الحميدة لتجاوز الأزمة. فاجتمع الأزهري بحزب الأمة. وناشد الأمة حليفه تجاوز الخلاف لتوتر الأوضاع في الجنوب والعودة للحكومة لمعالجة الوضع معاً. وفي اجتماع للهيئة البرلمانية لحزب الأمة أكد رئيس الحزب، السيد الصادق، بعدم قبول أي شروط بعودة الائتلاف وتمسكه برئاسة المحجوب لوفد أكرا. ورد على اقتراح الاتحادي الداعي لحكومة قومية بأنهم لن يقبلوا بحكومة فيها الحزب الشيوعي. وقال بأن الائتلاف عائد بأسس جديدة لم يفصح عنها. من الجانب الآخر قالت جريدة الميثاق ( جبهة لميثاق الإسلامي-الإخوان) إنه لا راي لها في الأزمة إلا أنهم يرفضون اشتراك الشيوعيين في أي وزارة مقترحة. وزار وفد من الحزب الشيوعي الأزهري لنقل رأيهم حول الوضع السياسي الحرج وعرضوا عليه أسس تعاون بينهم في الحكم أو المعارضة للخروج من المأزق. وقالوا إنهم غير مستعدين للزج بأنفسهم في خلافات شخصية لا تخدم مصلحة الشعب.

جاء في الميدان في 29 أكتوبر أن الحزب الشيوعي طرح في البرلمان سحب الثقة من الحكومة لفشلها في تحقيق الاستقرار السياسي بما يهدد الديمقراطية. كما وضح فشلها في معالجة قضية الجنوب والتدخلات الاستعمارية السافرة فيه علاوة على تقاعسها عن تسليح الجيش وإعداده وتشوينه. زد على ذلك فشلها في حل الازمة الاقتصادية. وجاء من الحزب الشيوعي أن المخرج هو حكومة للقوى الثورية برفض تام لحكومة تضم الأمة والإخوان. ورفض الشيوعي الدعوة لحكومة قومية لأنها ستكون ساحة للرجعيين. ونادى بحكومة ثورية من الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي والعمال والمزارعين والقوى الوطنية الأخرى.

ولم يطل لوقت وترددت نغمة عودة الائتلاف في الميدان (31 أكتوبر) إثر اجتماع للأزهري بقادة حزب الأمة. وخرجوا بأسس جديدة له وهي أن يترأس الأزهري وفود السودان للمؤتمرات الدولية شريطة ألا تضار الحقوق الدستورية والتنفيذية لرئيس الوزراء. وبدا أن هذه الأسس لم تلق القبول في حزب الأمة. فاجتمعت الهيئة البرلمانية للاتحاديين صرح الأزهري فيها أن الائتلاف لن يعود وسيقف حزبه في المعارضة. بينما قال الأمة أن المساعي لم تزل جارية. وحمل السيدان الصادق وأحمد المهدي مقترحات بشأن عودة الائتلاف وقبولهم بأي مقترح حول تعديلات لسلطات رأس الدولة. وجاء أن الاتحادي رفض هذه المساعي على لسان محمد أحمد المرضي قطب الحزب ونائب الخرطوم الشمالية في البرلمان.

ولم تنقطع شعرة معاوية بعد حسب الميدان في 2 نوفمبر. فترك الاتحادي الباب موارباً لمزيد من المساومات مع الأمة. وكان الأمة من جانبه متفائلاً باختراق الأزمة وأن المسالة مسألة وقت. واتصلت اجتماعاته مع الأزهري وفي جعبتهم عرض جديد.

وجاء في الميدان ليوم الثالث من نوفمبر خبر اجتماع مشترك للهيئتين البرلمانيتين للحزبين. وخاطب السيد الصادق الاجتماع. ونقل رأي حزبه في تأكيد رئاسة الأزهري للوفود للمؤتمرات العالمية. كما جرت إعادة شك للوزرة ارتفع بها نصيب الاتحادي من 6 إلى 7 حقائب. وأيد النواب من الحزبين بالأغلبية عودة الائتلاف. وصدر الموقف الرسمي للاتحادي بالعودة للحكومة في الميدان بتاريخ 4 نوفمبر. ونقلت الميدان في عدد اليوم التالي بياناً من رئيسي الأمة والاتحادي شددا على أن الظروف التي استوجبت ائتلافهما ظلت قائمة بل أصبحت الضرورة في استمراره ودعمه. وقال البيان إنهما اتفقا أن يرأس الأزهري وفود السودان إلى جميع مؤتمرات القمة الدولية "على أن يتحمل الحزبان المؤتلفان أعباء الحكم بالتضامن والاشتراك الفعلي وأن عودة الائتلاف اقتضتها المحافظة على كيان السودان. وتكون العودة حافزاً للشعب السوداني للتضامن القومي الشامل. وأن هذه الخطوات اتخذت توثيقاً للائتلاف وتعميقاً لجذوره"
وشدة وزالت.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.