نشرتُ أمس بيان الطالبات الإسلاميات الذي شجبن فيه مهرجان الجبهة الديمقراطية للفنون الشعبية (1968)، الشهير بالعجكو، بذريعة أن الرقص المختلط يثير حفيظة الآباء. ومتى آثارها انتهزه الآباء فرصة لحجب بناتهن من التعليم الجامعي الذي لا يرعي ل"الأخلاق" حرمة. ووجدت بعض الأصدقاء والصديقات هنا قبلوا بهذا المنطق كأنه سيأتي يوم في المستقبل لا مقطوع ولا موعود سيرسل الآباء بناتهم للجامعة وقد قبلوا الرقص المختلط فيها. فمثل هذه الظواهر لا تؤجل في انتظار مثل هذا اليوم. بل ربما عجلت بها ليأتي مثل هذا اليوم.

هذا باب في منطق الواقعة. ولكن لنأتي لموقف الآباء كما أسفر في هذه الواقعة. وعالجت هذا الجانب ربيكا قليد في رسالتها للماجستير من جامعة بيرقن بالنرويج التي عنوانها "الحركة الطلابية السودانية: تاريخ النشاطات الطلابية وسياساتهم في جامعة الخرطوم من 1968 إلى 1973" (2015). وهو بحث جيد ثمرة لقاءات مع نحو 20 من شهود الحادثة من كل المعسكرات الطلابية. ولكن أهم هذه اللقاءات ربما كان الذي عقدته مع السيدة ريل الشام محمد تمساح (شامة) عضو الجبهة الديمقراطية والتي لم تشترك في الرقص فحسب، بل كانت ممن درب الطلاب والطالبات على رقصات مديرية كردفان التي هي منها.

ونعرف من شهادتها أن الإخوان المسلمين هم الذين أدخلوا الإباء في معركتهم في الجامعة التي ودوا ربما ترك مساهم بناتهم في الرقص لتقدير بناتهم في الحرم الجامعي. وهذا يدل على ألا حرمة لمعن عند الإخوان متى فجروا في الخصومة. فلو كانوا قلبهم على حرمة العلم في الجامعة وتأمين التعليم الجامعي للبنات كما زعموا لما سعوا مؤسسياً لإدخال آباء في هذا المعترك الخاص بهم، والضغط عليهم لسحب بناتهم من حلبة الرقص. فحسب رواية السيد قطبي المهدي قال إنهم قالوا للآباء لقد بعثتم ببناتكم للجامعة وها أنتم ترون أي مزالق انساقوا إليها. وقال إن ذلك أغضب كثيراً من الإباء. ولم يغضب كثيرهم. ففيهم من رد على الإخوان بما منح لبناتهم حرية غمطوها هم لهن. فقالت ريل الشام إن الإخوان اتصلوا بوالدها لينهيها عن الاشتراك في الرقص المختلط. ورفض والدها، ناظر دار حامد وقطب حزب الأمة، التدخل وقال إنها حرة فيما تفعل. فتركوه ليتصلوا بأحد إخوانها الذي رفض دعوتهم للقدوم للجامعة. وفشلت مساعي الإخوان لإثناء ريل الشام عن المشاركة في المهرجان ولكنهم نجحوا مع فتاة أخرى من الفرقة.

وواضح أن حجة الإخوان أن مهرجاننا مستفز للآباء وسيحول بالنتيجة دون إرسال بناتهم للجامعة كانت من إثارتهم هم، وتدبيرهم هم، وتربصهم هم بالمناسبة. فحصروا الآباء بخطتهم وأحرجوهم ثم جعلوا تراجع أب أو آخر عن رقص ابنته دليلاً على استفزاز مهرجاننا استفزازاً هم من روج له وأشاعه. وهذا ما يسميه السودانيون "يفلق ويداوي". ولو كان للجامعة ولبناته حرمة عندهم لجنبوهما إثارة خاطر الآباء وأكتفوا بإعطاء النقارة عصا والامتناع عن إعطاء الحلة عيطة.
اسم الرسالة في لغتها الأصلية

Rebecca Glade, Sudan’s Student Movement: A History of Student Activities and Politics at Khartoum University, 1968-1973, 2015.

الصورة لبرنامج مهرجان الفنون الشعبية الذي نظمته جمعية الثقافة الوطنية بقاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم يوم 6 نوفمبر 1968. وهو بخط الأستاذ عثمان جعفر النصيري الذي لا يغباني.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.