كتب أستاذنا عبد الخالق محجوب مرة رسالة للحزب الشيوعي من القاهرة، التي "نفاه" إليها الرئيس نميري في 1970، عن أحدهم، وقد رأى هوان نفسه عليه مهللاً لنظام مايو: كيف تحتملون ذلك "الدمل" بينكم. وكإمري شهد صعود الحركة الإسلامية شاباً، ووقف على استثمار الآلاف من الشباب فيها خلال عقود ليكون الإسلام مرجعاً في السياسة والوجدان، أقول للإسلاميين كيف تحتملون هذا الدمل الذي اسمه الحركة الإسلامية بينكم. لقد كان صرفه البذخي على مؤتمره الأخير في عام الرمادة أقل عواره خطراً. فبؤسه العظيم في لين الركب، والطأطأة للسلطان، والبيعة المفتوحة. ألا من يغير هذا الباطل بيده؟ وهذه كلمة قديمة في المعني:

كنت أحضر لقاء لإخوة كرام من الإسلاميين يوماً. فتوقفت عند عبارة للدكتور خالد التيجاني زبدتها "ماذا خسر السودان بانحطاط الحركة الإسلامية؟" مراوحة عند عنوان "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" (1950) لأبي الحسن الندوي
وأقول كثيراً إن ما خسارة السودان من كبوة الحركة الإسلاميين أكثر من خسارة السودان بكبوة الشيوعيين. فالماركسية ما تزال "غريب ديار" على أنها توطنت بين الكادحين ومسألة العدالة الاجتماعية كما لم تفعل حركة قبلها أو بعدها بل كما لم تزعم حركة أنها فعلت أو قد تفعل. ولكنها "بنت وافدة البحار" ما تزال. فما تكأكأت الأحزاب على ذلك الوافد حتى ضربوا علينا عزلة سألنا أستاذنا اأن نتملاها في العمق. وبينما يمكن للمسلمين في السودان الاستغناء عن الماركسية (وهو شيء لا أفرح له) ولكنهم لن يستغنوا عن حركة إسلامية يبتلون بها الحداثة.

خلافاً للجيل اليساري المعاصر وشيوخهم لم يكن صعباً عليّ التعايش مع الحركة الإسلامية. فأنا من جيل طلاب ثورة اكتوبر 1964 الذي جلست فرقه السياسة كتفاً بكتف متحدة في التكتيك الأساسي وهو إسقاط نظام عبود. مختلفة في كل تكتيك فرعي (نسير مظاهرة ام ندخل في إضراب؟) ولكن أصابني وكثيراً من زملائي في اليسار سقم جليل مما اشتهر بيننا ب"نكسة اكتوبر" وتاجها حل الحزب الشيوعي، الذي كان الإسلاميون رأس رمحه. فتورطنا في مايو حبيب ودفعنا ثمن سقمنا المعروف. وعدت أقرأ أدب الحزب الشيوعي في هدأة في السبعينات ووجدت أن أستاذنا عبد الخالق محجوب كان نصحنا قبل الانقلاب أن نثبت عند الحق، وألا يسوقنا مثل ذلك السقم إلى أن نكون في زمرة "اليائسين والمغامرين". ونصحنا ألا نستهول مشروع الدستور الإسلامي الذي أجازه البرلمان في 1968 وأن نرتب لحلف عريض يدعو لدستور يحمي الحقوق الأساسية. وجوهر مسألته أن نتمسك بالنظام البرلماني الليبرالي كنا فيه شرعاً أو واقعاً. واستبد بنا السقم وسارع اليائسون منا والمغامرون لقطع الطريق على مشروع الدستور الإسلامي بالانقلاب فرموا المولود مع الماء. وقال الرئيس نميري في شباب انقلابه إن ذلك الدستور لا يساوي ثمن الحبر الذي كتب به. وجاءنا في سبتمبر 1983 بما هو أخشن. جاء بما لم يشاور فيها برلمانه "البِشْعة" (الذميم الدميم في عبارة الرباطاب) حين كان من أجاز دستور 68 برلمان حسن السمت.

فقدنا الحركة السلامية و"اتشتت الرصاص". وظللت طوال الثلاثين عاماً مضت أميز ما بين الحركة الإسلامية وبين "المغامرين واليائسين" منها الذين ارتكبوا انقلاب 89 وعاشوا ليعضوا بنان الندم. ومن أمثلة تشتت الرصاص إنني كنت أمر بديوان الزكاة يوم الجمعة. فقلت في نفسي أين بلغنا بفقه الزكاة بعد كل هذه العقود؟ هل يصح أن يكتنز جهاز الزكاة كل هذه الأموال وهو بمنأى عن ولاية الدولة للمال؟ كيف لنا هذا الفصل بين الدين والدولة: فالضرائب للدولة والزكاة لغيرها؟ هل للحركة الإسلامية فقه للزكاة يهدي إلى سواء السبيل.

فقدنا الحركة الإسلامية فأصبحنا كمن يتخبطه مس.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.