لا أعرف توفيقاً صدف لثورة ديسمبر 2018 مثل مثول المخلوع عمر البشير أمام المحكمة الآن بتهمة شرط جيب الأمة ونشل 110 مليون دولار (ستة ملايين يورو، وأكثر من ثلاثمائة ألف دولار، وأموال بالعملة السودانيّة بلغت أكثر من خمسة مليارات جنيه، أي أكثر من مئة مليون دولار). وخلافاً لآخرين ممن أرادوا أن تبدأ محاكمته بجرائم الحرب أو خرق الدستور بالانقلاب في 1989، فإن محاكمته كنشال شرّاط جيوب، التي لم ترتب لها الثورة قصداً، أغنتنا عما عداها. فمحاكمته كسفاح أو انقلابي ترفيع لا يستحقه وهو الذي اختار وضاعة نشل الأمة غير مسبوق. فالقتل والانقلاب، مهما قلنا عنهما، مما يقع من حاكم القوم. وفيهما عزيمة خلا منها المخلوع بخفة يده ورمرمته.

لقد غالب الكثيرون منا وجهة تسليم المخلوع لمحكمة الجنايات الدولية لجرائم اعترف بعظمة لسانه بارتكابها. ولم تكن مغالبتنا تلك رأفة به بل مصابرة على وطنيتنا تنزيهاً لها من دنية جعل أمرنا في يد غيرنا. وتجرعنا غصص رمي مواطنينا ضحايا مذابح المخلوع لنا بخذلانهم علاوة على خسائرنا من اعتزالنا العالم لأن بلدنا لم يتنزل بتسليم المخلوع لهذه المحكمة. ففاتنا، ونحن نتجرع غصص هذه الوطنية، أن نكون بين الدول الأفقر التي تواصى الغرب على رفع دينها (الهبيك، 1996) ولا بين الدول التي تتمتع بمعاهدة كوتونو (2003) للحكم الراشد التي تشترط معاقبة القتلة من الحكام بعدالة خلاسية من القضاء الوطني ومحكمة الجنايات الدولية.

جاء المخلوع في الحكم بشيء إدّا، وهو الأمر المنكر العظيم. فبقدر ما تداولنا عن فساده وفساد أهل بيته ما طرأ على البال أن يتوحل في النذالة توحلاً يشرط به جيب الأمة بموس الحاكم. وسقط بهذه المحاكمة عن كنز مال المسلمين والسفه من عين الأمة كما قد لا يسقط متى حاكمناه كسفاح أو انقلابي. فحتى في السجن، المفروض في أهله التجرد من القيم، يزدري أهله النشال شراط الجيوب ويزرون به. فالقتل والانقلاب تهمتان لا ينكرهما ولا يستحق أن "نشرفه" بتوجيههما له. وصرت مقتنعاً بوجوب تسليمه، متى فرغنا من محاكمته بشرط جيب الأمة، إلى محكمة الجنايات الدولية. فلقد أهرقنا وطنيتنا فوق من لم يستحقها. وأرغب في أن أرى المجلس النيابي المنتظر يقرر تنزيه القضاء السوداني من وضر محاكمته، وأن يأخذه مخفوراً إلى لاهاي ليعرف الله واحد.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.