في الحلقة الأولي من الحديث "الجيني " عن محمد عثمان الميرغني "مالك" الحزب اإلإتحادي "الأصل "إصراره علي مقابلة الرئيس اسياس "افوقي في" امر هام "فأستجاب له الإريتريون وعندما حل يوم المقابلة ذهب الرجل تتبعه بطانته الي القصر الرئاسي فأستقبله الرئيس واكرم وفادته وبعد التحية والمجاملة اشار الي من معه بالخروج فخرجوا خفافا سراعا لينتظرروه في صالة مجاوره واستغرب الرئيس لهذا الخروج المفاجيء ولكنه تقاضي عن ذلك, فما كان من الميرغني تسبقه ضحكة بلهاء إلا ان طلب من افورقي ان يفعل الشيء نفسه ولكن الرئيس وبتأدب شديد قال له يامولانا نحن ثوار ولانخفي عن بعضنا شيئا وإلا لما كنا جميعا في هذا القصر الذي كان يحتله الحاكم الأثيوبي ,وهنا تننحح "الكهنوت" وقال لأفورقي في الحقيقة ان اجئت لأطلب منك إرجاع اراضي المراغنة في "مصوع "التي صادرها الديكتاتور الأثيوبي منقستو هيلا مريام , فأعتلت الدهشة وجهة الرئيس الإرتيري ورد عليه بأستياء باد يامولانا نحن كوّنا مفوضية خاصة بالمنازل والأراضي المصادرة والمؤممة وهي مسألة معقدة للغاية , ولكن الرئيس طلب من رئيس مفوضية الإسكان الذي كان حاضرا اللقاء ان يدرس طلب مولانا وحسب المصدر الذي كان مسئولا عن ملف المعارضة السودانية إن الرئيس افورقي علق باستغراب وإندهاش ,كيف لزعيم في حجم الميرغني ان يطلب إسترجاع اراضيه هو فقط بينما الجبهة القوميةالإسلامية تحتل كل السودان ؟ ايهما اولي بالإسترجاع اراضي السودان ,ام اراضي الميرغنية؟.

تلك الواقعة تكشف عن ان الرجل الذي خاطب نظام الإنقاذ بمقولته المشهورة "سلم تسلم لم تكن من اولاوياته ابدا إسقاط النظام بقدرما ماكانت تسليمه "جنينة "السيد علي في الخرطوم واراضي القاش في شرق السودان وفسر بعض الخبثاء بأنه كان يقصد بسلم تسلم تسليمه املاكه وتعويضاته,وهذ ما اكدته الأيام من انه سعي بكل قوة للمشاركة بابنيه وأزلامه في كل حكومات الكيزان,وبالرغم من إن دستور الحزب يمنع بوضوح المشاركة في اية حكومة شمولية تنقلب علي نظام ديمقراطي كان الرجل مصرا علي المشاركة في الإنقاذ الي اخر لحظة وهي تنهار تحت ضربات الثوارمما اضطر فصيلا جديدا بقيادة الراحل علي محمود حسنين ان يختار طريق الثورة ويؤسس حزبا جديدا" الحزب الإتحادي المعارض " والذي شارك بفاعلية مشهودة في الثورة حتي ذهاب ريح الكيزان .

هذه واحدة من المواقف الدرامية لهذا الكائن العجيب اما الثانية فقد حكاها لي الراحل التوم محمد التوم الذي كان وزيرا للإعلام في اول حكومة لما بعد إنتفاضة ابريل 85 التي اطاحت حكم النميري وكان يعمل في وكالة رويترز ويعيش في لندن قال التوم في جلسة من الجلسات عرضت عليه ان نستغل فرصة المعارضة ونبدأ في تدريب عدد من كوادر الحزب الشبابية في معهد القادة التابع لحزب المحافظين , و كان للتوم علاقات جيدة مع المسئولين عن المركز فغضب مولانا غضبا شديدا وقال للتوم "هذا كلام الشيوعيين" ومن يومها حجب المساعدة المادية عنه وبدأ يتجنب لقاءاته , وتلك الواقعة كما رواها الراحل تؤكد إن الرجل لايرغب في اي قيادات واعية ومثقفة للحزب لأن ذلك سينسف مشروع توريث الحزب لأبنائه ولأنه وفي غرارة نفسه يعتبرهذا الحزب ملكا له ولعائلته

لقد ور ث الميرغني هذه الجينة عن والده السيد علي الذي اتي علي رأس القوة التي اعادت إحتلال السودان وهذا امر مثبّت في التاريخ ,

في تحليل هام كتبه الصديق السفير احمدعمرابي ونشره في صحيفة البيان الإماراتية متتبعا مسيرة السيد علي الوالد قال " لم يكتف آل الميرغني بخروجهم على الاجماع الوطني السوداني ووقوفهم معزولين الى جانب دعوة الاتحاد مع مصر, بل قرروا تأديب الزعيم اسماعيل الازهري لتجرؤه على تحويل توجه (الحزب الوطني الاتحادي) صوب الدعوة الى الاستقلال الكامل. ولهذا وقع طلاق بائن بين آل الميرغني والحزب. وبتوجيه من السيد علي الميرغني انشقت طائفة الختمية على (الحزب الوطني الاتحادي) لتكون قاعدة لحزب ميرغني صرف أطلق عليه (حزب الشعب الديمقراطي) . لكن الأمر لم يخلو من غرابة. فرغم هذا الانشقاق البائن لم يدخل اي من اسرة الميرغني عضوية الحزب. فقد فضل السيد علي الاستمرار في سياسة (الريموت كونترول) فلم يسمح حتى لابنه الاكبر السيد محمد عثمان الميرغني بدخول الحزب الجديد (كان عمر محمد عثمان في ذلك الحين أي عام 1955 عشرين عاما). والى أن وقع أول انقلاب عسكري ناجح في السودان عام 1958 ظل هاجس آل الميرغني وهمهم الاعظم هو تأديب الزعيم الازهري عن طريق الحزب الجديد ومحاولة تدمير (الحزب الوطني الاتحادي) .. من حقائق التاريخ ان انقلاب 1958 بقيادة الفريق ابراهيم عبود كان تدبيرا من زعيم طائفة (الانصار) السيد عبدالرحمن المهدي. لكن كان من الحقائق الثابتة ايضا ان اول من ابرق الانقلابيين مؤيداً ـ ومنذ أول وهلة ـ السيد علي الميرغني, ومن الحقائق كذلك ان تدبير الانقلاب كان من وراء ظهر السيد الصديق المهدي (إبن السيد عبدالرحمن ووالد السيد الصادق). وهذا مما يفسر لنا معارضة السيد الصديق للانقلاب وجهره بهذه المعارضة وترجمتها الى نشاط فعلي مناوىء للنظام العسكري فور وفاة والده السيد عبدالرحمن بعد شهور قليلة من استيلاء الفريق عبود وصحبه على السلطة. ما يهمنا في هذا السياق ان آل الميرغني لم يكتفوا بالتأييد الشفاهي للنظام العسكري بل دعموه بقاعدتهم الشعبية حتى آخر لحظة. ومرة أخرى يخرج آل الميرغني على الاجماع الوطني السوداني. بمبادرة من رئيس (حزب الامة) وقعت الزعامات والشخصيات الوطنية الممثلة لمختلف الاحزاب واهمها (الحزب الوطني الاتحادي) بزعامة اسماعيل الازهري و(حزب الامة) نفسه والحزب الشيوعي السوداني على مذكرة شديدة اللهجة تدين العملية الانقلابية وتستنكر حظر الاحزاب ثم تخلص الى المطالبة بعودة الجيش الى الثكنات واستعادة النظام الديمقراطي, لكن آل الميرغني وحزبهم رفضوا الانضمام الى هذا التحرك. اكثر من ذلك فانهم اوعزوا الى سياسيي حزبهم بالتقدم الى السلطة العسكرية بمذكرة مضادة لمذكرة القوى الوطنية المؤتلفه ممهورة بتوقيعات (لفيف من كرام المواطنين) ولم يشاءوا أن تكون المذكرة باسم حزبهم (حزب الشعب الديمقراطي) وكأنهم يقرون ضمنا بمشروعية قرار السلطة العسكرية بحل الاحزاب. كانت مذكرة اقل ما يمكن أن يقال عنها انها غريبة, فقد كانت عبارة عن مطالبة باستبقاء الحكم العسكري وتعبير عن رفض استعادة الديمقراطية. وبقي آل الميرغني على هذا الموقف النشاز الى أن سقط حكم الفريق عبود في عام 1964. ويبقى سؤال: لماذا اختار آل الميرغني ان يتحالفوا مع الحكم العسكري؟ والاجابة هي أنه بمعيار مصالح الأسرة لم يجدوا سبباً (وجيها) لمعارضته. فالشخصيات النافذة في السلطة الجديدة ـ بمن في ذلك الفريق عبود نفسه ونائبه اللواء حسن بشير والمفكر السياسي للنظام السيد احمد خير والمستشار الدستوري للمجلس العسكري الحاكم ابورناتـ كانوا من ذوي الولاء لآل الميرغني وطائفة (الختمية) . أهم من ذلك توجه النظام العسكري بعد رحيل زعيم الانصار السيد عبدالرحمن المهدي صوب مصر التي ارتبط بها آل الميرغني بروابط مصالح ذاتية قوية. هذا يفسر لنا لماذا وجد آل الميرغني أنفسهم معزولين تماما عندما اندلعت انتفاضة شعبية في اكتوبر 1964 ادت للاطاحة بالنظام العسكري.. تلك العزلة التي استمرت للسنوات التالية الى ان ركب آل الميرغني عربة انقلابية اخرى في مايو 1969.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.