أقرب إلى القلب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
( 1 )
يسأل الواحدُ منّا لِـمَ نحنُ قليلو اهتمامٍ برموزنا السياسية والثقافية والإقتصادية  . . ولقد تجاوزنا بنحو ستة عقود، يوم أثمر بذلهم نيل  البلاد استقلالها . . ؟
إنّ بعض أبناء الجيل الذي يتصدى لمسئولية إدارة البلاد الآن، فيه مَن لم يعِش أيام الفترة المايوية، ولا لامست تفاصيلها ذاكرته، ناهيك عن سنوات الستينات الأولى الحافلة بحراك إجتماعي وثقافي أكثر منه سياسي..ولإن كان لزاما على المؤسسة التعليمية أن تهيء جرعات مدرسية  في التربية الوطنية ، فإن للمجتمع  كما للأسرة دورها في بناء وجدان الأجيال التي تتطلع لإدارة سفين البلاد وسط لجج ثورات المعلوماتية والإتصالات.
كنتُ أتابع منتديات مؤسسة "دال" الثقافية، وقد اختارت أن تكون ندواتها هذا الشهر المبارك حول رموز الفن الغنائي في سنوات تكوين الحراك الوطني، وهي تحديداً، سنوات الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي. ولقد تداعى الناس إلى هذه الندوات وأقبلوا عليها إقبالهم على وجبة من الثقافة نادرة، وقد تفاوتت أعمار الحضور بين شبان وشابات في عشريناتهم، إلى شيوخ وكهول في ستيناتهم وسبعيناتهم. ليست الأعمار بمعيارٍ لدوزنة الوجدان بالطبع، ولعلّ أشدّ ما نهفو إليه هو ذلك الذي يردّ ذاكرتنا إلى مكوناتها الأساسية، فندرك كيف صُغنا وطناً من تنوّع إثنياتنا وثقافاتنا وسحناتنا، برغم رسوخ هويتنا المركبة منذ ألاف السنين ولا أقول المئات.


( 2 )
جلسنا نسمع من الأستاذ عوض بابكر وهو من حفظة التراث الغنائي النابهين،  ما جذب انتباهنا إلى ثراء غناء الثلاثينات والأربعينات في سودان الوسط. مبادرون اقتحموا ساحة التطريب بإبداع صدر عن فطرة  شاعرة وغناء صاغته روح فنان مجيد. حقق هؤلاء اختراقات أحدثت ثورة في العقول، برغم جيوب المقاومة الاجتماعية ، وبرغم وقوعهم تحت نير بيئة  لم ترحم بذلهم ، فسجلوا نجاحات بمقاييس ذلك الزمان تحسب معجزات مبهرة. جاء معظم هؤلاء المبادرون من بيئات فقيرة .بل أمضي إلى أبعد من ذلك وأقول، خرجوا من "هوامش" المدينة ، والمدينة التي نعرف وسمعنا عن تاريخها ، لم تكن  راسخة في الأرض، ولعلها كانت تحت الإنشاء أيضا، والحكم الاستعماري يجهد أن يبني بلداً، دخلته قواته غازية، وشرَعتْ تُعيد تخطيطه من جديد على أنقاض ما حسبوا أنّهُ خرائب أحدثتها المهدية . لكن في حقيقة الأمر نجد أن الفن الغنائي الذي ابتدعه أولئك المبادرون، خرج من ذات البيئة الصوفية التي  نمت في كنفها الثورة المهدية. لا أميل إلى القول إنهم خرجوا من خيمة التهميش ، فلا أحب التعبير، فهو يغفل عن نسبية  واقعة يفوت على الكثيرين ملاحظتها. فلربما كان التهميش طاغ على الجميع ولكن بنسبٍ تتفاوت تأثيراتها ونتائجها. ولعلي لا أجرح أو ارمي أن أقلل من قدر جلّ أولئك المبدعين، إنْ زعمت أنّ أغلب أولئك المبادرين في ساحة التطريب، جاءوا من مجتمعات طرفية لم تحظ باعترافٍ من المجتمع الوسطي، أو هم ممّن رأى بعض الباحثين أن يطلق عليهم لفظ "المُنبتين"، وبعضهم يُحسب من الغرباء الوافدين من مناطق بعيدة عن الوسط النيلي.  
وَليس بمستغرب أن تكون المُعاناة بصنوفها، هيَ زادُ الإبداع، وأنّ مسببات القهر هيَ زيتُ مصابيحه.



( 3 )
إننا طوينا عقوداً عديدة منذ بروز هذا التطريب السوداني الذي نعرف، في أطواره الأولى وحتى درجات تطوره الماثلة، فأرى أن نجدّ الجدّ كلّهُ لحفظ هذا التراث الذي جاء منهم، وصار جزءاً مهماً في شخصيتنا السودانية. ما قصدت التسجيل فذلك عمل متصل متواصل ويسرته وسائط الميديا الحديثة، ولا البحث الأكاديمي فتلك جهود محمودة ينصرف إليها نفرٌ من الباحثين والمهتمين. إنما الذي عنيت هو أن نسعى لترسيخ هؤلاء الرموز الذين شجّوا الصخور شجّا  وكسروا صروح المستحيل، وأحيوا في وجدان الناس ما قد يؤلّف القلوب وقد كانت على تنافر، وأحيوا في نفوسهم خيوط التوادد الثقافي بعد أن كاد التنوّع أن يكون نقمة والتبست علينا نعماؤه .
قال لي الصديق الأستاذ النابه كمال الجزولي، إن مربعاً واحدا بين  "مكي ود عروسة" إلى بيت عبد الله بك خليل في أطراف الشهداء"،  وتصل مساحته إلى أقل من كيلومتر واحد، وسعت بيوته من المبدعين رموزاً  تركتْ بصمات في الوجدان وشكّلت حضوراً خالدا لافتاً، علينا أن نتعهده بالرعاية والحفظ في الذاكرة وفي الوجدان. يدلك كمال إلى منازل المبدعين في تلك البقعة المبدعة. هنا كان "الحاج محمد أحمد سرور". هنا عاش "عبد الكريم مختار كرومة". هنا التهبت منافسات الشعراء ود البنا والعبادي وأبوصلاح. بطران والمسّاح. هنا خفق قلب حسن عوض أبو العلا وهو يرنو إلى أسراب الحسان. هنا أحمد محمد صالح . هنا صلاح أحمد صادحٌ " يا ليالي. .". هنا على المك ومدينته الترابية، وغير هذه الرموز التي كتبتْ وبصمتْ على وجداننا بالعشرة، لا تعدّ ولا تُحصى، في هذا المربّع الأمدرماني الصغير ..
والأمر أشدّ إلحاحاً في ولايات البلاد الأخرى، إذ نحتاج لحثّ القيادات المحلية هناك، لغرس فضيلة الوفاء لمن بذل وضحّى وخلّد في ساحة الإبداع أو في ساحة الاقتصاد أو ساحة السياسة، ففي ذلك ما يزيد اللُّحمة بين أطراف مجتمعٍ في بلدٍ، أراد الله له أن تكون مكوّناته شعوباً وقبائل، فنُمتحَن لتحقيق تماسكنا ووحدتنا .

( 4 )
لزاماً علينا أن نلتفت لترسيخ هذا الخلود في نفوس أجيالٍ بينها وبين فن الغناء والتطريب الذي اشتهر تحت مُسمّى "فن الحقيبة"، بونٌ شاسع. وإنّي استحثّ بقلمي المتواضع هنا، لجنة الأسماءِ الجغرافية التي يقف على رأسها البروف العلامة يوسف فضل حسن، ويساعده نفرٌ من العارفين بالتاريخ السياسي والإجتماعي والثقافي في الخرطوم، من أكاديميين وغيرهم، لابتكار الجديد الذي نوقّر به هذه الرموز، ونجعل من آثارهم الإبداعية شواهد وايقونات تشهد لهم بحسن البذل وجميل العطاء.
تحضرني ذكريات بعيدة عن أيام لي عشتها في لندن قبل سنوات قليلة، نائبا للسفير هناك. في ضاحية "ويليسدن" في الجنوب الغربي من لندن، التي كنت أقيم فيها، وليس بعيداً من شارعها الرئيس، لاحظت لافتة لشارعٍ  فرعيّ بإسم "هدلستون". أجل "هدلستون باشا" الحاكم العام الذي حكم الخرطوم بعد اغتيال السردار لي ستاك في عشرينات القرن العشرين. وحين كنتُ أزور بعض أصدقاءَ لي في " بيكر ستريت" وسط لندن، كنت أقف طويلا على بناية عليها لافتة حجرية منحوت عليها: (هنا عاش هـ. ج. ويلز). ليس ذلك فحسب بل لدهشتي أيضاً، عثرت في ضاحية لندنية على شارع صغير إسمه "شارع دنقلا"، وليس بعيداً منه "شارع الخرطوم". ستدرك على الفور أن بعض الإداريين القدامى الذين كانوا في هذه المدن في السودان تقاعدوا ، وكرمتهم بلادهم وخلدت أسماءهم أو الأمكنة التي عملوا فيها فأطلقوا أسمائها حيث سكنوا، عرفاناً وتقديراً ووفاءا.


( 5 )
وددتُ أنْ لو منحنا رموزنا الإبداعية مثل هذا التقدير وهذا الإعزاز. وليتنا نمضي أكثر، فتتولى الدولة أمر بيوت هؤلاء الرموز، وتتعهّدها بالعناية والحفظ ولربّما تجعل منها، إنْ تيسّر الأمر - وبعد أن تطلق أسماءهم على الشوارع والحواري- متاحف صغيرة تحوى ما كانوا عليه عاكفون : الآلات الموسيقية بأنواعها. أوراقهم . كتبهم إن وُجدتْ. أقلامهم.  متعلقاتهم الشخصية المهمّة وحتى غير المهمّة . ذلك طرف من تاريخهم المادي وهو أيضا يحمل قيمة مضافة إلى التاريخ الثقافي لأمّة تبحث بجدٍ للإمساك بهويتها الملتبسة.

إنّ للوفاء قيمة تفعل فعل السّحر في ترسيخ اللّحمة وفي نفضِ الغبار عن نعمة التنوّع. . .

الخرطوم – 3 أغسطس 2012