بسم الله الرحمن الرحيم
ثلاثة أعلام سودانيين من رواد حركة الجامعة الإفريقية
والقومية السوداء غير معروفين على نحو كاف

ورقة بحثية قدمت أمام المهرجان العالمي للفنون الزنجية ، الدورة الثالثة
داكار ، جمهورية السنغال ، 10 – 31 ديسمبر 2010 م
إعداد وتقديم: د. خالد محمد فرح
سفير جمهورية السودان لدى السنغال
         مقدمة:
بحسبان أنه أكبر دولة في إفريقيا من حيث المساحة ، إذ تقدر مساحته بحوالي 2506000 كيلومتراً مربعا ، في الوقت الذي يجاور فيه تسعة أقطار إفريقية ، سبعة من بينها تنتمي إلى مجموعة دول ما وراء الصحراء الكبرى ، وحيث انه يمثل مهد الحضارة الإفريقية السمراء القديمة ، ولكون أن أرضه قد شهدت اندلاع أعتى  الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار والإمبريالية في إفريقيا ، إذ انه بحق ، أول أمة إفريقية تنال استقلالها في الأول من يناير من عام 1956 م ، فإنّ السودان قد ظل يلعب بكل تأكيد ، دوراً مهماً وغير منكور ، بل يصعب تجاوزه ، في تعزيز قضايا حركة الجامعة الإفريقية والقومية السوداء ، فضلاً عن دعمه لعمليات التحرير والانعتاق ، والوحدة والتنمية في إفريقيا.
وتفيدنا بعض المصادر التاريخية على سبيل المثال ، بأن أجزاء كبيرة من السودان الحالي ، كانت قد وفرت ظروفاً ملائمة للاستيطان البشري ، وبالتالي للعيش بالنسبة للإنسان الأول منذ الأزمان الغابرة. فقد أسفرت الحفريات الآثارية التي أجريت في مواقع مثل: الخرطوم القديمة ، وخور أبو عنجة بأم درمان ، والشاهيناب شمال أم درمان ، وكدروكة والكدّادة بولاية نهر النيل ، ووادي هور بشمال دار فور ، أسفرت عن دلائل لوجود مستوطنات بشرية تعود إلى العصرين الحجريين الوسيط والحديث.
على أننا لو وضعنا العلم ، وخصوصاً علم الآثار تحديداً جانباً ، وألقينا نظرة على العمل الكلاسيكي الشهير: إليالذة هوميروس التي يعتقد أنها قد ألفت في حوالي القرن التاسع قبل الميلاد ، فسوف نكتشف أن الإغريق القدماء ، كانوا يعتقدون بأن " الإثيوبيين " ، وهو الاسم الذي كانوا يطلقونه على سكان شمال السودان ، كانوا – بحسب اعتقادهم – أول البشر الذي خلقوا على ظهر البسيطة ، وانهم أول الناس الذين عرفوا الآلهة ، وعبدوها ، وتقربوا إليها بالقرابين.
وفي الواقع فإنه يبدو أن قدماء الإغريق كانوا يكنون إعجاباً شديداً لأولئك " الإثيوبيين " ، أو السودانيين القدماء ، إلى درجة أنهم لقبوهم ب " المستقيمين أو الخالين عن الملامة " ، كما كانوا يعتقدون بأن المعبود "زيوس " كبير الألهة ومعه سائر الآلهة ، يطيرون إلى بلادهم مرة في كل عام ، لكي يشهدوا بها مأدبة مقدسة فخيمة تقام هناك.
وقد كان السودان ، أو بالتحديد قسم كبير من الجزء الشمالي لهذا البلد ، كان يعرف بالنسبة لسكان الممالك الأخرى المعاصرة له تحت أسماء مختلفة. فقدماء المصريين على سبيل المثال ، كانوا يسمونه: واوات ، وتانحسي ، وتاستي. وهذا الاسم الأخير معناه: " بلاد الأقواس والسهام " ، نسبة للبراعة المذهلة التي عرف بها سكان السودان القديم في استخدام هذا السلاح ، وهي سمعة سوف تستمر حتى إلى تاريخ وقوع معركة (دنقله) ، التي حدثت في عام 651 م ، بين جيش عربي مسلم كان قادماً من مصر تحت قيادة الصحابي عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ونوبة مملكة المقرة ، وذلك عندما تمكن النوبيون من فقأ أعين الكثيرين من الجنود المسلمين ، مما أرغمهم على القبول بتوقيع اتفاقية عدم عدوان وتبادل سلعي ، عرفت في التاريخ باتفاقية " البقط ".( 1)
أما بالنسبة للاسم الشائع ، والأكثر استخداماً على نطاق واسع ، ألا وهو: نوبيا أو بلاد النوبة ، فإن المؤرخين يخبروننا بأن هذا الاسم هو في الواقع حديث نسبيا ، وكانت أقدم إشارة له عثر عليها حتى الآن ، قد وردت عند أراتوثينوس القوريني في القرن الثالث قبل الميلاد ، وكان يقصد به جنساً معيناً ، او جماعة عرقية بعينها من ضمن سكان شمال السودان آنئذٍ ، وقد وفدوا إليه من غرب النيل والواحات الغربية. وبالتالي فإن استخدام هذين المصطلحين: النوبة والنوبيون ، في معرض الإشارة إلى الفترات السابقة لذلك ، سوف يغدو من قبيل المفارقة التاريخية المحضة. (3)
هذا ، وقد وقفت التوراة ( الكتاب المقدس ) إسمي: كوش والكوشيين ، وقفت اطلاقهما على السودان القديم والسودانيين القدماء على التوالي. إنّ تاريخية استخدام هذين المصطلحين ، تشهد بها في الواقع ، بعض المدونات والنقوش الفرعونية والآشورية المعاصرة. على أن الكتب المقدسة تذكر أن " كوش " هو ابن حام ، الذي هو ابن النبي " نوح " عليه السلام.
وهكذا يورد الكتاب المقدس في سفر" أخبار الملوك الثاني " الإصحاح 19 الآية 9 ، وكذلك في سفر " أشعياء " ، الإصحاح 37 ، الآية 9 ، يورد اسم " ترهاقه " ملك كوش ، الذي توصل العلماء إلى انه هو ذاته الملك " طهارقه " ، الذي حكم مصر أيضاً تحت ظل الأسرة الخامسة والعشرين الفرعونية ، او ما تعرف ب " الأسرة الإثيويبة " ، وذلك في معرض حديث الكتاب المقدس عن قيام نوع من التنسيق او ما يشبه التحالف بين مملكة ترهاقا ومملكة العبرانيين في فلسطين ، في مواجهة الآشوريين في القرن السابع قبل الميلاد.
ويخبرنا المؤرخون كذلك ، بأن هذا العاهل السوداني والإفريقي الأسمر الوحيد المذكور باسمه في التوراة ، قد تم إجلاؤه عن مصر بواسطة الآشوريين ، واضطر تحت ضغطهم إلى التقهقر إلى داخل موطنه الأصلي ، حيث توفي لاحقاً ، وتم دفنه تحت هرمه الكائن إلى الآن بالقرب من بلدة " نوري " بشمال السودان.( 4 )
وأما بالنسبة للممالك والحضارات الأخرى القديمة المختلفة التي ثبت قيامها وازدهارها داخل السودان ، ، فإنها تضم باختصار ، ووفقاً للتسلسل التاريخي ، هذه الممالك:
مملكة كرمة أو كوش التي  قامت بين عامي 2500 و1500 قبل الميلاد ، وقد عثر عالم الآثار السويسري البروفيسور " شارل بونيه " على بقايا انقاض عاصمتها في عام 1994 م بالقرب من بلدة ( كرمة ) الحديثة بشمال السودان ، على مقربة من الشلال الثالث.
لقد كانت هذه المملكة معاصرة لكلا فترتي الدولتين المصريتين القديمة والوسطى ، بينما يميل بعض المؤرخين إلى عزو سقوطها نفسه إلى عملية غزو انتقامي مصري حدث في القرن السادس عشر قبل الميلاد ، وذلك بسبب أن كرمة كانت تقيم علاقات دبلوماسية وحلفاً مع ملوك الهكسوس في مصر ، قبل أن يتمكن الفرعون ( أحمس ) من دحر أولائك الملوك الرعاة الدخلاء ، وطردهم إلى خارج مصر.
وقد استمر الاحتلال المصري لكرمة ربما حتى إلى قرابة القرن الحادي عشر او العاشر قبل الميلاد ، عندما نهضت مملكة سودانية جديدة في أعلى نهر النيل إلى الجنوب من موضع كرمة ، عرفت ببمملكة " نباتا " التي قامت حول جبل ( البركل ) بالقرب من الشلال الرابع ، هي ذات المملكة التي ينتمي إليها فراعنة الأسرة الخامسة والعشورن السود مثل: ألارا ، وشبكا ، وشبتاكا ، وبعانخي ، وتهارقا.
وبعد مملكة " نباتا " ، ظهرت مملكة " مروي " التي كانت معروفة جداً لدى عدد من الكتاب الكلاسيكيين الإغريق والرومان ، والتي ازدهرت إلى جنوب أكثر ، وفي منطقة أكثر خصوبة ، وأوفر من حيث الموارد الطبيعية من سابقتيها. وقد استمرت مملكة " مروي " لقرابة الألف عام ، أي من حوالي القرن السادس قبل الميلاد ، وحتى منتصف القرن الرابع الميلادي.
هذا ، وقد شهدت العصور الوسطى قدوم وانتشار المسيحية والإسلام في أرض السودان على التوالي ، ومن أرض السودان واصل هذان الدينان التوحيديان تسربهما وانتشارهما إلى داخل إفريقيا ، لكي تتوج بذلك مسيرة المعالم الأساسية في تاريخ البلاد.
وعلاوة على ذلك ، ظل السودان يمثل دائما إفريقيا المصغرة ، مناخياً ، وعرقيا ، وثقافياً ، ولغويا. فمن الناحية العرقية ، فإن كافة السلالات البشرية الكائنة في إفريقيا ممثلة تقربا داخل أرض السودان ، بينما نجد من الناحية اللغوية أن جميع المجموعات والأسرات اللغوية الإفريقية حاضرة في ربوعه ، باستثناء مجموعة اللغات " الخويسانية " المنتشرة في بعض مناطق الجنوب الإفريقي.
وتأسيساً على ذلك ، فإنّه بالنظر إلى كل هذه الحقائق والوقائع المذكور ىنفاص والمقطوع بثبوتها ، فإن السودان قد ظل يلعب وسيظل يلعب دائماً دوراً رائدا ، ويصعب تخطيه فيما يتعلق بماضي القارة الإفريقية ، وحاضرها ومستقبلها.
لقد شكّلت هذه الحقائق التاريخية الثابتة دور السودان في إفريقيا وأثرت عليه ، وهي تلك الحقائق التي ظل يشير إليها ، بل يرددها باستمرار أنصار ما يسمى بالمركزية الأفريقانية بصفة خاصة من بين بعض العلماء والمثقفين السود داخل الولايات المتحدة وجزر الكاريبي ، وكذلك في أوساط بعض منظِّري الحضارة الإفريقية السوداء مثل السنغالي الراحل البروفيسور شيخ انتا ديوب وتلاميذه. هذه الحقائق تؤكد أن الحضارة السودانية القديمة قد كانت بحق حضارة تبوءت موقعاً خاصاً ومتميزاً وأصيلا من بين حضارات العالم القديم ،  كما أنّ  تلك الحضارة التي أبدعها شعب أسمر البشرة ، قد شكلت دوماً مصدر فخر واعتزاز بالنسبة للسود في شتى أرجاء العالم.

دور السودان المعاصر في مساندة عمليات التحرر والوحدة والتنمية في افريقيا:

بفضل نيله لاستقلاله في تاريخ أبكر نسبيا من سائر شقيقاته من دول إفريقيا جنوب الصحراء كما أوضحنا من قبل ، فإن السودان قد آلى على نفسه منذ البداية ، بأن يلعب دوراً قيادياً في الجهود الرامية إلى تحقيق عمليات تحرير جميع بلدان القارة الافريقية التي كانت إما واقعة تحت نير الاستعمار الأجنبي ، أو تحت حكم أنظمة تمييز عنصري بغيض ، فضلاً عن إسهامه في جهود إقامة الوحدة ، وإقرار التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدتمة في إفريقيا.
وهكذا أضحت الخرطوم منذ أواخر الخمسينيات من القرن الماضي وحتى اواخر السبعينيات منه ، مثل خلية النحل بالنسبة لجميع حركات التحرر الإفريقية تقريبا ، حيث كانت تهرع إليها طالبة المساعدة الدبلوماسية والمادية من أجل دعم نضالها المشروع.
ففي أثناء تلك الفترة بالتحديد ، زار أيقونة النضال الإفريقي الأشهر ، الزعيم نلسون مانديلا ، زار الخرطوم هو ورفيقه " أوليفر تامبو " في شهر أغسطس عام 1962 م ، حيث استقبلهم المسؤولون السودانيون استقبالاً حافلاً ، وزودتهم السلطات السودانية بجوازي سفر سودانيين لتسهيل تحركاتهما ، كما منحتهما شيئاً من المساعدة المالية.
ويذكر إلى جانب ذلك ، أن السودان قد كان عضواً مؤسساً لمنظمة الوحدة الإفريقية عند قيامها في عام 1963 م ، وقد ظل يلعب منذ ذلك التاريخ دوراً ملحوظاً في تعزيز سائر مجالات العمل الإفريقي المشترك.
فمما يجدر بنا ذكره هنا على سبيل المثال ، ان أول من تقلد منصب السكرتير التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا (ECA) ، كان مواطناً سودانياً هو السيد " مكي عباس " ، بينما كان الرجل المؤسس الحقيقي للبنك الإفريقي للتنمية ، وأول رئيس ، هو الآخر مواطناً سودانيا هو السيد " مامون بحيري ". (5)
وكذلك نشير في ذات السياق إلى ان السودان كان هو صاحب المبادرة بتأسيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم ( الكاف ) ، الذي تأسس بالخرطوم في عام 1957 م ، أي بعد مضي عام واحد على استقلال السودان ، وقد تأسس هذا الاتحاد كما هو معروف بثلاث دول أعضاء فقط هي: السودان ، ومصر وإثيوبيا ، وقد قصد هؤلاء المؤسسون عمداً إلى استبعاد نظام الفصل العنصري الذي كان جاثماً على صدر الأغلبية السوداء حينئذ في جنوب إفريقيا.

محاولات للتشكيك في الهوية الإفريقية للسودان المعاصر
وللتقليل من دوره وصدق التزامه نحو القارة الإفريقية

على الرغم من كل تلك الحقائق المذكورة آنفا ، إلاّ أنه ما يزال هنالك – مع الأسف – اتجاه في اوساط بعض الدوائر المغرضة ، ينحو إلى إلقاء ظلال من الشك على الهوية الإفريقية الواضحة للسودان المعاصر ، تلك الهوية الإفريقية التي لا تنفي ولا تناقض هويته العربية بأي حال من الأحوال.
فأنصار هذا التوجه العنصري والتقسمي والإقصائي ، الذي طالما كان المناضل الإفريقي الأصيل ، كوامي نكروما ، يشجبه ويحاربه بقوة ، قد يرفعون حاجب الدهشة ، وربما يشعرون بشيء من الامتعاض عندما يسمعون أو يقرأون على سبيل المثال ، أن السودان هو أول دولة إفريقية من دول إفريقيا جنوب الصحراء تنال استقلالها.
كذلك ، فإنّ من المستغرب مثلاً ، ألاّ يُشار إلى الثورة والدولة المهدية اللتين فجرهما وأقامهما الإمام محمد أحمد المهدي في السودان 1885 – 1898 م ، وألاّ يُشار إلى نضال تلك الثورة المظفرة ضد الهيمنة الأجنبية ،  ذلك النضال الذي جعل من السودان أول دولة إفريقية تنتزع حريتها عن طريق الكفاح المسلح بعد مضي عام واحد فقط من تاريخ توقيع معاهدة ( برلين ) ، التي قضت بتقسيم إفريقيا بين القوى الاستعمارية الأوروبية.
ففي معرض استعراضه لسير المناضل الأفريقاني الهاييتي الشهير ( بنيتو سيلفان ) ، ذكر المؤرخ: أورونو د. لارا ، في كتابه بعنوان: " مولد حركة الجامعة الإفريقة: من الجذور الكاريبية والأمريكية والإفريقية للحركة وحتى القرن العشرين " ، أورد أن " سيلفان قد هاجر إلى الحبشة ، حيث أصبح مستشاراً للامبراطور منليك ، أول ملك إفريقي بعد هانيبال ، ينتصر على جيش أوروبي " أ. هـ. إن هذا المؤلف يلمح هنا بالطبع إلى معركة " عدوة " التي وقعت في عام 1896 م بين الإيطاليين وجيش الإمبراطور الإثيوبي (منليك).
ولكن هذه المعلومة ليست صحيحة مطلقاً من وجهة النظر التاريخية. ذلك بأننا نعلم بأن الإمام محمد احمد المهدي 1843 – 1885 م ، كان قد هزم الجنرال الإنجليزي " هيكس باشا " في معركة "شيكان " بغرب السودان في عام 1883 ، مثل ما هزم الأمير "عثمان دقنة " ، أحد كبار قادة المهدية ، ورجاله منقبيلة " البجه " ، الجنود البريطانيين في أكثر من معركة في شرق السودان ، مما أثار إعجاب الشاعرالإنجليزي ( رديارد كيبلينج ) ، الذي يلقب كان ب " شاعر الإمبراطورية " ، فنوّه بشجاعتهم وخلّدهم بقصيدته الشهيرة Fuzzy Wuzzy .
وبالطبع فإن الإمام المهدي ، قد كان بكل المعايير أكثر " إفريقية " – على الأقل من حيث لون البشرة والتقاطيع – من هانيبال ملك قرطاج ، الذي لا بد أنه كان ذا بشرة أكثر بياضاً ، وملامح أكثر " قوقازية " بسبب أصله الفينيقي السامي.        
ثلاث شخصيات سودانية بارزة في حركة الجامعة الإفريقية
أولاً: فيلكس دار فور
أكد المؤلف الفرنسي ( روبير كورنفان ) Robert Cornevin  في كتابه بعنوان: " أدب إفريقيا السوداء المكتوب بالفرنسية " ، أن الأدب الفرانكفوني لم ير النور - كما يعتقد على نحو واسع  - مع كتابات رواد مدرسة الزنوجة بعد الحرب العالمية الثانية ، مثل إيميه سيزير ، وليوبولد سيدار سنغور.
يقول روبير كورنفان: " من الناحية التاريخية ، فإن أول كاتب إفريقي مولود في إفريقيا ، كتب عملاً أدبياً باللغة الفرنسية ، كان سودانياً يدعى فيلكس دار فور( 7). والمعلومة الجديرة بالاهتمام هي أن فيلكس دار فور ليس مجرد أول أديب فرانكفوني إفريقي ، وأول رائد من رواد حركة الزنوجة الدائرة بدورها في فلك حركة الجامعة الإفريقية أو الأفريقانية ، ولكن الأهم من ذلك هو أن هذا الرجل السوداني الأصل ن كان أول شهيد لحركة الزنوجة والجامعة الإفريقية ، حيث أنه كان قد أعدم رميا بالرصاص بتاريخ 2 سبتمبر 1822 م ، فوق أرض جزيرة (هاييتي) البعيدة. ولذلك فقد دفع فيلكس دار فور دمه ثمناً لآرائه السياسية في مساندة السكان السود المضطهدين في تلك البلاد ، ضد الطبقة الحاكمة فيها ، والمكونة من البيض والخلاسيين.
من الواضح أن فيلكس دار فور قد أخذ لقبه هذا من اسم الإقليم السوداني الشهير حالياً " دار فور " ، الذي هو موطنه الأصلي الذي جاء منه ، بينما أن اسمه الأول " فيلكس " ، هو اسم قد أطلقه عليه الجنرال الفرنسي " أردوان "   Ardouin الذي  كان قد تبناه. وهنالك بالتالي ما قد يحمل على الاعتقاد بأن فيلكس قد اعتنق المسيحية ، وإلا فأنه لا بد أنه كان يحمل اسماً مختلفاً في الأساس ، عن هذا الاسم الأوروبي الذي نحله إياه ذلك الضابط الفرنسي.
وهكذا أخذ الجنرال أردوان فيلكس معه إلى فرنسا ، حيث صرف همه وركز على تعليم نفسه وتثقيفها ، عوضاً عن البحث عن أسلافه الذين انقطع عنهم تماما. ومن خلال دراساته في فرنسا ، تفتحت وازدهرت مواهبه الأكاديمية ، والصحفية ، والأدبية بصورة واضحة ، بمثل ما ظهرت اهتماماته الفكرية والسياسية ، كما أظهر اهتماماً مبكراً بقضية الرجل الأسود في إفريقيا ، وفي شتى أرجاء العالم.
ولقد كان من بين ابرز اهتماماته في إطار عنايته بقضايا الإنسان الأسود، احتفاؤه بقيام جمهورية " هاييتي " ، بوصفها أول دولة سوداء تنال حريتها واستقلالها في عام 1804 ، في أعقاب ثورة العبيد التي اندلعت في تلك الجزيرة في عام 1801. وقد صمم فيلكس دار فور على الرحيل إلى تلك الجمهورية الوليدة ، لكي يواصل من خلال وجوده فيها ، مهمة الإسهام في استكمال عملية تحرير الرجل الأسود في شتى بقاع العالم. وكذلك آثر الذهاب إلى هاييتي ، لأنها كانت أول أرض في العالم الجديد ، أنزلت فيها سفن البرتغاليين شحنة من الرقيق المستجلبين من سواحل إفريقيا في عام 1505.
غادر فيلكس دار فور ميناء Le Havre الفرنسي في عام 1818 على متن سفينة تسمى Levielle ، متوجهاً نحو مدينة " بور أو برانس " عاصمة هاييتي. وبمجرد وصوله إلى هناك ، منحه حاكم هاييتي عملاً يقتات منه ، كما سهل له عملية نشر صحيفة باسم L`Eclaireur Haitien ، الأمر الذي يدل على مكانته الفكرية والسياسية. وكذلك منحه الحاكم الجنسية الهاييتية ، وذلك بموجب المادة 44 من دستور هاييتي التي تقضي بمنح أي مواطن إفريقي يقيم لأكثر من عام في الجزيرة الحق في جنسيتها.
وأثناء فترة إقامته في هاييتي ، أصدر فيلكس دار فور صحيفة باسم L`Eclaireur Haitien كما أسلفنا ، وقد أطلق على هذه الصحيفة لاحقاً اسم Le Parfait Haitien . كانت هذه الصحيفة تصدر ثلاث مرات في الشهر ، وقد كان يحررها فيلكس دار فور بنفسه ، وكانت تتناول المسائل السياسية والاجتماعية والأدبية.
خصص فيلكس دار فور مساحة مقدرة للنقد السياسي والاجتماعي ، وخصوصاً لمهاجمة ضروب الاستغلال السياسي والاقتصادي التي كان يتعرض لها عمال المزارع من الزنوج المقموعين ، بواسطة البيض والملونين الذين كانوا يسيطرون على البرلمان. وقد آلى فيلكس على نفسه أن يوقظ المشاعر الوطنية في اوساط السود أصحاب الأرض ، وأن يستحثهم على العمل من أجل تغيير واقعهم. وكذلك نذر فيلكس نفسه للدفاع عن الاستقلال الحقيقي لجزيرة هاييتي ، والتي كانت تمثل بحق رمزاً لإرادة الإنسان الأسود في كفاحه من أجل الحرية والاستقلال.
وفي سياق ذلك الكفاح، أسفرت نتيجة الانتخابات البرلمانية التي أجريت في الجزيرة عام 1822 ، عن فوز كاسح للبيض والملونين. وقد كتب فيلكس دار فور مذكرة احتجاج في غضون ذلك ، وجهها إلى البرلمان ، متهماً فيها الحكومة بقمع الفلاحين السود ، وبفشلها في الاستجابة لمطالبهم ، وفي اتخاذ خطوات عملية من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية المزرية.
لقد كانت مذكرة فيلكس دار التي وجهها للبرلمان قاسية الوقع جدا من الناحية السياسية ، بحيث أنها دفعت البيض والملونين على اتخاذ رد فعل أكثر قسوة. فقد اتخذوا قراراً قضى بتشكيل محكمة عسكرية حكمت في غضون أيام قليلة على فيلكس دار فور بالإعدام. وقد تم تنفيذ الحكم بالإعدام رميا بالرصاص بتاريخ الثاني من ديسمبر من عام 1822 م. والجدير بالملاحظ هو ان فيلكس دار فور قد منح الشرف العسكري العالي بإعدامه رميا بالرصاص ، وهو شرف يتماشى مع نبل وعدالة القضية التي مات من أجلها ، ألا وهي قضية الإنسان الأسود في كل مكان في العالم.
إن وصول فيلكس دار فور إلى جزر الكاريبي في عام 1818 من دار فور السودانية في قلب إفريقيا ، لهي بحق أولى إشارات التضامن بين سكان القارة الإفريقية الأم ، مع أفارقة الشتات.
وتأسيساً على ذلك ، يكون فيلكس دار فور السوداني ، قد ظهر في هاييتي قبل ظهور سلفستر ويليامس في ترينداد ن وقبل ظهور ماركوس غارفي في جامايكا. لقد استشهد فيلكس دار فور من أجل قضية الإنسان الأسود في عام 1822 ، قبل موت ديفيد ووكر مسموماً في عام 1830 ، ولكن الأمريكيين السود ، ما يزالون يعتبرون هذا الأخير أول شهداء الأفريقانية.
إذن فإن فيلكس دار فور لم يكن أول كاتب وصحافي وأديب  أفريقي فرانكفوني في تاريخ حركة الجامعة الإفريقية ومدرسة الزنوجة ن وإنما كان قبل كل ذلك أول شهيد للزنوجة وللأفريقانية. ولكن على الرغم من ذلك ، فإن اسم هذا السوداني لا يظهر في أدبيات حركة الجامعة الإفريقية ، في الوقت الذي كان فيه هو منذ مطلع القرن التاسع عشر ، أي قبل حوالي قرنين من الزمان ، قد سبق الجميع كرائد من رواد الفكر الإفريقي ، وضع جملة معتبرة من المبادئ والأفكار في خدمة قضية  حركة الجامعة الإفريقية ، بل في خدمة قضية الإنسان الأسود بصفة عامة. (8)
محمد علي دوس ، أو محمد علي السوداني:
ولد محمد علي دوس ، أو محمد علي السوداني في عام 1866 م ، أيضاً في إقليم دار فور بغرب السودان ، كما كان يعتقد الكاتب المرحوم الأستاذ عبد الهادي الصديق. وبمثل ما حدث لفيلكس دار فور بالضبط ، فقد أُخذ محمد علي دوس من السودان طفلاً صغيراً إلى مصر بواسطة ضابط فرنسي ، قام بتربيته ، ثم ما لبث أن أرسله إلى أوروبا. ولكن محمد علي لم يذهب إلى فرنسا وغنما إلى بريطانيا ، حيث تعلم هناك ، ومن ثم برزت مواهبه كصحافي ، وسياسي ومفكر. وفي لندن أسس محمد علي صحيفة أسماها The African Times .
كان محمد علي يعتمر الطربوش طيلة حياته ، كدلالة تأثير وانتماء لتركيا ، نسبة لإقامته المبكرة في مصر. غير أنه وبالرغم من أنه كان مديناً فكرياً وثقافياً لكل من مصر وبريطانيا ، إلا أن انتماءه العميق لبلده الأصلي ، قد اتضح بصورة جلية من خلال تعاطفه الملحوظ مع الثورة المهدية في السودان.
لقد كانت تلك هي اللحظة التي أدار فيها ظهره لسلطان تركيا ، وانحاز إلى جانب شعبه ، مندداً السياسات القمعية التي مارسها نظام الحكم التركي ضد السودانيين. وقد وصف محمد علي الإمام محمد أحمد المهدي بأنه قائد وطني ، قاد شعبد نحو الحرية والاستقلال ، معبراً بذلك عن حبه لبلاده ، وعن مشاعره الوطنية كسوداني.
وفضلاً عن ذلك ، فقد أعلن محمد علي عن مساندته وتضامنه مع عرابي باشا وثورته في مصر ، مصرحاً بأنه يتطلع إلى إلى ان يتمكن كل إقليم وادي النيل من التخلص من نير الاستعمار ، وذلك في إطار عمل تضامني إفريقي مبكر. إن الإمام المهدي الذي دخل الخرطوم كمنتصر ومحرر في عام 1885 ، ورفع رايته فوق سارية قصر غردون ، قد اعلن في الواقع قيام أول دولة إفريقية مستقلة ، تنال حريتها من خلال الكفاح المسلح ، قبل ان يجف المداد الذي كتبت به معاهدة برلين حول تقسيم افريقيا بين القوى الاستعمارية الأوروبية في عام 1884.
لقد كان محمد علي معروفاً منذ شبابه بتعطشه للمعرفة ، وبشغه واهتماه الشديد بالتاريخ بصفة خاصة ، وذلك من بين مواهبه الفكرية والأدبية المتعددة. عمل محمد علي في سنواته الأولى في المسرح ، حيث أنتج مسرحية بعنوان Bermuda Lily ومسحية أخرى بعنوان Cleopatra`s Night ، ثم إنه التفت إلى الصحافة ، فأسس صحيفتين هما: The African Times و Middle East Review التي صدر العدد الأول منها في يوليو 1912. وقد كشفت هذه الصحيفة عن أن محمد علي قد كان صحافيا نشطاً ، ومعادياً للسياسات الاستعمارية. لعب محمد علي دوراً معتبراً في بروز فكرة الهوية الإفريقية ، او الشخصية الإفريقية من خلال حركة الجامعة الإفريقية ، كما أنه شدد على ضرورة أن يكون التعليم الجامعي متاحاً في إفريقيا ، واعتبر ان من الضرورة الملحة بمكان ، ان ينشأ تعليم جامعي إفريقي معترف به في بريطانيا. كذلك ركّز محمد علي على أهمية التعريف بالتاريخ الإفريقي وبالثقافة الإفريقية ونشرهما على نطاق واسع ، وذلك حتى يعرف العالم ، وخصوصا الدول الاستعمارية بأن لإفريقيا أمجادها ، وتاريخها ، وثقافتها.
لقد رفع محمد علي شعار: " انظر خلفك إلى ماضيك العظيم " وعمل على بثه بين الطلاب الأفارقة الذين كانوا يدرسون في بريطانيا ، وبذل جهداً عظيما في سبيل تجسيد هذا الشعار. وقد قادته مساهمته في هذا المجال إلى معارضة الحملة الاستعمارية الأوروبية التي نشطت من أجل نشر فكرة مخطئة مفادها أن إفريقيا هي قارة بلا تاريخ ، وبلا حضارة ، وأن تاريخها يبدأ بدخول الاستعمار الإوروبي فيها ، وأن الأفارقة سوف يظلون في حاجة دائمة للثقافة الأوروبية. إنه بفضل محمد علي ، تمكن ماركوس قارفي من التعرف على إفريقيا الحقيقية ، تاريخها ، وحاضرها ، وامكانياتها المستقبلية.
لقد قاد نجاح محمد علي في نشر المعرفة والتعريف بالتاريخ الإفريقي ، إلى أن يُنتخب عضواً بالجمعية الزنجية للبحث التاريخي The Negro Society for Historical Research ، كما تم انتخابه لاحقاً ، عضواً بالأكاديمية الأمريكية الزنجية The American Academy . وفي الواقع ، فإنّ المؤرخون يعتبرونه الآن بمثابة أول من وضع الأسس والقواعد لثورة في مجال التعليم في إفريقيا ، وذلك يجعل منه واحداً من الشخصيات التي كان رواد حركة الجامعة الإفريقية يحرصون على التعرف عليها ، وبالتالي يحتفون بحقيقة ان الانتقال من الطابع الاستعماري للتعليم إلى الطابع الإفريقي ، إنما تم إنجازه بواسطة شخصيات يعتبر محمد علي السوداني من أبرز رموزها. وإلى محمد علي ينسب ابتداع  مفهوم " الشخصية الإفريقية " ، ذلك المفهوم الذي تطور لا حقاً على أيدي كل من " بادمور " و " نكروما ".
لقد برزت الأفكار الفريدة لمحمد علي دوس بصورة واضحة إبان انعقاد المؤتمر الأول لحركة الجامعة الإفريقية الذي نظمه سيلفستر ويليام في لندن في عام 1900 ، وكان من بين أبرز تلك الأفكار ما يلي:
بروز رغبة من أجل دراسة التاريخ الإفريقي والثقافة الإفريقية ، ولدراسة وإعادة كتابة التاريخ الإفريقي من خلال البحث العملي والتطبيقي ، وذلك من أجل عكس الصورة الحقيقية لإفريقيا خلال الفترة التي أعقبت الهجمة الاستعمارية.
تجميع أفارقة الشتات الإفريقي المنتشرين في شتى بقاع العالم في كنف جماعة متحدة ، وفي نفس الوقت ن إقامة علاقات صداقة ودية وحميمة بينهم وبين الشعوب القوقازية الأصل في آسيا.
لقد تناولنا في شيء من الإطالة النقطة الأولى المتعلقة بدراسة التاريخ الإفريقي ، والآن فلنتطرق للنقطة الثانية التي تنادي بمبدأين اثنين: الأولى تتعلق بخلق كيان لجمع أفارقة الشتات ، وهي الفكرة التي طورها ماركوس قارفي بالدعوة إلى قيام حكومة إفريقية ، والتي تأثر بها في وقت لاحق الزعيم الغاني كوامي نكروما في رؤيته بخصوص قيام حكومة ولايات إفريقيا المتحدة ، أما المبدأ الثاني ، فيتعلق بالتضامن الآفرو – آسيوي.  
لقد حول محمد علي صحيفته The African Times إلى منبر للدعوة إلى التضامن الإفريقي الآسيوي ، كما شارك في تنظيم المؤتمر العالمي الأول لجميع الأعراق الذي انعقد بلندن في عام 1911. إن مداولات ومقررات هذا المؤتمر قد شملت العلاقلات بين البيض والملونين ، كما هدفت إلى تشجيع قيام تفاهم أكبر وتعاون بين كافة الشعوب. ومن الجدير بالملاحظة هنا ، ارتباط تلك المقررات والمبادئ ، باهتمام محمد علي بالشعوب ذوات الأصول الآسيوية والشرقية. وربما كان لذلك الاهتمام صلة بالولاء الذي كان يحمله محمد علي لتركيا. ولذلك فقد كان هو الذي أسس الجمعيات الأوروبية والأمريكية للشؤون التركية والآسيوية ، بما في ذلك الجمعية الأمريكية الآسيوية في عام 1927. ولا ننسى ان نذكر ههنا أن محمد علي الذي كان أول من اعتنق مبدأ الأخوة بين الأفارقة والآسيويين ، يعتبر أيضاً بمثابة أول من بذر بذرة فكرة التضامن الآفرو – آسيوي ، والتي تجسدت بعد عشرة أعوام من وفاته ، في المفهوم الذي عبر عنه الكاتب الجزائري " مالك بن نبي " في كتابه: " من طنجة إلى جاكارتا " ، وهو ذات المفهوم الذي تجسد لاحقاً في حركة عدم الانحياز التي تمخض عنها مؤتمر التضامن الآفرو – آسيوي الذي انعقد بباندونق باندونيسيا في عام 1955 م.
إن تاريخ حركة الجامعة الإفريقية يظهر التأثير العظيم الذي خلفته مفاهيم محمد علي السوداني على أفكار وشخصية وأحد من كبار قادة الأفريقانية ، ألا وهو ماركوس قارفي. فعندما اضطرت الظروف السياسية التي كانت سائدة في جاميكا ماركوس قارفي إلى السفر إلى لندن في عام 1912 لكي يتعرف أكثر فأكثر على إفريقيا ، اتصل قارفي بالطلاب والصحفيين الأفارقة المقيمين بلندن ، وعقد صلة لصيقة مع محمد علي السوداني ، بل عمل معه في تحرير صحيفة " آفريكا تايمز " الواسعة الانتشار. ثم صحب محمد علي دوس ماركوس قارفي إلى الولايات المتحدة ، حيث عمل محمد علي في صحيفة Negro World التي أسسها قارفي هناك في عام 1918 م.
ويؤكد " أديب راشد " أن ماركوس قارفي قد صار تلميذاً مخلصاً لمحمد علي السوداني. فخلال عمله معه بصحيفة " ذي أفريكان تايمز " في لندن ، استوعب قارفي معلومات جمعة عن أفريقيا: جغرافيتها ، وتاريخها ، ومعادنها ، وثرواتها الطبيعية ، وكذلك عن وجود الدين الإسلامي في إفريقيا. لقد كانت تلك هي الفترة التي بدأ ماركوس قارفي ، يتعرف فيها في الواقع على إفريقيا الحقيقية.
لقد كان محمد علي دوس وطنياً إفريقياً حقيقيا ، ولم  يكن عنصرياً متعصباً لمفهوم الزنوجة المقتصر على البعد المتعلق بلون البشرة فقط. وهذا واضح من من موقفه الداعي للتآخي بين الآسيويين والأفارقة. هذا الموقف نابع من التزام محمد علي بتعاليم الإسلام الذي ينبذ التعصب ، ويؤكد على المساواة والإخاء بين البشر ، إذ ان الإسلام هو دين الإنسانية جمعاء ، وهو تجسيد لمفهوم العالمية المتجاوزة لاختلافات اللغات والثقافات والألوان ، والأنواع ، والأعراق ، وأنه ليس لعربي فضل على عجمي ، ولا لأبيض على أسود.
وعليه فإن محمد علي كان يشدد على فكرة " إفريقية الإسلام " التي كان يميل إليها ، أكثر من ميله الى " عروبة الإسلام ". وذلك هو الذي جعل الكثيرين من قادة الأفريقانية يعتقدون ان الإسلام هو دين القارة الإفريقية ، او أنه دين الرجل الأسود. واستشعاراً منه لعمق هذه التعاليم الإسلامية في أذهان الأفارقة ، أدرك محمد علي دوس أهمية عنصري المساواة والإخاء بالنسبة للأفارقة. (9)

ثالثاً: جمال محمد أحمد
كان معلماً ، وصحافياً ، ودبلوماسياً ، وباحثاً ، ومؤلفاً ، وكاتب قصة ، ومترجماً. إنه المثقف والأديب الأفريقاني السوداني الكبير الأستاذ جمال محمد أحمد 1915 – 1986 م ، الذي كان أيضاً سياساً مرموقاً ورجل دولة من طراز رفيع ، ختم حياته المهنية وزيرا للخارجية.
ولد جمال محمد أحمد في قرية " سُرّة شرق " بمحافظة وادي حلفا ، في قلب بلاد النوبة القديمة ، وأقصى شمال السودان. تخرج في كلية غردون التذكارية بالخرطوم في عام 1937 م ، ثم أكمل دراسته الجامعية ببريطانيا حيث حصل على بكلاريوس الآداب من جامعة " أكستر " في عام 1946 ، وواصل دراساته العليا ببريطانيا أيضاً ، حيث حصل على درجة الماجستير في الآداب من جامعة " أوكسفورد " في عام 1954 م.
عمل جمال محمد أحمد إثر تخرجه مباشرة من كلية غردون التذكارية ، التي كانت المدرسة الثانوية الوحيدة في السودان كله آنئذ ، على الرغم من انها سوف تتطور لاحقاً لكي تصبح كلية الخرطوم الجامعية ، وجامعة الخرطوم على التوالي في خمسينيات القرن العشرين ، عمل بمكتب النشر التابع  لمصلحة المعارف ، أو وزارة التربية والتعليم ، تحت الإدارة الاستعمارية البريطانية بالسودان.
كذلك عمل جمال محمد أحمد مدرساً للغة الإنجليزية بالمدارس المتوسطة بالسودان ، كما عمل بمعهد تدريب المعلمين ببخت الرضا في أربعينيات القرن الماضي.
لقد برزت القدرات والملكات القيالدية لجمال محمد احمد ، كما تفتحت ملكاته الثقافية منذ مطلع شباباه. فلقد تم انتخابه على سبيل المثال ، رئيساً لاتحاد ظلاب كلية غردون التذكارية في عام 1935 ، ثم صار بعد ذلك رئيساًُ للجمعية الثقافية بالكلية. ولاحقاً تم تعيين جمال محمد أحمد أميناً عاماً لبيت الثقافة بالخرطوم خلال الفترة من عام 1947 وحتى عام 1956م.
وفي عام 1956 ، وهو العام الذي شهد استقلال السودان ، التحق جمال محمد أحمد بالخدمة للدبلوماسية لجمهورية السودان المستقلة حديثاً حينئذ ، حيث تم تعيينه ضمن أول دفعة من السفراء السودانيين.
وهكذا عمل جمال محمد أحمد سفيراً للسودان في العراق 1956 – 1959 م ، وفي إثيوبيا 1959 – 1964 م ، ثم شغل منصب مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة 1964 – 1965 م ، وأخيرا تم تعيينه في عام 1977 ، وزيراً للخارجية في عهد الرئيس جعفر نميري.
وعلاوة على ذلك ، فقد كان جمال محمد أحمد رئيساً لعدة دورات لاتحاد الكتاب السودانيين ، وذلك حتى تاريخ وفاته في عام 1986 م.
لقد كانت جمال محمد أحمد ابناً محباً حقيقياً لإفريقيا ، كما كان يحمل عاطفة جياشة نحو قضاياها ومستقبلها. فعندما كان يشغل منصب سفير السودان بأديس أبابا ، لم يدخر وسعاً في الإسهام في كل ما من شأنه تعزيز العلاقات والصلات فيما بين الأفارقة في شتى المجالات.
ففي عام 1963 م ، على سبيل المثال ، تم الاتصال به من أجل إصدار العدد الأول لمجلة the Journal of Modern African Studies  ، ولكي يتخذ الترتيبات اللازمة لصدور الأعداد اللاحقة. وفي عام 1962 ، شارك جمال محمد أحمد في الاجتماع التحضيري الذي انعقد بأكرا عاصمة غانا ، بغرض تدشين إصدار " دائرة المعارف الإفريقية " أو The Encyclopedia Africana .
لقد ترك لنا هذا الابن المحب لإفريقيا ، قدرا كبيراً من الآثار المنشورة والكتب التي يتعلق معظمها بالشؤون الإفريقية ، شاملة مجالات التاريخ الإفريقي ، والثقافة الإفريقية ، والسياسة ، والدبلوماسية.
ولعل مما تجدر الإشارة إليه بصفة خاصة ، ان جمال محمد احمد كان أول كاتب يأخذ زمام المبادرة بترجمة كتاب بازل ديفيدسون الشهير بعنوان: Old Africa Rediscovered إلى اللغة العربية ونشره تحت عنوان: " إفريقيا تحت أضواء جديدة ".
وفيما يلي بعض النماذج للكتب التي ألفها الأستاذ جمال محمد احمد:
1-    الترجمة الأولى والوحيدة لكتاب " إفريقيا تحت أضواء جديدة " لبازل ديفيدسون
2-    العنصر الإنساني في التطور الإفريقي
3-    الجذور الفكرية للحركة الوطنية المصرية ( بالإنجليزية )
4-    بحوث إفريقية
5-    ولايات النيل المتحدة
6-    وجدان إفريقيا
7-    قصص من إفريقيا " سالي .. فو .. حمر "
8-    قراءات إفريقية
9-    عرب وأفارقة
10-    المسرح الإفريقي
11-    في الدبلوماسية السودانية (10)
المصادر:
1-    Hassan, Yusuf Fadl, The Arabs and the Sudan, SUDATEK, Khartoum, 2005, p.19.
2-    دفع الله ، سامية بشير ، النوبة الأصل والتاريخ ، الخرطوم ، 1996 ، انظر المقدمة.
3-    http://en.wikipedia.org/wiki/Taharqa
4-    Farah, Khalid Mohamed, Diplomacy and Africa’s Development Challenges, 1980 – 2005, Future Studies Center, Khartoum, 2009, see the introduction
5-    Ismail, Mustafa Osman, Sudan and the African Liberation Movements, Dar Al Assalah, Khartoum, 2006, p. 51.
6-    D. Lara, Oruno, La Naissance du Panafricanism: les raciness caraibes, americaines et africaines du movement au XX siecles, Edition Karthala, Paris, 2000
7-    Cornevin, Robert, Litterature de L`Afrique Noire de Langue Francaise, p. 107, in Abdelhadi El Siddig`s book Sudan and Pan-Africanism, translated by Leslie McLaughlin, Centre for Strategic Studies, Khartoum, (Nd), p. 135
8-    El Siddig, Abdelhadi, Sudan and Pan-Africanism, Op. Cit pp. 135 – 142
9-    El Siddig, Abdelhadi, ibd, pp. 142 – 151
10-    Ismail, Mustafa Osman, Op cit, pp. 53 - 54                         


(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)