بسم الله الرحمن الرحيم


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نشرت مجلة "سيانس أي افينير" Sciences et Avenir أي "العلوم والمستقبل" الفرنسية في عددها الصادر في شهر مايو 2012م الماضي ملفاً متكاملاً حول مملكة مروي السودانية القديمة ، التي ازدهرت مابين القرنين السادس قبل الميلاد والرابع الميلادي ، وقد احتفت هذه المجلة   الفرنسية المرموقة  بهذا الملف احتفاءً ملحوظاً ، الى درجة  انها قد أبرزته على صدر صفحة غلافها الامامي ، تحت العنوان الجذاب والمثير  التالي: "مروي : الامبراطورية التي تحدّت روما"،  وقد زُيّن العنوان بصور لأهرامات (البجراوية) أو مروي القديمة ، وصورة للمعبود المروي"أبا دماك" بجسد أفعى وبرأس أسد ، فضلاً عن صورة لتمثال رأس "أغسطس" إمبراطور روما، وهو مطمور جزئياً في رمال مروي ، في إشارة الى الهجوم الذي شنه المرويون على أسوان بصعيد مصر في القرن الاول قبل الميلاد ، وتحديداً في سنة 24 قبل الميلاد ، واصطدامهم مع قوات الامبراطورية الرومانية التي كانت تحتل مصر وقتئذ ٍ ، واستيلائهم على تمثال مصنوع من البرونز لرأس أول أباطرة روما (أغسطس) ، وجلبهم  له معهم كغنيمة الى عاصمة بلادهم ، حيث أمرت ملكتهم (الكنداكة) أماني رينا 40 ق. م – 10 ق.م ، بدفن ذلك التمثال تحت الثري  أمام عتبة بوابة المعبد ، لكي تطأه في كل وقت تدخل فيه الى المعبد أو تخرج منه ، إمعاناً منها في اهانته، بحسب آراء بعض الباحثين . والتمثال الاصلي المعني لرأس الامبراطور أغسطس ، محفوظ حالياً بالمتحف البريطاني بلندن ، بينما صنعت منه  صورة أخرى مقلدة  على منواله ، محفوظة بدورها بمتحف السودان الوطني بالخرطوم. وقد أجرت الصحفية الفرنسية السيدة بيرناديت آرنو Berndette ARNAUD  التي أشرفت على إعداد ونشر هذا الملف الضافي عن الحضارة المروية ،  أجرت مقابلة مع الدكتور كلود رييي Claude RILLY الفرنسي الجنسية ، رئيس الوحدة الفرنسية العاملة في إطار الهيئة القومية للآثار والمتاحف بالسودان ، وهو عالم آثاري ولغوي ، أضحى مشهوراً على نطاق واسع في العالم ، باعتباره واحداً من أبرز العلماء و الباحثين المجتهدين في مجال اللغة المروية ومحاولة فك أسرارها ، توطئة لفهم مدلولات الفاظها ومعانيها التي ظلت مستغلفة على سائر الباحثين والعلماء ، وذلك منذ أن أفلح البريطاني المستر قريفث في قراءة رموزها لأول مرة في العصور الحديثة في العام 1911م.


هذا ، وقد رأينا أن نقوم بترجمة المقابلة التي أجرتها السيدة بيرناديت آرنو مع البروفسور كلود رييي ، حول مجمل مقارباته البحثية للغة المروية ، وجهوده الرامية الى حل لغزها ، على نحو ما فعل مواطنه الفرنسي الآخر جان فرانسوا شامبيليون ، الذي نجح  في فك شفرة اللغة المصرية القديمة منذ عام 1822. وذلك تعميماً للفائدة ، ورغبة منا في المساهمة في التعريف بتلك الجهود العلمية المقدرة ، وحفزاً للعلماء والباحثين ، وخصوصاً السودانيين منهم، الى بذل المزيد من الجد والاجتهاد في هذا الامر البالغ الاهمية بالنسبة لمعرفة تاريخنا وجذورنا التاريخية ، بل ربما تاريخ المنطقة الجغرافية المحيطة بالسودان بأسرها ، فإلى مضابط الحوار ، ومن ثم التعليق :

مقدمة الحوار :

المتخصص الكبير في الحضارة المروية يشرح المصاعب التي تواجه فك شفرة هذه اللغة المنقرضة ، التي لا يُعرف منها اليوم سوى نحو مائة كلمة .

إن اللغة المروية هي واحدة من أواخر الألغاز الكبرى للماضي البعيد . وهي ما تزال غامضة الى حد كبير ، وبذات القدر من الغموض الذي تتسم به اللغة الأتروسكية  في إيطاليا ، ولغة الغال في فرنسا . انها تمثل على نحو خاص ، أقدم الشواهد على كتابة  افريقية خالصة . إذ في الواقع ان واحدة من اكثر الابتكارات المثيرة للاعجاب التي أحدثها الملوك الكوشيون في حوالي سنة 250 قبل الميلاد ، كانت هي ابتداع خط خاص لكتابة لغتهم . إذ في ذلك الحين ، لم تكن تستخدم الا كتابة الفراعنة المصريين . وهكذا سيختار المرويون من جيرانهم الاقوياء مجموعة من الرموز ، بعضها هيروغليفي ( رسمي أو كلاسيكي - المترجم ) وبعضها ديموطيقي ( شعبي أو عامي ) لكي يصنعوا من ذلك كتابة خاصة بهم ، مخصصين قيماً صوتية مختلفة للرموز . ولم يتم العثور الاً على نقوش نادرة على جدران المعابد ، وكذلك بعض الالواح المنقوشة ، وذلك بعد زوال مملكة مروي في حوالي القرن الرابع الميلادي . وعلى الرغم من ان البريطاني فرانسيس لويلين قريفث Francis Llewllyn, Griffith  كان قد نجح في فك شفرة البناء الصوتي لهذه اللغة منذ عام 1911، الاً ان فهم معاني النصوص ، ومدلولات الالفاظ قد ظل مبهماً على نحو واسع بالنسبة لنا ، طوال القرن العشرين حتى جاء كلود رييي الذي حاول فك اسرارها في صبر وأناة .

س : لماذا أراد الكوشيون أن يتخذوا لهم خطاً كتابياً ؟
ج : في البداية كان ملوك كوش عندما يريدون كتابة بعض الأدعية والصلوات داخل المعابد ، او عندما يريدون تدوين سجلات تاريخية لفترات حكمهم ، فإنهم كانوا يلجأون الى بعض الكتبة الذين يخطون لهم مايريدون تخليده باللغة المصرية القديمة . ومن بعد أراد اؤلئك الملوك أن يمتلكوا كتابة خاصة بهم . وسوف يستغرف ذلك زهاء الخمسمائة عاماً ، وهي نصف المدة التي تطلبتها اللغة الفرنسية لكي تنفصل عن اللاتينية ، وهي اللغة الرسمية التي كانت تحرر بها جميع الوثائق الى عهد مجيء فرانسوا الاول ، وصدور مرسوم الـ Edit de Villiers-Cotteret ، ( أي مرسوم قصر فيلييه كوتريه الذي أصدره الملك فرانسوا الأول في شهر أغسطس 1539 م ، إيذاناً منه بتحرير وإصدار الأحكام القضائية من جميع المحاكم الفرنسية باللغة الفرنسية عوضاً عن اللاتينية التي كانت هي اللغة الرسمية السائدة عصرئذٍ- المترجم ).

س : وكيف صنع الكوشيون ذلك ؟
ج : عن طريق اختيار عدد من الرموز المشتقة من الخط الديموطيقي المصري ـ أي الكتابة الشعبية الخاصة بالتعامل اليومي ـ استطاع الكوشيون ان يقيموا نظام كتابة انسيابية برموز متصلة Cursive ومقطعية ، ثم إنهم عمدوا بعد ذلك الى ابتداع خط رصين وفخيم (كلاسيكي) منبثق عن الرموز الهيروغليفية .

س : ولماذا يستغرف فهم هذه النصوص المكتوبة باللغة المروية كل هذا الوقت ؟
ج " لأنه منذ وقت بعيد ، اراد المختصون الذين كانوا يهتمون باللغة المروية ، ان يربطوا هذه اللغة  وبكل الطرق ، بلغات الصحراء   الأرفع قدراً مثل : البربرية ، والمصرية القديمة  والسومرية والعبرية بل بعائلة اللغات التوخرية Tokharien في آسيا . بينما كان ينبغي على هؤلاء أن يقبلوا بالمروية على أساس انها لغة افريقية . وهذا الامر يفترض معه بالضرورة ، دراسة عدد من اللغات الافريقية الأخرى ، حتى يتسنى الانخراط في إجراء مقارنات لغوية .

س : وفي نهاية الأمر ، بأي المجموعات اللغوية استطعت الحاق هذه اللغة ؟
ج : لاحظت أن التشابهات الاكثر عدداً مع هذه اللغة ، موجودة داخل مجموعات اللغات النيلية ـ الصحراوية  ، في فرع اللغات السودانية الشرقية  الذي يضم اربعة مجاميع من اللغات واللهجات هي النوبية والنارا والتامان ( التاما ؟ المترجم ) والنيما. وكل هذه المجاميع منتشرة داخل الحزام الساحلي الممتد من تشاد الى ارتيريا . إن هذا الامر يتطلت إعادة بناء اللغة النوبية الاولى porto nubian في المقام الاول ، ومن ثم إعادة بناء اللغة السودانية الشمال الشرقية الاولى porto North Eastern  التي انبثقت  عنها اللغة المروية .

س : وماهي الطريقة التي اتبعتها في ذلك ؟
ج : لقد لاحظت ان اللغة التي كانت تشاطر اللغة المروية  العدد الاكبر من اوجة الشبه ، كانت هي اللغة النوبية القديمة . وهذه هي لغة كهنوتية او طقوسية خاصة بالكنيسة القبطية بالسودان ، كانت تستخدم بين القرنين العاشر والخامس عشر الميلاديين. ونحن نعلم منها سبعمائة كلمة. وقد تم اختراع خطها لكي تدون به النصوص المسيحية باللغة المحلية . إن احتفاظ هذا الخط الجديد ببعض رموز الخط المروي ، كان يدل على انه عند مقدم المسيحية (الى بلاد النوبة ـ المترجم ) [ في القرن السادس الميلادي ٍ] ، كانت بقايا التقاليد المروية ماتزال محافظاً عليها  في المنطقة .

س : وماهي العقبة التي تقف امام جهودكم لفك طلاسم هذه اللغة ؟
ج : حقيقة انني أعمل في ذلك لوحدي تقريباً ! فضلاً عن سباق السرعة الذي اجابهه في مواجهة انقراض الاشخاص المتكلمين بهذه اللغات باطراد ، هذا بصرف النظر عن النزاعات التي تدور داخل تلك المناطق . ولم يعد هناك غير باحث واحد في فرنسا لدراسة لغات جبال النوبة ، بينما ان هذه المنطقة التي هي أصغر مساحة من سويسرا ، تمتلك تعددية لغوية تعادل مجمل عدد اللغات المتحدث بها داخل افريقيا . ونوبية دارفور التي لا نعرف منها سوى مائتي كلمة فقط ، لم يعد يستخدمها سوى مشيخ كبير واحد هو الاخير من أمثاله والحال انها تمثل أحد الانماط اللغوية التي احتفظت بالفاظ القرابة (Kinship Terms) الاكثر قرباً من نظيرتها في اللغة المروية.

أما فيما يتعلق بلغات مجموعة  "التاما" ، فإنها هي الاخرى كذلك ، متكلم بها في دارفور  في منطقة الحدود مع تشاد ، ولكنها توجد في اماكن يصعب الوصول اليها حالياً . اما بالنسبة للغة "النارا" المتحدث بها في ارتيريا ، فإنني لم استطع الذهاب الى موطنها الاّ مرة واحدة . وأما فيما يختص بمجموعة "النيما / النيمانق" (تنطق النون خيشومية ما بين صوت النون والياء معاً ـ المترجم) التي استطعت ان ابحث فيها ، فإنها متحدث بها ايضاً في جبال النوبة ، غير ان الوضع السياسي في جنوب كردفان غير موات البتة . فها هي اذاً بعض الاسباب الموضوعية التي جعلت التقدم في حل لغز اللغة المروية يصطدم بعقبة تمنعه من الانطلاق الى الامام .

س : بالرغم من هذه الصعاب ، كم عدد الكلمات التي تم التوصل الى حل شفرتها ؟
ج : كل ذلك قابل للتعديل الى درجة كبيرة جداً . بالنسبة للكلمات التي نحن متأكدون تماماً من ترجمتها ، فإننا قد وصلنا الى اكثر من مائة كلمة ، وهو قدر هائل ، ذلك اذا ما قدرنا الفراغ الذي كان يتعين علينا الانطلاق منه . فلابد من ذخيرة مكونة من حوالي الفي كلمة من أجل فهم لغة ما .

س : ماهو الشيء المطلوب توفره من اجل التقدم في فهم لغة منقرضة ؟
ج : العثور على المعجم الاساسي للغة . بمعنى انه من اجل فهم اللغات ، فإنه لابد من توفر الالفاظ المرتبطة بالعناصر الاولية البسيطة مثل اعضاء الجسم (يد ، قدم ، راس )، او تلك الالفاظ ذات الصلة بالقرابة (أخ ، أب ، أم). كذلك القدرة على تمييز اسماء الحيوانات الاكثر شيوعاً ، بالاضافة الى التعرف على الافعال الأساسية . كما ينبغي على وجه خاص ،الاستفادة من المعطيات والبيانات التي يوفرها علم الآثار ، فضلاً عن المعلومات التي توفرها العلوم والمعارف المعجمية والنحوية . إن إعادة بناء لغة ما ، هو بمثابة إعادة بناء عالم بحاله .

س : يتعين عليك اذاً العثور على ما يماثل حجر رشيد ؟
ج : ولكن حجر رشيد لم يكن هو الذي مكّن شامبليون من ترجمة اللغة المصرية القديمة . إنها معرفته الهائلة للغة القبطية ، التي كانت لغة معروفة تماماً حينئذٍ ، بل وكانت لها قواميس منشورة . لقد كانت ماتزال مستخدمة في التراتيل الكنسية ، وكانت تنحدر مباشرةً من لغة الفراعنة . لقد كان حجر رشيد ببساطة بمثابة مفتاح لفتح المنزل والدخول فيه ، ولم يكن ذلك المفتاح هو من بنى ذلك البيت . أما نحن فأننا بخلاف شامبليون ، لانمتلك ما يعادل اللغة القبطية بالنسبة للمروية ، وانما لغات تمت اليها بصلة القرابة ، وهي لغات متباعدة جداً . إن اللغة المروية لم تخلِّف أية لغة ابنة بالنسبة لها . فالمشكلة اذاً تكمن هناك .

س : لقد بدأت لوحدك في تعلم اللغة الهيروغليفية وانت في العاشرة من عمرك ، وتتحدث الآن اكثر من اثنتي عشرة لغة ، فكيف جاء شغفك باللغة المروية ؟
ج : لقد أقلقت والديّ ومدرسيّ منذ وقت مبكر جداً . ففي سن السادسة كنت اود ان اكون كاتباً ، وفي السابعة مستكشفاً ، وفي العاشرة عالم مصريات ، وهكذا . ومؤخراً وقعت من خلال قراءتي على لغز اللغة المروية . كانت تلك صدفة من صدف الحياة. كنت قد بدأت اهتم عندئذٍ باللغات الافريقية ، وتعلمت لغة "اللينقالا" مع بعض الاصدقاء الزائيريين . كل ذلك تمثل أمام عيني فجأةً بشكل واضح . وهو أنني سوف استطيع في نهاية المطاف ان أجمع بين كل الاشياء التي اهواها مرة واحدة : أعني اللغة المروية من جانب ، وإنما الى جانبها ايضاً افريقيا وسكانها الذين ظللت دائماً احس أنني قريب منهم جدا .

س : هل يّعرف كيف انتهت مملكة مروي وكيف اختفت لغتها ؟
ج : إنها نهاية في غاية الغموض هي الاخرى . ففي حوالي سنة 350 ميلادية ، بلغت الصحراء الكبرى قمة حالات الجفاف . فقامت مجموعة عرقية أصلها من غرب النيل ، يسميها الاغريق "النوباي" ، ومعناها العبيد في اللغة المروية ، قامت تلك المجموعة بالتوغل شرقاً (المترجم ) من اجل الوصول الى نهر النيل لكي ترعى مواشيها . الا ان هذه القبائل السيئة الصيت سوف تتغلب على المرويين ، وتسهم في سقوط مملكتهم . لقد تمكنت تلك الغزوات النوبية في النهاية من اختراق حصون الدفاعات المروية ، بل انهم اندفعوا بانتصارهم ذاك حتى وصلوا الى تخوم مملكة اكسوم في اثيوبيا الحالية (الحبشة القديمة). ولكننا نعلم ان عيزانا ، وهو أول ملك مسيحي لتلك المدينة ، كان قد ارسل عليهم تجريدة لدى اقترابهم من حدود مملكته بغرض صدهم . وهكذا اخترقت جيوش عيزانا في غزوتها تلك ارض (الكاسو) التي هي بلاد كوش القديمة دون مشقة .ويبدو أن مملكة مروي لم تعد تمتلك في تلك اللحظة اية سلطة .

لكن هذه الفترة ماتزال غير معروفة . ويبدو أن مجموعات مختلفة قد تعاقبت على السيادة (المترجم) خلال الفترة مابين سقوط مملكة مروي وظهور المسيحية في العام 545م . على ان هناك شيئا مؤكداً ، وهو انه عندما وصل المبشرون الاوائل الذين ارسلتهم بيزنطة الى بلاد النوبة ، وجدوا بها ثلاث ممالك جديدة هي : نوبا تيا بالشمال وعاصمتها (فرص) ، وإلى الجنوب منها مملكة (المقرة) وعاصمتها (دنقلا) ، ثم في منطقة الخرطوم الحالية ، مملكة (علوة) وعاصمتها (سوبا) . وهكذا اختفت مملكة مروي من الوجود ، ومعها لغتها وكتابتها التي ظلت مستخدمة لمدة ستمائة عام .
التعقيب:
(1)    معرفة السودانيين القدماء بالكتابة والقراءة وسبقهم في ذلك ، مزية شهد بها الكتاب الإغريق القدماء مثل ديودور الصقلي الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد ، حيث ذكر في كتابه نقلا عن أسلافه الإغريق بكل تاكيد انهم كانوا يعتقدون أن الاثيوبيين ( أي الكوشيين او أسلاف السودانيين ) كانوا أول من خط بالقلم من بين شعوب الأرض. ولكن الباحثين المعاصرين لا يلقون بالاً لهذه المعلومة في الغالب ، ولا يحملونها على محمل الجد ، وكأنهم يعتبرونها من مبالغات الكتاب الكلاسيكيين ، وانها تأتي في إطار نظرتهم الرومانسية كما توصف ، التي كانت تنحو نحو إعلاء شأن من يسمونهم بالإثيوبيين بصفة عامة.
(2)    ليس صحيحا على إطلاقه ما ذهب إليه الدكتور ريي من أن المختصين حاولوا بكل جهد ربط اللغة المروية بما أسماها بلغات الصحراء الأرفع قدرا على حد تعبيره ، مثل البربرية والمصرية القديمة والسومرية والعبرية. بل ربما كان العكس هو الصحيح ، بمعنى ان التركيز كان هو بالأحرى محاولة إثبات نوبية اللغة المروية على نحو ما ظل يفعل الألماني كارل لبسيوس – على سبيل المثال - على مدى نحو اربعين عاما باعترافه هو نفسه ، إلى ان ثبت له ان النوبية ليست مشتقة من المروية. ولقد رأينا الدكتور ريي ذاته يؤكد صراحة في هذه المقابلة على ان المروية لم تخلف بنتاً تعيش الآن.
(3)    لاحظنا ان الدكتور ريي قد تحاشى في معرض إشارته إلى ما دعاها بلغات الصحراء التي وصفها بانها أرفع قدراً ، ملمحاً إلى مقارنتها باللغات النيلية الصحراوية ، فكانها " أقل إفريقية " منها أيضا بحسب رأيه ، رأينا انه قد تحاشى ذكر مجموعتي اللغات التشادية والكوشية ، وكأنه يستبعد احتمال وجود أية صلة قرابة لهما بالمروية ، في الوقت الذي لا يستطيع أي شخص ان ينكر ان اللغات التشادية والكوشية هي لغات إفريقية خالصة ، حتى بالمعنى الإثنلوجي الذي هدف إليه ضمناً الدكتور ريي.
(4)    إن الربط بين اللغة والعنصر السلالي ضربة لازب ، كمنظور لدراسة اللغات وأصولها ينطوي على مخاطر يجب ألا تنطلي على من هم مثل الدكتور ريي في تقديرنا. وذلك لأن فيه خلطاً بين منطلق علم اللغة ومنطقه ، ومنطلق المعارف الاثنلوجية والانثربولوجية ومنطقها ، فضلا عن انه يغري باستخدام مصطلحات مثل الرفعة والانحطاط وما الى ذلك ، وهي أوصاف ذات احكام قيمية ، ولا يجوز بالتالي استخدامها في دراسة اللغات ، التي لا تفاضل فيما بينها كما يقول العلماء.
(5)    وحتى اذا استخدمنا هذا المنظور المعيب  ، لمجرد إلزام الحجة فقط ، فإن هنالك من الأمثلة ما تهزم هذا المنظور نفسه. فعلى سبيل المثال يتكلم الفولاني الذين يعتبرون نفسهم عنصرا رفيعا نسبياً من الناحية العرقية ، لغة  نيجرية كونغولية ( كتبت نيلية صحراوية في النص الذي نشرناه من هذا المقال بصحيفة السوداني السودانية ، وذلك هو خطأ نعتذر عنه للقراء ) هي " الفلفلدي أو البولار " ، بينما يتحدث الهوسا الذين قد يعتبرهم الفولاني دونهم عرقيا ، لغة كوشية هي " أرفع " من البولارية بمنطق الدكتور ريي ومن يرى رأيه في هذه الناحية.
(6)    لقد غدا مجال دراسة اللغات مع الأسف – شانه في ذلك شان كثير من الدراسات الإنسانية – مرتعاً خصباً لللايديلوجيا ولأهواء النفوس ورغباتها وأغراضها ، وذلك بسبب ارتباط اللغة من حيث هي بالهوية وبالانتماءات والولاءات المختلفة. وفي هذا السياق يندرج على سبيل المثال ، التنازع بين آراء من يعتبرون اللغة المصرية القديمة مثلاً ، كياناً قائما بذاته في إطار عائلة اللغات الأفريقية – الآسيوية كجوزيف غرينبيرغ وغيره من علماء اللغات ، وهذا هو الرأي الغالب ، وآراء بعض الباحثين الأفارقة المتأثرين بصفة خاصة بايديلوجيا الزنوجة والأفريقيانية مثل السنغالي شيخ انتا ديوب وتلميذه الكونغولي ثيوفيل اوبينغا ، اللذين حاولا إيجاد ما وصفاها بروابط عضوية بين اللغة المصرية القديمة وما أسمياه باللغات (الزنجية الإفريقية) وهذه الأخيرة تسمية غير علمية بتاتا.
(7)    الحجة التي ساقها الدكتور ريي في سياق حديثه عن العقبات التي واجهته في إجراء دراساته على اللغات التي يعتقد ان لها صلة بالمروية في غرب السودان وجبال النوبة خاصة ليست مقنعة تماما. ذلك بان المرء لا يحتاج في الواقع الى السفر الى تلك المناطق حتى يجد متحدثين اصليين بلغاتها ، فكل السودان هو الآن في الخرطوم. ولو أن الباحث قدكلف نفسه بالذهاب الى ضاحية الحاج يوسف او ضاحية ام بدة بالعاصمة السودانية ، لظفر بمتغاه وأكثر.
(8)    مهما يكن من أمر ، فإن جهد الدكتور كلود ريي هو جهد مقدر جدا بكل تأكيد. وإنما ينبغي عليه ألا يحصر نفسه في نطاق ضيق هو فقط نطاق اللغات السودانية الشرقية ، بل عليه ألا يستبعد الاحتمالات الأخرى في سبيل الوصول الى معرفة معاني اللغة المروية. فبالإضافة الى اللغة النوبية التي ورثت المروية على الأقل جغرافيا ، عليه ان ينظر في جميع اللغات السودانية والإفريقية وحتى الآسيوية الأخرى المجاورة لمملكة مروي. والعبرة بالخواتيم ، ألا وهي التوصل إلى فك شفرة معاني اللغة المروية في نهاية المطاف. وكما قال الزعيم الصيني دينج شاو بنج: ليس المهم لون القطة ولكن المهم أن تصطاد الفئران.