مطالعة في كتاب: "العادات المتغيرة في السودان النيلي " لعبد الله الطيب وترجمته إلى العربية (1)



أهدى إليّ صديقي العلاّمة الشاب الدكتور الصديق عمر الصديق ، مدير معهد " البروفيسور عبد الله الطيب للغة العربية " بجامعة الخرطوم ، هذه المؤسسة الفتية ، التي أضحت أشهر من نارٍ على علم في بحبوحة المشهد الأكاديمي والثقافي السوداني برمته خلال السنوات الأخيرة ، بسبب ما ظلت تحققه من إنجازات باهرة في إطار نهوضها برسالتها الأساسية ، المتمثلة في رفع ألوية الفكر والثقافة والأدب ، وسائر ضروب المعرفة بصفة عامة ، وخصوصاً في مجالات اللغة والأدب العربي ، والثقافة السودانية كذلك ، مما جعلها واحدة من أشد مؤسسات الجامعة بروزاً والتصاقاً بالمجتمع ، وخدمة حقيقية له ، وأهم من ذلك ، مواصلة و تجسيداً عملياً ، وعلى أرقى المستويات كماً وكفياً ، لتراث هذا الرجل الذي إنما أسس هذا المعهد تخليداً لذكراه ، على الرغم مما جعل يتناهى إلى الأسماع مؤخراً من شائعات باعثة على القلق والإشفاق  بشأن كينونته واستمرارها ، فزعنا بآمالنا منها إلى الكذب ، أهدى إلي الدكتور الصديق خلال وجودي في مهمة قصيرة قمت بها إلى أرض الوطن مؤخراً ، نسخة من كتاب: " العادات المتغيرة في السودان النهري (النيلي) " ، من تأليف العلامة الراحل البروفيسور عبد الله الطيب باللغة الإنجليزية ، وترجمة الأستاذ: " محمد عثمان مكي العجيل " إلى العربية. وهذا الكتاب أصدره معهد بروفيسور عبد الله الطيب نفسه في بحر هذا العام 2012م ، الذي آذنت شمسه برحيل الآن.
هذا السفر هو في الواقع ، عبارة عن تجميع لشتات سلسلة من المقالات التي كان قد نشرها البروفيسور عبد الله الطيب بالإنجليزية بمجلة Sudan Notes and Records ( السودان في رسائل ومدونات ) في أزمان متفاوتة ، امتدت خلال الفترة ما بين عامي 1955 وحتى عام 1998. وقد جاءت تلك السلسلة من المقالات التي ضمها هذا الكتاب في صعيد واحد لأول مرة ، تحت عنوان: Changing Customs of the Riverain Sudan .
ويضم هذا السفر بين ضفتيه كذلك ، ترجمة كاملة إلى العربية لتلك المقالات ، تنشر لأول مرة ، من إنجاز الأستاذ "محمد عثمان مكي العجيل" ، حيث جاءت ترجمته لمجموع تلك المقالات من نصها الأصلي تحت عنوان: " العادات المتغيرة في السودان النهري (النيلي)". وهنا ربما جاز لنا أن نلاحظ بأن الصفة " النيلي " وحدها قد كانت كافية لإيصال المعنى الذي هدف إليه المؤلف ، لأن المقصود هو بالفعل نهر النيل الرئيسي الممتد من شمال الخرطوم وحتى وادي حلفا ، ولا مجال إذاً لالتباسه بأي نهر آخر. وربما لذات السبب ، تحاشى عبد الله الطيب الصفة Nilotic لأنها أضحت تحيل بمقتضى الدراسات الأنثربولوجية الغربية بصفة خاصة ، إلى كيان جغرافي وسكاني بعيد جدا عن المنطقة التي هدف إلى الحديث عنها ، واختار الصفة Riverain بدلاً عنها.
وكنت في الحقيقة قد اطلعت منذ سنوات خلت ، على طرف من تلك السلسلة من مقالات عبد الله الطيب المعنية ، في نصها الأصلي بالأعداد التي نشرت بها في مجلة السودان في رسائل ومدونات ، وخصوصاً عددي عامي 1955 و1956 ، غير أنني لم أتمكن من استقصاء النص كاملا قراءة ، على النحو الذي جمع به لأول مرة في هذا الكتاب كما أسلفنا.
يندرج هذا الجهد الثقافي والمعرفي الباذخ لأستاذ الأجيال البروفيسور عبد الله الطيب ، في إطار ما أشار إليه الدكتور الصديق محقاً في تقديمه لهذا الكتاب ، من اهتمام عالمنا الموسوعي الراحل بما دعاها الصديق ب " الشعبيات" ، أو بما سبق أن أفردت له أنا شخصياً ( كان عبد الله الطيب يؤثر أن يقول: أنا خاصةً ) مقالة كاملة نشرتها بعد رحيله المدوّي في عام 2003 تحت عنوان: " عبد الله الطيب والدراسات السودانية " ، قصدت أن أبين من خلالها أن عبد الله الطيب قد كان رائداً حقيقياً من رواد الدراسات السودانية ، بله ما يسمى ب " السودانوية " ، ولقد كانت سودانويته لعمري ، سودانوية أصيلة ومُحبّة وملتزمة ، وعن وعي وبصيرة ، وليست تلك المنبتة والمتعالية والباردة ، وأنه لم يكن فقط مجرد: " بتاع عربي ودين " بحسب تنميط البعض  الظالم والمتنقّص له.
وينمُّ هذا العمل الجليل لعبد الله الطيب بكل تأكيد ، عن دعوة مبكرة لمتعلم مستنير ، ومثقف عضوي كبير ، ومفكر ملتزم حقيقي بتراث شعبه ووطنه ، ورائد نافذ البصيرة ، وظّف علمه الغزير ، وملكاته اللغوية والتعبيرية الاستثنائية ، وذكاءه الوقاد ، وقوة ملاحظته ، ولسانه السؤول ، وقلبه العقول ، في جمع ذاك التراث وحفظه وتوثيقه ، صيانة له من الاندثار ، وحرصاً منه على اطلاع الأجيال المقبلة من ناشئة السودانيين وسواهم ، على ما ظل سائدا لقرون من عادات وتقاليد وتراث ثقافي في أجزاء واسعة من السودان ، وإيماناً منه بقيمته التاريخية والمعرفية والأكاديمية والثقافية والتربوية كذلك. فاجتهد في جمع ذلك التراث وحفظه وتوثيقه عبر هذه المقالات التي عمد إلى نشرها في أشهر وأعرق الدوريات العلمية التي ظلت تهتم بنشر أكثر الأبحاث والمقالات رصانة ومصداقية ، في تناول مختلف جوانب الحياة في السودان منذ صدور عددها الأول في عام 1918 ، وإلى يوم الناس هذا ، ألا وهي مجلة: Sudan Notes and Records .
ولعل ما صنعه عبد الله الطيب من قبل ، وما دعا إليه بصورة عملية من خلال هذا العمل الرائد ، هو عين ما تنبه إليه نفر من تلاميذه من بعد من أمثال البروفيسور يوسف فضل حسن ، الذين أنشأوا ( وحدة أبحاث السودان ) ، التي تطورت فيما بعد لكي تصبح: " معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية " ، الذي اضطلع من ضمن اضطلع به من أعمال جليلة ، بإصدار سلسلة من الدراسات والأبحاث في الآداب الشعبية (الفولكلور) الخاصة بطائفة من القبائل والمجموعات العرقية القاطنة في السودان. وهي دراسات لم تخرج كثيراً في مجملها ، عن العناصر والمحاور الأساسية التي وضع لبنتها ، ونبه إليها ، البروفيسور عبد الله الطيب في مقالاته الرائدة تلك ، خصوصاً فيما يتعلق بطقوس العبور وكل ما يتصل بها ، بالإضافة إلى مختلف ضروب الفولكلور. فكأن تلك المقالات قد كانت بحق ، بمثابة الإرهاص أو الدليل المنهجي المبكر في هذا الباب ، الذي استفاد منه سائر الباحثين في هذه المجالات.
والحق أن كثيراً من الأفكار والآراء التي سطّرها عبد الله الطيب في ثنايا مقالاته هذه ، تمثل أُس وزبدة أفكاره اللغوية والتربوية والثقافية والاجتماعية إلى حد كبير. وهي آراء وأفكار سيصادفها القارئ معبرا عنها ، بصورة أو بأخرى ، في بعض مؤلفاته اللاحقة مثل: من نافذة القطار ، وبين النور والنير ، والتماسة عزاء بين الشعراء ، والأحاجي السودانية ، ومن حقيبة الذكريات ، فضلاً عن محاضراته العامة ، وأحاديثه المبثوثة من خلال أجهزة الإعلام المختلفة.
على أنّ الأمر اللافت للانتباه حقاً ، والذي هو جدير بالتأمل والوقوف عنده في هذا العمل من مؤلفات عبد الله الطيب ، هو أنه قد كتبه ابتداءً باللغة الإنجليزية التي لم يكن يميل إلى النشر بها كثيراً ، على الرغم من إجادته الفائقة لها. والدليل على ذلك أنه لم يؤلف بها – في حدود ما نعلم – سوى رسالته التي نال بموجبها درجة الدكتوراه من جامعة لندن في عام 1950م ، والتي جاءت حول شعر أبي العلاء المعري تحت عنوان: Abu al Alaà Al Ma àrri as a poet أي: " أبو العلاء المعري شاعراً " ، وهي الرسالة التي بلغنا أن الأستاذ عبد المنعم الشاذلي قد أنجز ترجمتها إلى العربية ، وأن تلك الترجمة من المؤمل أن ترى النور منشورة قريبا بإذن الله. يضاف إلى ذلك هذه المقالات التي نحن بصددها ، وكتيباً صغيراً صدر له في سبعينيات القرن الماضي عن دار جامعة الخرطوم للنشر بعنوان: Heroes of Arabia أي: " أبطال من بلاد العرب " ، ثم أنه عمد قبيل وفاته إلى ترجمة كتابه " الأحاجي السودانية " بنفسه إلى اللغة الإنجليزية توطئة لنشره بها.
ولقد دانت اللغة الإنجليزية لعبد الله الطيب في هذه المقالات ، وأسلمت إليه قيادها ، فسطر قيها ، وبث من خلالها رؤاه وأفكاره في سلاسة ويسر ، وأسلوب مطبوع ورفيع في آن معا ، لم تبخ معه – مع ذلك – روح الدعابة العفوية التي طالما ميزت شخصية عبد الله الطيب وتراثه بصفة عامة.
وقد ساعده في ذلك – بكل تأكيد – معرفته الكبيرة بدقائق اللغة والثقافة الإنجليزية ، وذلك بحكم إقامته الطويلة في إنجلترا ، حيث أنه درس وتزوج فيها ، وظل يتردد عليها سنوياً وبانتظام ، منذ منتصف الأربعينيات من القرن الماضي وإلى أن اختاره الله إلى جواره في أوائل القرن الحالي.
وهكذا نجده وهو يقابل في هذه المقالات بين الأهازيج السودانية الشعبية الموغلة في المحلية ، وبين مقاطع من شعر وليام شكسبير ، ويعقد مقارنات بين بعض ألعاب الأطفال في السودان ، وما يعتقد أنها ألعاب مشابهة لها أو قريبة منها في إنجلترا. ويجب ألا ننسى بهذه المناسبة ، أن نشير إلى أن عبد الله الطيب كان قد مارس مهنة التدريس بالفعل في بعض المدارس الابتدائية في إنجلترا ، وذلك في إطار استكمال منهج التدريب النظري الذي كان يتلقاه بكلية التربية بجامعة لندن في أربعينيات القرن الماضي. ومن هنا نحسب أنه قد أُتيحت له الفرصة للتعرف عن كثب على الألعاب التي كان يتسلى بها الأطفال الإنجليز في أوقات لهوهم وفراغهم في ذلك العهد.
لقد تجلّى حس الدعابة ذاك ، وروح الفكاهة تلك ، الذي يسمى في الإنجليزية بال Sense of humour  ، تجلى في هذه المقالات التي تتناول جوانب شتى من الحياة والعادات الشعبية في السودان النيلي ، وهي عادات موجودة بدرجة تكثر أو تقل في مناطق أخرى من السودان ، وتمثّل – على سبيل المثال – في تصوير عبد الله الطيب الباعث على الضحك لروح التسلط المفتعل للقابلة القروية (الداية) ، و " حركاتها " ، واستهبالها ، وتظاهرها الطقوسي بالرغبة في النوم قبل شروعها في عملية الولادة ، كما يتمثل في رصده وتصويره لأهازيج الطفولة والصبا ، وما كانت تنطوي عليها أحياناً من فحش (برئ) ، وبذاءات عفوية ، هي في الغالب ريفية الطابع ، بل بدوية السنخ ، وليس فيها خبث أهل الحضر وتعقيدهم. هذا فضلاً عن روح الفكاهة الظاهرة في تصوير عبد الله الطيب لتعامل الناس مع السحرة وأصحاب العيون الشريرة أو ( الحارة ) ، بكل ما يلزم من أساليب التحوط ، وترديد أدعية التحصين والتعوذ من نظراتهم وتعليقاتهم المؤذية ، وما يصاحب ذلك من سائر مقتضيات المدارة والنفاق الاجتماعي معهم ، إذ هم – على كل حال – جزء من النسيج الاجتماعي لكل قرية سودانية ، بالإضافة إلى حكايات الشيوخ و " الفقرا " و"حركاتهم" المضحكة أيضا.
هذا ، وربما يستبصر القارئ ، خصوصاً من خلال إشارات عبد الله الطيب في أكثر من موضع إلى العاصمة الوطنية (أم درمان) ، بوصفها البوتقة التي ظلت تتفاعل وتنصهر ، بل وتتعرض فيها ثقافات وعادات أهل السودان المختلفة لجدليات التغيير وإعادة التشكل بامتياز ، ربما يستبصر نوعاً من العتب الضمني من جانب عبد الله الطيب المتمسك والمفتون قطعاً بأصالة الحياة الريفية ، على ذلك التغيير ، أو إن شئت " التحوير والتطوير " الذي ما يزال الأمدرمانيون يدخلونه على تلك العادات والتقاليد الشعبية العتيدة ، ولكنه – على كل حال – عتب يستبطن في نظرنا شيئاً من الغبطة ، بله الإعجاب الخفي.. وسنواصل في الحلقة القادمة التي سوف نعرض من خلالها بإذن الله ، بالتعليق على جملة من النقاط والمسائل المحددة ، التي وردت في هذه المقالات ، سواء في نصها الأصلي بالإنجليزية ، أو في ترجمتها إلى العربية.  

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.