عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في السادس عشر من رمضان الماضي ألقى الأمام الصادق المهدي في خيمة الصحفيين الرمضانية محاضرة قيمّة بعنوان " الأنسانيات السودانية" دافع فيها عن تاريخ السودان وقيم أهل السودان. قال السيد الامام أنّ السودان وطن حضارات عظيمة على عكس ما تذكره بعض الكتب والمقالات من أنّه وجد صدفة أو أوجده الغزو العثماني, وقال كذلك انّ  كثيرا من فترات الأزدهار الحضاري السوداني ملتف بالغموض ويحتاج لمزيد من التوثيق التاريخي ومن التجسيد المتحفي, وأنّ (من أخطر نتائج هذه الغفلة عن تاريخنا الأستعداد الكبير في مجتمعاتنا المعاصرة للأستلاب).
ذكر السيد الأمام العديد من الأمثلة لمظاهر هذا الأستلاب مثل أسماء المحلات التجارية "كوافير ديانا – مطعم هافنا- سوبرماركت باريس", و زفة العرس وملابس العرسان وأنواع المكياج الغربية التي قال انّها تناقض (ألواننا وتعارض مناخنا وتعاكس أذواقنا). وكذلك أشار الي أنّه توجد من طرف خفي نزعة سخرية و أحتقار لما هو سوداني, (أحتقار عززتّه كثرة الكوارث في بلادنا لا سيما في المهجر أذ أرتبط أسم السودان بالعنف, والأقتتال, والمجاعات, والتدخلات الأجنبية), وكانت نتيجة كل ذلك أسقاط السودان من الحساب, وعدم الرهان عليه, والتطلع للفرار منه بتذكرة في أتجاه واحد.

وفي مقابل هذه النظرة يرى السيّد الأمام أنّ للأنسان السوداني ميزات فريدة لا ينكرها الا مكابر, ميزات أشار اليها كثير من شعرائنا, هذه الميزات ( تقود لقيم غرسها في نفوس أهل السودان تراث الخلاوى, والمسايد, والأحاجي, وصدح بها الشعراء الشعبيون من حكامات, وكنداكات, وأصحاب المسادير, وشعراء الدوبيت) . هذه القيم ( التي أسميها انسانيات سودانية قد صارت أشبه ما تكون بقيم سودانية قومية). وبعد تأمل وتفكر في الأمر رأى السيد الأمام أنّ (أهم الأنسانيات السودانية ثمانية خصال هي: الكرامة – الكرم – التواضع – التسامح – المروءة – التضحية – الأقدام – الغزل العذري). و على الرغم من هذه الميزات الفريدة الا أنّ هناك سلبيات تتصف بها الشخصية السودانية (وأهمها: العفوية, والمجاملة المبالغ فيها على حساب الصراحة, والأهتمام الأكبر بالأخلاق الخاصة كالعرض وأهمال العامة كالمواعيد, وتضخيم الأجتماعيات وتهميش العمل).

قام السيد الأمام بعرض أهم الأنسانيات السودانية مستشهدا بالأشعار القومية التي يعتبرها حاملة قيم تلك الانسانيات, وخلص في حديثه القيّم الي أنّ ( الأنسانيات السودانية وهي أخلاق السمتة تجد اهتماما زائدا لأنها الان تعاني من خطر الأبادة من مصدرين : الأول : داخلي وهو تفوّق طبقة طفيلية من الأثرياء الجدد الذين كوّنوا ثرواتهم بالمحسوبية أو بغسيل الأموال أو حتى بتنزيل الأموال, هؤلاء تبنوا نزعة أستهلاكية أندفعت في أساليب حياة تقّلد الموضات بلا بوصلة. والخطر الاخر: خارجي تجسده ثقافة التسلية الهابطة المفتونة بالملذات وللأسف ترّوج لها أكثر الفضائيات التي انتشرت أنتشارا مرضيا).

ويرى كاتب هذه السطور أنّ هناك خطرا على القيم السودانية يفوق ما تعرّض له السيّد الامام في محاضرته وهو خطر "الغزو الوهابي" الذي تمدّد في التربة السودانية خلال العقدين الماضيين وبصورة غير مسبوقة. الوّهابية في هذا السياق تعني مجموعة المفاهيم المستندة الي الفكر الديني السلفي المتوّلد في بيئة الجزيرة العربية والخليج, والذي يتصادم في الكثير من جوانبه مع أسلام أهل السودان عموما, ومع "الأنسانيات السودانية" التي أتى السّيد الأمام على ذكرها في محاضرته القيّمة على وجه الخصوص. ولا يقتصر أثرهذا الغزو – بمفهومه الثقافي الأوسع- على المحتوي الديني ولكنه يمتد الي مفردات الثقافة ورموزها من لغة وأسماء وملابس ومعمار وغيرها.

شهدت فترة السبعينات-كما يقول الأستاذ خالد فتحي- توجه أعداد كبيرة من السودانيين للعمل في دول الخليح (اكثرهم توجهوا للسعودية), وكانوا في أعمار صغيرة نسبيا ومتوسطي التعليم وقليلي التجارب, الأمر الذي أدى لتأثرهم بقيم الحياة هناك القائمة على التدين السلفي, فحجبوا نساءهم وأخواتهم وفرضوا عليهم وعلى أنفسهم عزلة اجتماعية وتبنوا آراء سلفية متشددة وعمدوا إلى نقل تغيراتهم هذه الجديدة لداخل السودان عند عودتهم في الأجازات السنوية الطويلة نسبيا. وسهل الأمر عليهم ثراءهم النسبي وميل الناس عادة الى مجاملة ومسايرة ومداهنة ذوي السعة من الناس.

 أزداد أثر المد الوهابي الوافد من الجزيرة العربية و المسنود بأموال النفط على المجتمع السوداني في العقدين الأخيرين,  وقد تمثلت مظاهر ذلك الأثر في أنتشار العشرات وربما المئات من الوّعاظ الذين تلقوا تعليما مجّانيا في جامعات السعودية (بحسب قول أحدهم فأنّ 90% من العاملين في الحقل الدعوي في السودان هم من السلفيين), أضافة الي السيطرة شبه الكاملة على المساجد وبرامج الفتوى في الفضائيات والأذاعات وبالأستعانة بالمطبوعات المجّانية من الكتب والنشرات وشرائط الكاسيت الواردة من الخليج والمملكة السعودية , وكذلك الأختراق المنظم لأقسام الدراسات الاسلامية ومراكز الأبحاث في الجامعات , والأنشطة الأجتماعية المختلفة, وأخيرا صناعة بعض الرموز من أئمة المساجد الذين أحرزوا سطوة ونفوذا كبيرين في ساحة العمل الديني.

ونحن عندما نتناول بالنقاش القيم التي تحملها الوهابية السلفية بمختلف أتجاهاتها لا نعني بالضرورة قيم الأسلام, فالقيم السلفية تعكس في الأساس قيم البيئة الثقافية والجغرافية المتولّدة فيها وهذا هو درس علم الأجتماع الديني الأول:  أنّ طبيعة التدين تختلف من مجتمع لاخر ,ولذلك أصبح ممكنا الحديث عن أسلام سوداني واخر سعودي, ولا يعني ذلك الأختلاف تفاوتا في جوهر الدين وعقائده الأساسية وأنما يدل على التباين في الأمور المرتبطة بطبيعة تشكل الدين في البيئة المعينة وذلك يتضمن الطبيعة الجغرافية والتاريخية ونوع النشاط الأنساني والعادات والتقاليد وغيرها, وقد أدرك ذلك العديد من الفقهاء المسلمين وفي مقدمتهم الأمام الشافعي الذي غيّر فقهه الذي أنتجه في العراق عندما أستقر به المقام في مصر على الرغم من تشابه البيئة الجغرافية في بعض جوانبها , فكيف أذا سيكون الحال مع مفاهيم وقيم متولّدة في بيئة صحراوية مختلفة كلية عن بيئة الزراعة المستقرّة ؟ .

فطبيعة مصر – على سبيل المثال- ليست كطبيعة صحراء نجد, والشعب المصري – كما يقول كمال غبريال- شعب نهري يحترف الزراعة المروية، ما يجعل حياته تتأسس على عاملين أساسيين، أولهما الأرتباط بالمكان، وهو ضفاف النهر بأمتداداته المحدودة، والثاني حتمية التعاون لترويض النهر، تلافياً لنقمته واقتناصاً لبركته، وكلا الأمرين لا يمكن تحقيقهما إلا بالتعاون والتوافق الشامل بين كل من يرتبط مصيرهم بالنهر وواديه، فلم يكن أمام المصري إذا أصر على البقاء إلا أن يتحلى بالتسامح بمعنى السماحية التي تقبل التعدد فلا يكون مبرراً أو جالباً لخصومة أو لد في العداء، كما قد تنحو شعوب أخرى رعوية بدوية ورحّالة، حيث ثروتها منقولة ومحمولة، ويستوي لديها خيار الصلح والبقاء، مع خيار الخصام والرحيل. وبالطبع فأنّ طبيعة الشعب السوداني أقرب للمصري بحكم تشابه البيئة الطبيعية والجغرافية.
ندلف مما سبق ذكره الي الخطر الكبير الذي تمثله السلفية الوهابية على قيمة سودانية أساسية هي بمثابة حجر الزاوية في بناء الأنسانيات السودانية التي تحدث عنها السيّد الأمام الصادق المهدي في محاضرته القيّمة وأعني قيمة التسامح. فقد جلبت الوهابية معها تشّددا في السلوك وفي التعامل مع الاخر (مسلما أو غير ذلك) ليس من طبيعة أهل السودان, حتى بتنا نرى الصبيّ يرفض مصافحة المرأة التي في سن والدته أوعمته, والبنت تمتنع كذلك عن مصافحة من هو في مقام والدها أو خالها, ثم ضربت جدارا فولاذيا عاذلا بين الرجال والنساء لا يشبه طبيعة المجتمع السوداني الذي تختلط في حيشانه الكبيرة الأسر الممتدّة, وتتشارك في حقوله النسوة والرجال زراعة وحصدا, ويتداخل الجميع في أفراحهم وأتراحهم ومواسم أعيادهم . وهذا الجدار ليس من صنع الدين ولا من طبيعة الأسلام في شىء ولكنه من عادات المجتمع وتقاليده التي تسللت الي العقائد , فديننا يسمح بأختلاط الرجال والنساء في مقام رفيع لا فجور فيه ولا فسق وفي ركن من أركانه  وهو الحج الذي تطوف فيه النساء حول البيت الحرام كاشفات وجوههن مختلطات بالرجال, ويسعى فيه الجميع بين الصفا والمروة بذات الهيئة.
 
غياب التسامح عن النهج الوّهابي كان موضوع الرد الذي كتبه الصحفي المصري أبراهيم عيسى على المقال الذي سطرّه قلم الامير سلمان بن عبد العزيز دفاعا عن الوهابية ووصفه لها بأنها تمثل  الأسلام الصافي. قال عيسى : ( طبعًا لن أتحدث معه ولا مع غيره في كيفية نجاح هذا الإسلام الصافي في التمكن من السيطرة العقلية علي أهل الحجاز، ولن أعود عشرات السنين لتفاصيل المجازر والمذابح الجماعية التي جرت عند التأسيس الأول للوهابية ضد مسلمين في الجزيرة لفرض هذا الإسلام الصافي!! لكنني فقط سأتوقف عند ملامح الوهابية التي هي عند الأمير الإسلام الصافي فأذكره بأنها التي رفض شيوخها ومفتوها الاعتراف بأن الأرض كروية تدور حول نفسها، وهي التي منعت حتي وقت قريب تعليم البنات والنساء، وهي التي تحرمهن من قيادة السيارات مثلا، وهي تفرض النقاب والبرقع، وهي التي تري الغرب كافرًا وتمنع بناء دور عبادة لأصحاب الأديان الأخري، وهي التي تُكفر الشيعة، وهي التي تُحرِّم الانتخابات، وهي سلسلة كاملة من الفهم الضيق الشكلي القشري للدين، وهي نموذج في الأحادية وغياب التسامح مع المذاهب الإسلامية الأخري والتعصب ضد الأديان الأخري!). أنتهى  

قد بلغ التشدد في السلوك ومجافاة التسامح الوارد مع الهجمة الوهابية السلفية ذروته في أحداث العنف والقتل غير المسبوقة في المجتمع السوداني. كان أولها في العام 1994حين هاجم حارس سابق لأسامة بن لادن يدعى محمّد الخليفي المصلين بأحد المساجد بمدينة الثورة مخلفا (51) شخصا بين قتيل وجريح, وجاء ثانيها في العام 2000 حين خرج شخص يدعى عباس الباقر حاملا بندقية كلاشنكوف ليهجم بها بوحشية على مصلين اثناء أدائهم صلاة التراويح بأحد المساجد بضاحية الجرّافة حاصدا أرواح عشرين شخصا ومصيبا أعدادا اخرى بجراح متفاوتة. ثم جاء ثالث الحوادث  عندما هاجم شباب مسلحون عربة تقل دبلوماسيا أميركيا فأردوه وسائق سيارته السوداني قتلى في ليلة رأس السنة من العام 2007.

وحينما يبادر بعض المنتمين للتيار السلفي الوّهابي بأستنكار القتل والعنف ويعلنوا أنّ لا شأن لجماعاتهم به بل هم من ضحاياه , نسارع نحن بالرد عليهم بأنّ النبع الذي ينهلون منه واحد, وأنّ المصادرالتي يستمدون منها أفكارهم واحدة, وأنّ الخلاف بينهم هو خلاف في الدرجة وليس في النوع, وأنّ الطريق المؤدي للقتل والذبح والتفجير يمر بداية عبر بوّابة منع الأختلاط وفرض النقاب والأكثار من الحديث عن بدع الزمان.

أنّ الأستنارة والأنفتاح على الاخر لا يتولدان من التشدّد والأنغلاق بل هما أبنان شرعيان للتسامح, وهكذا كان زعماؤنا الدينيون والسياسيون, كان الأمام عبد الرحمن المهدي عاشقا للمسرح وراعيا لشعراء الحقيبة الغنائية, وكان الزعيم أسماعيل الأزهري رئيسا لجمعية الموسيقى بكلية غردون, فكيف أذا يتفق هذا الموروث الحضاري المتقدم والمستنير مع هذه الهجمة الصحراوية التي تحرّم الموسيقى وتحتقر الفنون ؟ أنّ الغزل العذري الذي أتيت على ذكره ضمن الأنسانيات السودانية –يا سيادة الأمام- لا مكان له في أجندة الوهابية السلفية التي لا تنظر اليه "ككل نشاط أنساني فيه الحميد والخبيث " كما قلت, أذ أنّ غاية مسعاها هو عزل النساء عن الرجال فالعلاقة بين الجنسين في عرف هؤلاء مثل العلاقة بين النبّوة والشعر : خطاّن متوازيان لا يلتقيان أبدا.

كذلك لا ينفصل الكرم كقيمة أنسانية عن التسامح والأنفتاح , فالكريم بطبعه لا يميّز بين الناس ولا يقصر عطاءه على فئة دون أخرى منهم, أمّاالمتشّدد والمنغلق فهو بالضرورة معزول من الناس عدا من يظن أنّه يشاركه مبادئه وأفكاره ومعتقداته, ولذلك فأنّ من غير المستغرب أن يتميّز زعماء السودان القبليون والوطنيون والدينيون بالعطاء غير المحدود لكل ضعيف ومحتاج, بيوتهم مفتوحة, وقلوبهم كذلك, ومضايفهم ليس لها أبواب تغلق, لا يسألون صاحب الحاجة عن دينه أو جنسه أو جهته, شأنهم شأن الشريف أبراهيم بن الشريف يوسف الهندي الذي قال فيه الصادق ود امنة :
خليفة يوسف أبّشرا بزيل الهم
ناصع كالبدر ود أبعطايا خم
ضبّاح الجزر وكتين الضيوف تتلم
في الليل والنهار سكينه ترعف دم

قد ذكرت – يا سيادة الأمام- وبصدق أنّ السودانيين يبغضون الأستعلاء بدرجة كبيرة, والأستعلاء بعكس التواضع يرتبط بالغلو والذي هو بدوره نتاج الفكر الذي يزّين لصاحبه أمتلاك الحق المطلق والحقيقة الكاملة, فأصحاب النهج الوّهابي قد نصبّوا من أنفسهم الممثلين الوحيدين والشرعيين للفهم الصحيح للقران والسنة , ولذلك فهم لا يتواضعون علي الأطلاق أمام الأفكار و الاراء المخالفة و تجدهم على الدوام يصفون الاخر المختلف "بالجهل".  
        
لم يقتصر أثر الهجمة الصحراوية على أمور الدين المحض, بل أمتد للعديد من مفردات الثقافة السودانية مثل الملابس واللغة والأسماء والمباني. فقد أنتشرت العباءة السوداء كلباس للنساء وكادت أن تحل محل الثوب السوداني الذي يجسد الخصوصية السودانية, وهذه العباءة – مثل المكياج الغربي – لا تناسب لوننا ولا ذوقنا ولا مناخنا الحار فلونها جاذب لأشعة الشمس, وقد أضافت اليها العبقرية الوّهابية جوارب لليدين والقدمين لونهما في الغالب أسود, ثم أكتملت الحلقة بغطاء كامل للوجه أسود اللون كذلك . غطاء الوجه هذا خصوصية للمجتمعات الصحراوية لحماية الوجه من ذرات الرمال وهو ليس فريضة دينية, وهو في تلك المجتمعات لا يقتصر على النساء أذ أنّ الرجال كذلك يغطون وجوههم لذات السبب ( مثل لباس قبيلة الطوارق في صحراء ليبيا وموريتانيا ومالي). خصوصية المجتمع السوداني المتماشية مع طبيعة مناخه جعلت نساء المسلمين فيه يختارون –على خلاف الكثير من الدول- لبس الثوب الأبيض اللون بدلا عن الأسود للحداد على الموتى .

وكذلك لم يبلغ الأثر الوهابي الزى النسائي فحسب, بل أمتد للعمامة التي تشكل مع الجلباب الأبيض الزى الوطني الذي يميز اللباس السوداني عن لباس بقية الأمم, حيث أستبدلت العمامة في أغلب الأحيان بكوفية سوداء أو حمراء اللون, وفي أفضل الأحوال يرتدون عمامة "متناهية الصغر" أو ما يمكن تسميتها "بالميكرو-عمامة" بدون طاقية وأشبه بالمنديل لا تكاد تميّزها عن عمامة الأفغاني أو اليمني.

قد أشرت- يا سيادة الأمام- الي أثر الأستلاب الثقافي على أسماء المحلات التجارية ( كوافير ديانا – مطعم هافانا – سوبرماركت باريس), وهذا صحيح ولكن حتى تكتمل الصورة علينا أن نذكر كذلك أثر الهجمة القادمة من شرق البحر الأحمر على أسماء مدننا وشوارعنا ومدارسنا وملابسنا, فهذه هي مدينة "الرياض" وتلك هى جارتها  " الطائف" وذاك شارع " الستين", وتلك مدارس "القبس" ولا ننسى رياض أطفال "المملكة" وكذلك ثوب "همس الخليج", وليس ذلك فحسب بل أنّ الأمر قد وصل الي حد المفردات والتعبيرات اللغوية, فأصبحنا – على سبيل المثال - نقول " دق" لي تليفون بدلا عن "أتصل" بي , و "الحين" عوضا عن "الان" وغيرها. ثم بلغ بنا الأمر مبلغا أن كتب على لافتة كبيرة مضيئة في مدخل مدينة كبيرة تهنئة بحلول شهر رمضان المّعظم تقول " عساكم من عوّاده". وأشهد الله أنني أستمعت الي أذاعة لمباراة كرة قدم لفريق الهلال ضد فريق ديجوليبا المالي وكنت حتى نهاية المباراة أعتقد أنّ المذيع خليجي فقط لأكتشف بعد المباراة أنّه سوداني ابا عن جد, فتأمل !!.
 
) ومن المعلوم أنّArches أمّا طراز المباني- خصوصا الحكومية- فقد سيطرعليه معمار الأقواس (   
هذا الضرب من البناء لا يعكس بالضرورة المعمار الأسلامي بل هو معمار خليجي بأمتياز, فالمعمار الأسلامي مختلف ومتنوع باختلاف البلاد الأسلامية , فمعمار مصر الفاطمية على سبيل المثال مختلف عن معمار أسطمبول ومعمار دمشق لا يتطابق مع معمار فأس وهلمجرا.

هذه مفاكرة قصدت منها التنبيه للتحولات الكبيرة التي تمور في المجتمع السوداني ورأيت فيها خطرا ماثلا على بعض من قيمنا التي أسماها السيّد الأمام الصادق المهدي "الانسانيات السودانية", وهى ليست دعوة للعداء والرفض لكل ما يرد ألينا من الخارج, وهي كذلك ليست تحريضا على بلاد تجاورنا وتربطنا بها علاقات وثيقة, ولكنها أشارة للحذر من فكر محدد ونهج معين في فهم الدين  يمكن أن يؤدي الي ضرب القيم التي ساهمت في توحيد وجدان أهل السودان وأعطتهم تمّيزهم في مجتمع الدول, والتي تأتي في مقدمتها قيمة التسامح التي يحتاجها بلدنا الان أكثر من أي وقت مضى.