عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


سأل الأديب الراحل الطيب صالح الدكتور حسن الترابي في سنوات الأنقاذ الأولى السؤال التالي: من الذي فوّضكم على أن تحملوا أهل السودان على ما يكرهون ؟ فأجابه الدكتور الترابي بالاية الكريمة : (ونريد أن نمّن على الذين أستضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين )

أجابة الدكتور الترابي هذه تنقل مجال التفويض من الأرض (البشر) الي السماء (الله), ومعها تتحوّل الدولة من دولة واقعية الي دولة رسالية ذات أهداف كونية. وعي الدولة الرسالية في جوهره وعي  ايديولوجي كاذب لكونه يتفتق عن وهم, وهم يغيّب العقل وما هو ممكن لصالح العاطفة و ما هو مرغوب فيه, وتكمن خطورة هذا الوهم في عدم أكتراثه بالتفكير الأستراتيجي وفي رفعه سقف الطموحات لدى القائمين على أمر الدولة الرسالية وبما لا يتناسب مع الأمكانات المتاحة والظروف الأقليمية والدولية المحيطة بتلك الدولة.

أحد الأمثلة الظاهرة لغياب النظرة الأستراتيجية للدولة الرسالية في سودان القرن التاسع عشر هو مثال الحرب التي خاضها الخليفة عبد الله التعايشي ضد الحبشة رغما عن النداءات التي أطلقها مليكها (يوحنا) لتوحيد الجهود والموارد السودانية والحبشية وتوجيهها لمقاومة المستعمرين سواء الأتراك أو الأوربيين الذين يشكلون الخطر المشترك على البلدين. قال الملك يوحنا للقائد المهدوي حمدان أبوعنجة أنّ لا جدوى من الحرب وأنّ المساكين هم الذين سيدفعون الثمن, وقد ذهبت دعوته أدراج الرياح ولم تجد أذنا صاغية لدى خليفة المهدي.

الجهل بالظروف الأقليمية المحيطة بالدولة وعدم التقدير لأمكاناتها ومواردها كانت هي الملامح الرئيسية التي وسمت الحملة الأنتحارية التي سيرّها خليفة المهدي لغزو مصر. كانت موجة الحضارة الحديثة بأفكارها وبأنتاجها المادي قد غشيت المحروسة قبل حوالى القرن من تجريدة خليفة المهدي (غزو نابليون لمصر في 1798), ثم أحدث فيها محمد علي باشا وأبناءه نقلة حضارية كبري من خلال مشروعه الأمبراطوري الطموح. وفي مقابل هذا التفوّق الحضاري كان كل الزاد والبضاعة الفكرية التي تملكها الدولة المهدية و جيش الخليفة الغازي تتمثل في (راتب) الأمام المهدي, لهذا كانت الهزيمة نتيجة محتمّة ومقدمة منطقية في طريق أعادة فتح السودان وهزيمة الدولة المهدية.

دولة الأنقاذ الرسالية التي وصلت للحكم عبر الأنقلاب العسكري في يونيو 1989 كان مخزونها من الوعي الكاذب ومن الوهم جد كبير. قال شيوخها وقادتها أنّ الله قد أختار أهل السودان لقيادة مشروع وراثة الأرض وانبثاق نور الأسلام على العالم من جديد. جيّشوا الجيوش وأخذوا يدعون (أخوة الدين) من كل أرجاء المعمورة للحضور لبلد (المستضعفين) ومركز الأشعاع الذي سيضىء ظلمات الأرض, ويزّينها بالعدل بعد أن طفح منها الجور.

لم يعصم الأنقاذ من الخوض في وحول الوهم كون قادتها وشيوخها وكادرها من صفوة المتعلمين وأصحاب الدرجات الأكاديمية العليا (هذا قبل أن تتحوّل هذه الدرجات الي مهزلة مثيرة للشفقة في الاونة الأخيرة), فالعلة كانت أساسا في الأفكار التي تحكمها اليقينية المطلقة وتتحكم فيها الأقصائية والوصاية, وفي المنهج الذي يغلب عليه التاكتيكي والمرحلي ويغيب عنه الأستراتيجي والبعيد المدى.

 طفق منظرو الأنقاذ يتحدثون عن ضرورة تغيير موازين القوي في المنطقة عبر دعم المسلمين المضطهدين في أثيوبيا و أريتيريا و أختراق دول الجوار الأفريقي و تغيير النظام المصري الذي يحارب الثوريين الأسلاميين, ومن ثم فتحت أراضي السودان لكل مطاريد العالم, مما أدخل البلاد في حالة من العداء مع محيطها الأقليمي العربي والأفريقي وكذلك المجتمع الدولي.

قال الأديب الطيب صالح أنّ اهل الأنقاذ توّهموا أنّ ارادة الله قد أختارتهم ليكتبوا السطر الأخير في سفر التاريخ, وهم يحلمون بأقامة خلافة اسلامية سودانية يبايعها أهل الشام ومصر والمغرب واليمن والعراق وبلاد الجزيرة العربية, ولكن الأديب الراحل تنبأ بعين الحكيم الفاحصة أنّ هذه الخلافة لن تكون الاّ "جثة السودان المسكين", والسبب في ذلك هو خطأ المسلك والوجهة والأختيار, ومحاولة تغيير عجلة التاريخ دون وعي بسنن التغيير وأمكانات الواقع على النهوض بالمهمّة التي يراد له أن يحملها.

الوهم اليقيني والجهل بالمعطيات الأقليمية والدولية قادا أهل الأنقاذ للخطأ الأستراتيجي الأكبر المتمثل في معارضة القوات المتحالفة في حرب الخليج ومعركة أجلاء الجيش العراقي من الكويت. حزمّوا أمرهم مساندين لصدّام حسين في معركته الخاسرة ومراهنين على أنّ (الحركات الأسلامية) ستكون الوريث الشرعي لكل العروش العربية. حاولوا تسويق موقف ديني يدين الدول المشاركة في تحريرالكويت ويصّور الحرب وكأنها حرب بين معسكري الكفر والأيمان في حين أنّها كانت جريمة كاملة الأركان أرتكبتها قيادة حمقاء وجيش أهوج ضد شعب مسلم امن ومسالم في أرضه. وكان الحصاد المر لذلك الموقف البائس هو أزدياد العزلة الاقليمية والحصار الدولي الذي مازال السودان يعاني من اثاره حتى اليوم.

كان الوهم الرسّالي قد زيّن لأهل الأنقاذ أعلان الحرب على أكبر دولة في العالم – أميركا. خرجت المسيرات تبّشر بدنوعذابها, وتمت التعبئة الجماهيرية بشعارات مندّدة بسياساتها , وحدث تجميع لكافة المعارضين لتوجهاتها فيما عرف بالمؤتمر الشعبي العربي الأسلامي الذي ترأسه عرّاب النظام الدكتور الترابي وأراد له أن يكون سلطة بديلة للحكومات العربية, حتى أنطلق صاروخ موجّه بالليزر من بارجة حربية في خليج عدن ( لم تعلم الحكومة أن كان صاروخا أم طائرة أم جنا أحمرا) ليحطم مصنع الشفاء ويحرّر الحكومة من وهمها الرسالي, وجاءت الأستفاقة الأنقاذية بأكثر مما توقعت أميركا خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر, تعاونا أستخباراتيا وثيقا, وحوارا سياسيا مستمرا,  ومحاولات متصّلة للتقارب :

كالمرتجي ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل أضمحلت.

أنعكس أثر الفكرة الرسالية بتطلعها للتمدّد الخارجي الذي لا يستند على أساس مادي في الواقع, وبأستعداء المحيطين الأقليمي والدولي سلبا على التركيز الداخلي في أمر التنمية, وهذا ما يفسّر فشل شعار " الأعتماد على الذات" الذي رفعته الأنقاذ في أوّل عهدها, وتستدعي الذاكرة في هذا المقام مشروع ترعتي "كنانة و الرهد" الذي عملت الأنقاذ على أنجازه "بالطورية" و"الفأس" ثم لم يسمع له ذكر حتى يوم العالمين هذا. تبع ذلك غياب التخطيط الأستراتيجي وهو لازمة لا بد منها لأنزال ذلك الشعار لأرض الواقع, وكانت المحصلة النهائية هى تدهور الزراعة وغياب الصناعة, ليتحوّل شعار "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" الي "نأكل ونلبس مما تزرع وتصنع الصين" !!( يستهلك السودان سنويا 2.2 مليون طن من القمح تم أستيراد 84 % منها من الخارج في العام 2009).

الوعي الرسالي الكاذب حوّل الحرب الأهلية في جنوب السودان من حرب ذات جذور وأسباب سياسية الي حرب عقائدية , وجعل من أرض الجنوب ساحة للجهاد والأستشهاد, وطريقا للمرور السريع الي جنان الخلد حيث الحور العين والفاكهة والعسل, و بعد عقدين من الزمن سيستعد السودان لدفع فاتورة ذلك التوجّه الواهم, ثمنا باهظا  يقارب نصف الشعب والتراب والأرض, وحين تصبح البلاد على حد سيف الإنفصال سيقف بعض قصار القامة السياسية من الذين أمتحن الله بهم بلادا عظيمة وأمة عملاقة يذرفون دموعا لا تعني شيئا وقد أعملوا معول الهدم لا البناء منذ أن تسنموا سلطة البلاد وأمر العباد. وقد كتب الدكتور محمد عثمان الجعلي في وصف دموع الحسرة بعد فوات الأوان:
    
( قبل أكثر من خمسمائة عام أستدعى فرديناند وإيزابيلا آخر ملوك الطوائف أبو عبد الله محمد الثاني عشر لتسليم غرناطة التي تم حصارها حتى أستسلمت ,حين وقف الملك المهزوم والمأزوم على هضبة "زفرة العربي الأخيرة" وهو يولى بلاد أجداده ظهره في رحلة الخروج الكبير للعدوة الأخرى ذرف دمعات...أنتهرته والدته عائشة الحرة بكلمتها التي حفظها التاريخ بعد أن ضّيع أبناؤها الأندلس:"أبك كالنساء ملكاَ مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال"). أنتهى.

أفاقت الأنقاذ من وهمها الرسالي بخلاف عميق وأنقسام أطاح بالسلطة الخفيّة والظاهرة لعرّابها الدكتور حسن الترابي, ومن ثم بدأت في التغيير التدريجي لتوجهاتها الأولى. وقعّت مع الحركة الشعبية أتفاق نيفاشا وحقنت نزيف الدم, وعلى الرغم من نجاحها في وقف الحرب الاّ أنّ طبيعة   الأتفاق ( كونه أقتصر على طرفين فقط دون بقية القوى السياسية السودانية) وطريقة تطبيقه لم تكن في الأتجاه الصحيح الذي يعزّز الوحدة ويفتح الباب أمام الحريات السياسية والتداول السلمي للسلطة. وعليه يظل النفور من الديموقراطية والفكر الوصائي والممارسة الأقصائية هى أس العلل التي تعاني منها الأنقاذ في نسختها المعدّلة (حزب المؤتمر الوطني), وهي الافة التي تمنى الراحل الطيب صالح أن تتخلص منها الأنقاذ أن هى أرادت الأصلاح الحقيقي  ولكن الأديب العالمي لم يكن متفائلا بالاستجابة لداعي الإصلاح، مع يقينيات الحركة الإسلامية، ولهذا جزم (وما أظنهم يفعلون).

النموذج الأسلامي النقيض لنموذج الدولة الرسالية هو الأسلام الحضاري, ومثاله الأوضح هو التجربة الماليزية التي قادها الدكتور مهاتير محمّد. نموذج الاسلام الحضاري متحرّر من وهم وراثة الأرض وأقامة الخلافة الأسلامية , وعلى النقيض من الدولة الرسالية فأنّه يهتم بالواقع ويرّكز على الأستراتيجي والممكن, ولا يبدّد الجهود في الخيالي والمرغوب فيه, وهو نموذج منفتح على العالم ويقدّر موازين القوى الدولية حق تقديرها, والأهم من ذلك هو أنّه يستوعب المعطيات الثقافية والأجتماعية والسياسية الداخلية التي تحكم توجهه و تتحكم في مساره.

تجربة الدكتور مهاتير في الحكم (1981 – 2003) غلب عليها الأهتمام بجوهر الدين وتفعيل منظومة القيم التي حض عليها الإسلام , ولم تعمل على رفع لافتات إسلامية دون وجود مضمون حقيقي لتلك القيم. وقد أنبنت تلك التجربة على العديد من الركائز التي كان في مقدمتها توحيد فئات الشعب المختلفة وتعزيز قدرة المجتمع على تجنب الصراعات العرقية والدينية, فسكان ماليزيا الأصليون هم من المسلمين الملايا ويمثلون 58% من السكان, والصينيون وأغلبهم بوذيون ويمثلون 24% من السكان, أضافة للهنود الذين يدينون بالهندوسية ويمثلون 7% من مجموع السكان. وكانت  هذه المجموعات قد دخلت في صراعات عرقية عنيفة في العام 1969.

أدرك الدكتور مهاتير محمد خصوصية المجتمع الماليزي وتنوّعه الديني والعرقي, لذلك لم يجنح للشعارات الجوفاء من شاكلة " شريعة سريعة أو نموت الاسلام قبل القوت", ولم يزايد على أبناء شعبه بضرورة تطبيق القوانين الأسلامية لأنّ هدفه الأساسي كان يتمثل في الحفاظ على الوحدة الوطنية بين مختلف الأعراق والأديان, ولم يستخدم مبدأ الأغلبية لفرض الشريعة على كافة فئات المجتمع الماليزي, لأنّ ذلك من شأنه تأجيج الصراعات التي سيكون الخاسر الأكبر فيها هو الوطن ولذلك عمد الدكتور مهاتير الي توحيد جميع الأطراف الوطنية كي تسير البلاد كلّها نحو هدف واحد والعمل وفق منظومة تتكاتف فيها جميع الفئات من أجل انجاز التنمية المنشودة.

كان مهاتير محمّد واعيا للظروف الأقليمية و الأتجاهات العالمية, لذلك ادرك أنّ أية تخطيط أستراتيجي يهدف لتنمية بلاده لا يمكن أن ينجح الا في ظل علاقات دولية مستقرّة ومتطوّرة خصوصا مع الغرب. ولم يجد في ذلك ما يناقض أتجاهاته الدينية, ولذلك قال قولته الشهيرة :
"حين أصلي أدير وجهي للكعبة، وحين أتعامل أقتصاديا أدير وجهي ناحية بورصة نيويورك". وقد أرتكز فكره التنموى على رؤية ثاقبة للأوضاع العالمية ومكانة المسلمين فيها حيث أنّه يرى" إنّ الأمة الإسلامية مازالت تعيش في سبات عميق وينبغي أن نعترف لأنفسنا قبل غيرنا بأن المجتمعات الأخرى قد سبقتنا ببضعة قرون، ومن ثم فإنّ المسلمين مطالبون أكثر من أي وقت مضى أن يدركوا حقيقة الوضع الذي هم فيه في ضوء ما استحدثته المجتمعات البشرية المتطورة من أفكار تجديدية، وتقنيات حديثة ما زالت الأمة غير مهيأة لأستيعابها وعاجزة تماما عن التعامل معها".

وجود علاقات مستقرّة ومتطوّرة مع الغرب لا يعني بالضرورة التبعية والأنقياد له وللمؤسسات المالية الدولية, فعلى الرغم من الأنفتاح الكبير لماليزيا على الخارج والأندماج في اقتصاديات العولمة، الاّ أنها أحتفظت بهامش كبير من الوطنية الاقتصادية.  كما كانت تجربتها متميزة في مواجهة أزمة جنوب شرق آسيا الشهيرة التي شهدها العام 1997م، حيث لم تعبأ بتحذيرات الصندوق والبنك الدوليين وأخذت تعالج أزمتها من خلال أجندة وطنية فرضت من خلالها قيوداً صارمة على سياستها النقدية، معطية البنك المركزي صلاحيات واسعة لتنفيذ ما يراه لصالح مواجهة هروب النقد الأجنبي إلى الخارج، واستجلب حصيلة الصادرات بالنقد الأجنبي إلى الداخل وأصبحت عصا التهميش التي يرفعها الصندوق والبنك الدوليين في وجه من يريد أن يخرج عن الدوائر المرسومة بلا فاعلية في مواجهة ماليزيا التي خرجت من كبوتها المالية أكثر قوة خلال عامين فقط، لتواصل مسيرة التنمية بشروطها الوطنية.

ومن الناحية الثقافية كانت دعوة الدكتور مهاتير للحوار مع الاخر من منطلق انساني يسعى للأفادة والأستفادة وليس لفرض قناعاتنا وتوجهاتنا على الاخرين , لأنّ "الحوار الذي يقتصر على إظهار عظمة الإسلام لن يساعد المسلمين بشكل كبير ولا بد من فهم عميق للإسلام لأن هناك تفسيرات لا حصر لها حول الإسلام تشمل التسامح مع الأديان الأخرى التي لا تتفق مع الدين الإسلامي ولا يجوز لنا أن نقول بأننا على علم بكل شيء ونستطيع أن نتغلب على كل المشاكل".   

لم يركن الدكتور مهاتير للشعارات المبهمة والغامضة من شاكلة " الأسلام هو الحل", ولذلك كان واقعيا في رؤيته التنموية, وأنطلق من فكر واضح مفاده أنّ النظام الأسلامي لا يوجد به نموذج للتنمية ولكن توجد بالاسلام مجموعة من القيم و الأخلاق يستفاد منها في ترشيد النظام الرأسمالي مثل حث المسلمين على العمل والإتقان والمساواة والعدل والتكافل الاجتماعي.

وضوح الرؤية والهدف هو الفارق الفكري الحاسم الذي يؤدي الي فشل أو نجاح المشروع السياسي, وفي حالتنا هذه تميّز طرح الدكتور مهاتير محمّد عن مشروع الدولة الرسالية الذي وسمه الغموض وغياب الاستراتيجية بأنّ التنمية كانت هى هدفه الأساسي, وفي أجابته عن سؤال لماذا تنجح تجربة سياسية في بلد ما بينما تخفق في بلد اخر, أجاب بالقول : " أذا كنت تريد ان تعرف لماذا ينجح حاكم ويفشل اخر فنصيحتي انّه يجب أن يكون واضحا جيّدا في رأس أى حاكم وخصوصا في العالم الثالث الأسلامي ما الذى يريده من البقاء فى السلطة، هذا الشيء قد يبدو سهلا فى الظاهر ولكنه صعب التطبيق لأنه دون أن يسأل الحاكم لماذا أنا هنا ؟ بصفة دائمة فإنّ سوء الحكم وسوء الإدارة وحب البقاء فى السلطة هو النتيجة التلقائية، علاوة على ذلك كلما كان حاكم العالم الثالث شخصا يتمتع بخيال إصلاحى كان ذلك شيئا مهما لأنّ دول العالم الثالث فى تقدمها تحتاج فى البداية إلى حاكم مصلح صاحب فلسفة فى التنمية والتطور."
المناخ السياسي لتجربة الأسلام الحضاري التي قادها الدكتور مهاتير محمد تميز بتهيئة الظروف الملائمة للإسراع بالتنمية الاقتصادية, وذلك أن ماليزيا لم تتعرض لاستيلاء العسكريين على السلطة وأنّ القرارات فيها دائماً تتخذ من خلال المفاوضات المستمرة بين الأحزاب السياسية ما جعل سياسة ماليزيا توصف بأنها ديموقراطية في جميع الأحوال. وعندما سأل أحد الصحفيين الدكتور مهاتير لماذا تنحيت عن السلطة وأنت في قمة العطاء أجابه قائلا : " وجدت أنني مكثت فترة طويلة في الحكم وأن الناس أرادوا أن أتنحى، وربما ظنوا أنني أتقدم في السن وكان عليّ أن أفسح المجال أمام قيادة جديدة، كما ترددت في ذهني عبارة كانت تقولها لي أمي، عبارة تطلب عدم إطالة مدة الزيارة حتى وإن كنت محل ترحيب، لأنّ الناس سيستاؤون منك لو أطلت".
وأخيرا ترك الدكتور مهاتير محمد  السلطة في العام 2003 بعد أن رفع صادرات بلاده من 5 مليارات دولار إلى أكثر من 520 مليار دولار سنوياً، وحولها من دولة زراعية إلى دولة متقدمة يمثل ناتج قطاعي الصناعة والخدمات فيها 90 % من ناتجها الإجمالي وعلى مستوى الرفاهية فقد تضاعف دخل الفرد السنوي في ماليزيا سبع مرات، ليصبح 8862 دولاراً في عام 2002، وانخفضت البطالة إلى 3 %، والواقعون تحت خط الفقر أصبحوا 5 % من السكان، بعد أن كانت نسبتهم 52 %.
ولا حول ولا قوة الا بالله.