عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

خرجت علينا الإسبوع الماضي جهة تسمي نفسها " جبهة الدستور الإسلامي", بمشروع أطلقت عليه " مشروع دستور دولة السودان". قالت أنه مجهود مبارك بإذن الله وثمرة يانعة طيبة دانية للشاكرين من أهل الابصار والبصائر واهل التقى والورع من اهل السودان عكفت على اعدادها مجموعة من حملة الهم ومن أهل العلم . طوال اشهر ثمانية او تزيد تبوِّب ابوابها وتضع فصولها وتحكم صياغتها وتجود اعدادها.
ولم تبيِّن الجبهة إن كان من بين "أهل العلم"  الذين ساهموا في كتابة هذا الدستور فقهاء في " القانون الدستوري" أم لا, لأنَّ المشروع الذي بين يدى يخالف أحوال الزمان الذي نعيشهُ ,وروح المفاهيم الحديثة, والأبجديات التي تقوم عليها الدساتير المعاصرة. ولأنَّ كتابة الدستور تحتاج لخبراء متخصصين وليس "لأهل العلم" من حفظة نصوص كتب القرون الوسطى و فقه السلف الذي لا يعرف حتى معنى كلمة "دستور".
ويحتوي المشروع على العديد من المصطلحات والمفاهيم التي لا تمت للعصر الذي نعيشه بصلة,فضلاً عن الغموض والإلتباس الذي يعتري الكثير منها. ومن ذلك ما قال به حول "دار الإسلام", و "الأمة الإسلامية", و" الحاكمية", و "الولاء والبراء". كما أنه ناقض الكثير من المفاهيم المرتبطة بالدولة الوطنية الحديثة وعلى رأسها مفهوم المواطنة , ودين الدولة, وغيرها.
يقول مشروع الدستور في " الدولة والمبادىء الموجهة" عن طبيعة الدولة وهويتها : " السودان دولة إسلامية موحدة ذات سيادة على جميع الأقاليم الواقعة تحت حدودها, وتجري عليها أحكام دار الإسلام".
من المعلوم أن مصطلح " دار الإسلام", ومقابله " دار الحرب" مصطلحان أفرزهما الفقه الإسلامي قبل عدة قرون في ظرف تاريخي كان يستدعي هذا التقسيم, ولا وجود له في عالم اليوم وفي ظل العلاقات الدولية المتشابكة وارتباط الشعوب ببعضها البعض وتبادل المنافع وانتقال المسلمين إلى بلاد الغرب ودخول كثير من الغربيين في الإسلام حتى أصبحت بلاد الغرب زاخرة بملايين المسلمين. ولا يخفى على القارىء أنَّ أكثر خطاب التنظيمات العنيفة وعلى رأسها تنظيم القاعدة يبني أفعاله على الفقه المتولد من هذا المصطلح.
ويقول مشروع الدستور عن " دين الدولة" : "  الإسلام دين الدولة عقيدة وشريعة ومنهاج حياة".
وكنا قد قلنا وكررنا في العديد من المناسبات أنَّه لا يمكن أن يكون للدولة دين فهى كيان "إعتباري" , وهى مؤسسة سياسية بالأساس ولا تمتلك ان تعتقد في اى دين اوتمارس شعائرهُ, ولن يبعثها الله يوم القيامة ليحاسبها على أعمالها, وكل ما ينسب للدولة من مواقف وافعال – كما يقول عبد الله النعيم - هو على سبيل المجاز لا الحقيقة لان من يقرر ويفعل ويترك هم البشر القائمون على شئون الدولة. و قدأثبتت التجربة أنَّ موضوع " دين الدولة"  يتخذ في نهاية المطاف ذريعة  "لأسلمة" المؤسسات حسبما تراها فئة من الناس وفرض الرؤي الدينية الخاصة بها وتقديمها على القوانين.
ويقول مشروع الدستور عن " إنتماء الدولة" : " دولة السودان جزء من الأمة الإسلامية وتتمتع بعضوية الكيانات الإقليمية والدولية.
وهنا أيضاً يستدعي المشروع مفهوماً مثيراً للجدل وهو مفهوم " الأمة الإسلامية" الذي يتعارض في كثير من جوانبه مع مفهوم الدولة الحديثة. فهو مفهوم "عقدي – سياسي" يثيرالعديد من الإشكالات المرتبطة بالدعوة الأممية, و بالمواطنة, ويتضمن أيضاً عدم الاعتراف بحدود ثابتة، فحدود الدولة متحركة، تمتد مع امتداد أو تمدد المسلمين في أرجاء المعمورة،و هذا أحد الإشكالات التي تتفرع عن مفهوم الأمة وتضاد مفهوم الدولة الحديثة.
ويقول المشروع في الحاكمية والسيادة : " الحاكمية لله الكبير المتعال, والسيادة للشرع الحنيف, والسلطان للأمة.
إنَّ مفهوم "حاكمية الله" يعتبر من أخطر المفاهيم وأكثرها إلتباساً وتمويهاً وغموضاً . هو خطير لأنه بتعميمه الشديد، ومعياريته المطلقة، يفتح الباب لاستخدام اسم الله وسلطانه بشكل تعسفي واعتباطي. وهو مفهوم لم يرد في القرآن ولا سند له في السنة. وكان أول ما ظهر في الفقه السياسي الإسلامي في خلاف الإمام على مع الخوارج في قضية التحكيم عنما قالوا : "لا حكم الا لله", وأدرك الأمام على خطورة هذه المقولة عندما رد عليهم بالقول : " كلمة حق يراد بها باطل". و ذاع المفهوم حديثاً على يد الداعية الهندي أبو الأعلى المودودي, ثم إلتقطه سيد قطب وبنى عليه نظريتهُ حول جاهلية المجتمعات الإسلامية, والتي تطورت عنها أفكار التكفير والعنف والقتل وإراقة الدماء التي تبنتها الحركات الجهادية, والتقطها أخيراً  تنظيم القاعدة.
أما فيما يختص بمبادىء السياسة الخارجية فإنَّ المشروع يقول : " تضبط عقيدة الولاء والبراء الدولة في علاقاتها الخارجية ".
الولاء – بحسب فهم كتبة مشروع الدستور - يعني حب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم, والبراء هو بغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين, من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق, وأصحاب المذاهب الهدامة ( و العلمانيين عند البعض).
من الواضح أنَّ كتبة المشروع نقلوا المصطلح من حيز التعامل بين "البشر" إلى حيز التعامل في العلاقات الدولية وهذه كارثة حقيقية لأنَّ ما يترتب على هذا الفهم سيجعل الدولة تعيش في عزلة مؤكدة خصوصاً وأنَّ مجتمع الدول يتكون من دول أغلبها من "المشركين" و " الكفار", وهؤلاء تترتب عليهم الكثير من أحكام البراء ومنها عدم الإقامة في بلادهم, وعدم السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس, وعدم إتخاذهم – أى الكفار والمشركين - بطانة ومستشارين,وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي. 
إنَّ الدولة الواقعة شرق الأخدود الأفريقي التي إنجبت هذا الفكر, والتي تدعم دعاته في السودان, والتي إهتدى من كتب مشروع هذا الدستور بدستورها, هى أكثر الدول " موالاة" للدول الكافرة والمشركة. وهى أكثر الدول التي يوجد بها "مستشارين" كفار ومشركين, يُسيِّرون دفتها ويوجهون سياستها الخارجية, وهى أكثر الدول التي يسافر حكامها لبلاد الكفر بغرض النزهة ومتعة النفس, فأين إذاً مترتبات عقيدة الولاء والبراء ؟
أمَّا فيما يتصِّل بالحقوق والواجبات في الدولة فإنَّ مشروع الدستور يقول بوضوح لا لبس فيه : " ترعى الدولة الحقوق والواجبات وتضبط بأحكام الشريعة الإسلامية اتي تعتمد مبدأ العدالة لا مطلق المساواة ".
وهذا نصٌ صريح على انَّ المواطنين غير متساويين في الحقوق والواجبات, وانَّ " المواطنة" ليست هى الأساس الذي تنبني عليه تلك الحقوق والواجبات,وإنما "الإسلام" هو شرط المواطنة الكاملة. وهذ النص فضلاً عن مخالفته لكل مواثيق وعهود حقوق الإنسان الدولية, والدساتير الحديثة, فإنه يخالف العديد من الإجتهادات الإسلامية المعاصرة التي قال بها مفكرون إسلاميون مثل الإمام الصادق المهدي والدكتور محمد سليم العوَّا وفهمي هويدي وراشد الغنوشي, والتي أقرتها جماعات إسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين وحركة النهضة الإسلامية,والتي تحكم دساتير دول إسلامية مثل ماليزيا وإندونيسيا.
هذا النص يتجاهل حقيقة موجودة على الأرض وهى أنَّ سكان السودان – حتى بعد إنفصال الجنوب – ليسوا جميعاً مسلمين, فهناك مسيحيين أقباط,و هناك مسيحيين ولا دينيين في جبال النوبة, والنيل الأزرق. ولا تكفي الحجة التي يسوقها أصحاب مشروع الدستور عن أن هؤلاء أقلية, لأنَّ موضوع الأكثرية والأقلية لا ينطبق على فكرة " الحقوق" في الدولة الحديثة, و التي تقتضي المساواة بين جميع المواطنين مهما كان عددهم. إنَّ فكرة المواطنة المنقوصة يترتب عليها نقصاً في الحقوق وهو ما أورده مشروع الدستور في شروط أهلية الترشح لرئاسة الجمهورية و الولاية العامة.
ويقول مشروع الدستور عن أهلية الرئيس : " يكون أهلاً لرئاسة الدولة كل سوداني توفرت فيه الشروط  الآتية : العدالة الجامعة والضابطة لأحكامها وهي أن يكون : مسلماً , ذكراً, عاقلاً, بالغاً من العمر أربعين سنة, مستقيماً في دينه وسلوكه".
يُعبِّر هذا النص عن اغتراب كبير و عميق تجاه مفهوم الدولة القومية الحديثة، رغم أنه مفهوم ثابت ومستقر في الفكر والخبرة الإنسانية منذ أكثر من ثلاثة قرون. وهو بجعله "الإسلام" و "الذكورة" شرطاً لاهلية الترشح لرئاسة الدولة إنما يحرم المرأة وغير المسلم من هذا الحق, و ينسف من الأساس مفهوم المواطنة الذي يعني المساواة بين جميع المواطنين بصرف النظر عن الاختلاف في اللون أو الجنس أو الدين أو العرق.
ولا يكتفي مشروع الدستور بحرمان المرأة وغير المسلم من الترشح لرئاسة الجمهورية, بل يحرمهما كذلك من الترشح لمنصب الوالي حيث ينص على انه : " يشترط فيمن يرشح لمنصب الوالي ذات شروط أهلية المرشح لرئاسة الدولة". ولا يسمح مشروع الدستور كذلك  للمرأة بتولي سلطة "القضاء" حيث ينص في بند شروط خدمة القضاة على أن : " تختار الدولة للقضاء أصلح المؤهلين له من الرجال". 
من الجلي أنَّ مشروع الدستور الذي تقدمت به جبهة الدستور الإسلامي مفارقٌ لأحوال العصر الذي نعيشهُ, و هو كذلك يناقض  الكثير من الإجتهادات الدستورية التي قال بها بعض المفكرين المسلمين المعاصرين, وأكدتها حركات إسلامية معاصرة. وهو إنما يعكس توجهات فكرية تعاني من الغربة الزمانية. ومن المؤكد أنهُ لا يفي بمتطلبات دولة الحرية والمساواة التي ينشدها أهل السودان, وإنما سيعمق من أثر الجراح التي تطاول عليها الزمن, وسيؤدي في خاتمة المطاف لبتر أطراف أخرى من الوطن.