عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


( أمريكا وحلفائها اتخذوا من الجنوب منصة انطلاق لاسقاط النظام بالخرطوم حتى لو تمَّ ذلك عن طريق شراء الجنوبيين. أن معركة هجليج استغلت فيها حركات دارفور والحركات الشعبية والجنوبيين لاحتلال المدينة ومحاولات احتلال بقية المدن وصولاً للخرطوم ). إنتهى

الإقتباسُ أعلاهُ من حديث الدكتور نافع على نافع لدى مُخاطبته العمَّال في إطار دعم المجهود الحربي فيه إتهامٌ واضحٌ لأمريكا وحلفائها بدعم إسقاط النظام الحاكم في السودان إنطلاقاً من جوبا, وأنَّ إحتلال هجليج ليس إلا حلقة ضمن هذا المخطط .

لا شكَّ أنَّ القراءة الصحيحة للمواقف السياسية للدول من قبل صانع القرار أمرٌ في غاية الأهميِّة لأنه يُسهم في إتخاذ القرارات وفق منهج سليم يستند على المعلومات, خصوصاً في إطار التعامل مع دولة كبرى ومؤثرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

يُخطىء الدكتور نافع عندما يقول أنَّ هدف أمريكا هو "إسقاط" النظام في الخرطوم, ويُخطىء كذلك عندما يتهَّم أمريكا وحلفاءها بدعم "إحتلال" هجليج كخطوة في سبيل الوصول لذلك الهدف, لأنَّ كلا الأمرين لا يُحققان المصلحة الأمريكية, ويتعارضان مع الإستراتيجية والأولويات التي وضعتها إدارة الرئيس أوباما في التعامل مع السودان.

أولويات الإستراتيجية الأمريكية المعلنة في السودان تتمثل في ثلاثة أهداف رئيسية. أولها إنهاء الصراع في دارفور بصورة كاملة, و ثانيها, تطبيق إتفاق السلام الشامل بما يؤدي للوصول إلى سودان واحد أو إلى بلدين قابلين للحياة و يعيشان في سلام, و ثالثها, ضمان أنْ لا يشكل السودان ملاذاً آمناً "للإرهابيين" الدوليين.

في إطار سعيها لتحقيق هذه الأهداف الإستراتيجية إستبعدت إدارة الرئيس أوباما خيار "تغيير النظام " وتبنت بدلاً عنه سياسة "الإرتباط" مع حكومة الخرطوم.

الشواهد على إستبعاد أمريكا لخيار تغيير النظام كثيرة, ومنها سعيها للإسراع في تنفيذ القضايا العالقة من إتفاق السلام الشامل, وذلك عبر جهودها الحثيثة في دعم الوساطة التي تقوم بها الآلية الإفريقية الرفيعة التي يرأسها الرئيس السابق لجنوب إفريقيا ثابو إمبيكي, وكذلك مساندتها الكبيرة للوساطة القطريِّة والتي أدَّت لتوقيع وثيقة الدوحة لسلام دارفور, فضلاً عن التعاون والتنسيق المُستمر مع الأجهزة الأمنيِّة السودانية في ملف الإرهاب الدولي.

كل هذه الشواهد تنفي مساندة أمريكا لإسقاط النظام, ودعمها لإحتلال هجليج الذي يصُبُّ في إتجاه تقويض هذه الأهداف الإستراتيجية سيِّما إذا إنتقل القتال بين دولتي السودان وجنوب السودان إلى مُربَّع الحرب الشاملة بما يعنيه من زعزعة الأمن و الإستقرار في المنطقة ككل ممِّا سيساعدُ على تواجد و نمو تنظيمات "الإرهاب" الدولي على غرار ما يحدث في الصومال ومالي وموريتانيا. 

في هذا الإطار أيضاً جاءت تصريحات الدبلوماسي الأمريكي رفيع المستوى " داين سميث " مساعد المبعوث الأميركي الخاص في السودان في دارفور في مارس الماضي ناصحاً المتمردين بالتخلي عن أهدافهم الرامية إلى الإطاحة بالنظام عندما قال في إطار حديثه عن تحالف الجبهة الثوريِّة (كاودا ) : " وجهنا حديثنا إلى تحالف الجماعات المتمردة، بأننا لن نؤيد الإطاحة بالحكومة بالقوة ", وقال كذلك أنهم طالبوا التحالف وخصوصاً المتمردين في دارفور " أن يعملوا مع الحكومة في إتجاه المفاوضات على أساس اتفاق السلام الذي وقع في الدوحة يوليو من العام الماضي ".

الموقف الأمريكي شديد الحساسيَّة تجاه مساندة أى توَّجه يُمكن أن يُنظر إليه بإعتباره إستهدافاً للعرب والمسلمين في السودان, لأنَّ من شأن ذلك خلق مناخ سياسي وبيئة صالحة للجماعات المتطرفة و"الإرهابية", وهو ما عبَّر عنهُ سميث بوضوح عندما قال إنَّ تحالف كاودا يتكون من جماعات غير عربيَّة في المقام الأول ولذلك فإنه " يمكن أن يستقطب العرب الذين يهيمنون على الحكومة السودانية ضد الجميع، بحُجَّة أنَّ العرب يتعرضون لهجوم وكذلك الاسلام يتعرض لهجوم".

على العكس ممَّا قالهُ الدكتور نافع, فإنَّ إحتلال دولة الجنوب لهجليج أحدث تحولاً غير مسبوق في الموقف الأمريكي تجاه الحركة الشعبية والحكومة الجنوبيِّة , فللمرة الأولى ترفض أمريكا تصرفاً جنوبياً بهذا الحسم والوضوح, بل وتعطي الضوء الأخضر للأمم المتحدة و لمجلس الأمن ( الذي تترأسه في الشهر الحالي ) لإدانة التدخل الجنوبي في أراضي السودان والمطالبة بالإنسحاب الفوري وغير المشروط لقوات الجيش الشعبي من هجليج, والتلويح بفرض عقوبات على دولتي السودان.

المتابع للإحاطة الصحفية اليومية للخارجيِّة الأمريكية لاحظ بوضوح الحضور الطاغي لأحداث هجليج طوال أيام الإسبوع الذي تلى دخول القوات الجنوبية لهجليج, وهو أمر لا يحدث عادة إلا مع القضايا المُهمَّة و ذات الأولوية في الشأن الخارجي الأمريكي.

في الإحاطة اليومية التي قدمتها المتحدثة بإسم الخارجية الأمريكية "فيكتوريا نولاند" في 11.4.2012 قالت بخصوص دخول جيش الجنوب لمنطقة هجليج : ( لقد أصدرنا بياناً يدين بشدِّة الهجوم العسكري و دخول قوات الجيش الشعبي في ولاية جنوب كردفان بالسودان ). وعندما سألها احد الصحفيين قائلاً : إدانتكم الشديدة للجيش الشعبي هذه المرَّة غير مُعتادة ؟ أجابته بالقول : نعم.

وفي ذات الإحاطة ليوم 16.4.2012 ردَّ "مارك تونر" الناطق بإسم الخارجية الأمريكية بالإنابة على سؤال بخصوص أزمة هجليج قائلاً : ( كما قلنا نهاية الأسبوع الماضي, نحن ندين بشِّدة الهجوم والتدخل العسكري للجيش الشعبي وإحتلاله لمنطقة هجليج داخل السودان, ونود رؤية إنسحاب جنوب السودان فوراً وبدون شروط من هجليج ). 

وفي نفس الإحاطة ليوم 17.4.2012 سأل أحد الصحفيين السيد مارك تونر : هل موقفكم ما يزال متمثلاً في ضرورة إنسحاب الجيش الشعبي من هجليج ؟ وكانت إجابته هى : نعم. وأردف الصحفي قائلاً : هل تطرَّق السفير ليمان لذلك مع الرئيس سلفاكير ؟ وأجاب تونر : أنا متأكد من انهُ تطرَّق لذلك.

و تكرَّر نفس الشىء في الإحاطة ليوم  18.4.2012  عندما عاد مارك تونر ليؤكد موقف أمريكا بالقول : ( رسالتنا الرئيسية هى نفسها التي قلناها بالأمس. نحن ننادي بوقف فوري وغير مشروط للعنف من قبل الطرفين, وهذا يعني أننا نرغب في رؤية إنسحاب فوري لقوات جنوب السودان من منطقة هجليج ).

ولم يتوقف تأكيد الموقف الأمريكي على وزارة الخارجية, بل إمتدَّ للبيت الأبيض حيث صرَّح الناطق بإسمه جاى كارتني في 18.4.2012 بأنَّ الولايات المتحدة ترغب في رؤية ( إنسحاب فوري لقوات جنوب السودان من هجليج ).

أمَّا المبعوث الأمريكي الخاص برينستون ليمان فقد قال إنَّ دخول هجليج كان خطوة "خطيرة للغاية ", وأنَّها تخطت حالة  " الدفاع عن النفس", وأنه إذا لم تنسحب قوات جنوب السودان فإنَّ القتال سيذهب أبعد من هجليج, والأوضاع ستتدهور بصورة أكبر.
وقد وردت في كل هذه المواقف الأمريكية كذلك مُطالبة لحكومة السودان بالوقف الفوري وغير المشروط للقصف الجوي لأراضي جنوب السودان, وهو الأمر الذي كرَّرهُ الرئيس أوباما في خطابه المصوَّر والموَّجه لحكومتى الدولتين في الشمال والجنوب.

هذا الموقف الأمريكي قوبل برفض مكتوم من حكومة الجنوب, بإلقائها بعض اللوم على " المجتمع الدولي" لعدم مناصرته لإحتلالها لهجليج, مما حدا بالمثقف الجنوبي الدكتور لام أكول للإعتراف بأنَّ المجتمع الدولي كان حاضراً في التحكيم بين الشمال والجنوب, وكان مناصراً بصورة "عمياء" لمواقف الجنوب, ولكن حكومة الجنوب لم تقل في كل مراحل التحكيم أنَّ هجليج جنوبيَّة وبالتالي فإنهُ ليس من حقها لوم المجتمع الدولي لعدم مساندته لإحتلالها.

في رأي كاتب هذه السُّطور أنَّ قرار إحتلال هجليج كان قراراً جنوبياً صرفاً لم تستشر فيه الحكومة الأمريكية أو غيرها من الحكومات الغربية, وقد كانت وراءهُ أسباباً موضوعيَّة وأخرى ذاتية متعلقة بالحكومة الجنوبيَّة نفسها. الأسباب الموضوعيَّة مرتبطة أساساً بتركة نيفاشا الثقيلة من القضايا المؤجلة, وعلى رأسها وضع جنود الجيش الشعبي السابقين في جنوب كردفان والنيل الأزرق, وترسيم الحدود.

الأسباب الذاتيَّة متمثلة في الوضع الإقتصادي المتدهور ونذر الإنهيار الوشيك للإقتصاد بعد إتخاذ قرار إغلاق حقول النفط وهو ما قال به الرئيس سلفاكير مؤخراً. و الأهم من ذلك سببٌ هيكلي مرتبط بطبيعة العلاقة الشائكة التي تحكم الجيش الشعبي بالمؤسسة السياسية (الحكومة), وهذا هو – في رأيي - العامل الحاسم الذي أجهض المحاولات التي قادها فريق التفاوض الجنوبي عقب زيارته للخرطوم وتعهده بفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.

ربما يتكشف في مستقبل الأيام أنَّ الجيش الشعبي هو من فرض قرار إحتلال هجليج أو أنهُ رجَّح كفة أطراف داخل حكومة الجنوب تؤيد ذلك الإحتلال في مواجهة أطراف أخرى كانت تعارضهُ وتسعى لحل سياسي عبر التفاوض. 

السبب أعلاه أشار إليه بوضوح الباحث و الخبير في الشئون السودانيَّة " أليكس دى وال " في محاضرته عبر الإنترنيت التي ألقاها في السابع عشر من الشهر الجاري, وأثناء إحتلال هجليج في "الجمعيَّة الإفريقية الملكيَّة " محللاً أسباب الأزمة بين الشمال والجنوب عندما قال: ( القيادة في كل من شمال وجنوب السودان غير قادرة في الوقت الراهن على السيطرة بما فيه الكفاية - لا سيما على قواتهما المسلحة - من أجل وضع أي استراتيجية متماسكة ).

الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظمى, والسياسة الخارجيَّة فيها تقوم على المصالح, ولا تنبني على العواطف, وإذا كان إحتلال هجليج يُحقق لها مصلحة حقيقية تتوافق مع أهداف إستراتيجيتها في السودان والمنطقة لما توانت لحظة في إعلان مساندته, وإذا كانت سياستها تجاه الحكومة السودانيِّة تهدف لتغيير النظام لكانت حرَّكت جيوشها لإزالته مثلما فعلت في أفغانستان والعراق, أو قامت بمساعدة دول أخرى علناً للإطاحة به مثلما فعلت مع بعض الدول العربية ودول حلف الناتو في ليبيا.

أمريكا لا تحتاج – ببساطة شديدة – أن تتخفى خلف ذلك السيناريو الذي رسمهُ الدكتور نافع, والذي أوردناه في صدر هذا المقال.