عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تناولنا في الحلقات الماضية أربعة من أهم المحاور التي تأسس عليها فهمنا ودراستنا لتاريخ الاسلام في السودان وهي: هجرة العرب للسودان قبل الاسلام ومعاهدة البقط واشتغال المسلمين بالتعدين في أراضي البجة وما ورد عن قبيلة جهينة وعن النظام الأمومي. ونواصل هنا تتبع ما ورد عند سقوط مملكة مقُرة

سقوط مملكة مقُرة
من الموضوعات المهة التي تحتاج بصورة ملحة إلى المراجعة والدراسة الموضوعات المتعلقة بقيام وسقوط الممالك السودانية. فقد رضي وقنع الباحثون والدارسون بما تيسر وكُتِبَ من معلومات وفرضيات – أصبحت من المسلمات - عن هذه الموضوعات. فنحن نعلم القليل عن قيام وسقوط بعض تلك الممالك، ونكاد لا نعلم شيئاً عن قيام وسقوط الكثير منها. وأصبحنا نميل إلى أساليب التعميم و المصطلحات - التي أصبحت أيضاً من المسلمات – مثل "نظرية الغريب الحكيم" لو صدق إطلاق نظرية عليها وهي في الواقع ليست سوى "حيلة أو وسيلة العاجز"
فنحن لا ندري متى قامت مملكة الحداربة البجاوية التي ساعدت البيزطيين عندما غزا عمرو بن العاص مصر، ولا ندري متى قامت ممالك البجة الأخرى التي تردد ذكرها في المصادر العربية مثل مملكة الزنافجة ومملكة نقيس ومماكة بقلين ومماكة بازين ومماكة جارين ومماكة قطعة ومملكة تفلين (أو الدجن) الاسلامية في دلتا وادي القاش ومملكة الخاسة الاسلامية في منطقة سواكن ومملكة الحلنقة في منطقة كسلا، ولا ندرى بالطبع متى وكيف سقطت تلك الممالك.
كما لا نعلم شيئاً عن الممالك التي ورد ذكرها في سفارة السلطان المملوكي للسودان عام 1286م مثل مملكة بارة (ربما كانت بازة أو بازين في منطقة وادي القاش) ومملكة التاكا (ربما كانت مماكة الحلنقة أو مملكة تفلين) ومملكة كدروا ومملكة دنفوا ومملكة أري ومملكة بفال ومملكة العنج (ربما قصد بها مملكة علوة) ومملكة كرسة. كما لا ندري أيضاً – على وجه الدقة - متى قامت مملكة مقُرة ومملكة علوة، ولا ندري أيضاً متى قامت مملكة دوتاو ومتى سقطت، ولا ندري متى سقطت مملكة نوباديا (مملكة مريس). وما لدينا عن سقوط مملكة علوة عبارة عن روايات شفاهية تتطلب الجمع والدراسة. وفي واقع الأمر فإن القدر الأكبر من تاريخنا لا يزال بكراً يتطلب الدراسة والمراجعة.
وكثيراً ما ينتابنى الشعور بالأسى والخجل عندما أرى واقع تاريخنا وبعض شبابنا يتصارع ما بين الكوشية والنوبية وكان كل تراث السودان محصوراً بين الخرطوم وحلفا، كما لا أرى لنا – كمؤرخين أو عاملين في حقل التاريخ – عذرا على هذه الحال بعد أكثر من ستة عقود من استقلالنا. وسأقوم هنا بتسليط بعض الضوء على ما ورد عن مملكة مقُرة التي ساد في مفاهيمنا العامة وفي كُتبنا وفي مناهجنا الدراسية أنها سقطت بين عامي 1316 – 1323م. وهذا المفهوم على درجة كبيرة من عدم الدِّقة.
فبعد دخول أول حملة للمسلمين مدينة دنقلة في عصر المماليك عام 1275م واخضاع المملكة لسلطتهم، توالت حملات المماليك العسكرية على مدينة دنقلة لانتفاضات ملوكها المتكررة ضد المماليك. وفي عام 1316 علم ملك مقرة بإعداد المماليك حملة عسكرية للتوجه إلى دنقلة ومعها عبد الله برشمبو وهو أحد أمرا الأسرة المقرية المالكة وكان قد نشأء في بلاط المماليك واعتنق الاسلام. فأرسل ملك مقرة ابن أخته كنز الدولة إلى السلطان المملوكي يطلب منه إذا أراد تعيين ملك مسلم أن يعينه ملكاً على مقرة. فلم يستجب السلطان المملوكي لطلب ملك مقرة، وتم احتجاز كنز الدولة بمصر. وسارت الحملة إلى دنقلة وعينت عبد الله برشمبو أول ملك مسلم على عرش مملكة مقرة.
لم تستقر الآوضاع لعبد الله برشمبو، فقد ذكر النويري (نهاية الأرب، ص 229) أن عبد الله برشمبو "غير قواعد البلاد وتعاطى نوعاً من الكبْر لم تجرعليه عادة ملوك النوبة بمثله، وعامل أهل البلاد بغلظة وشدة فكرهوا ولايته." وكانت السلطات المملوكية قد أفرجت عن كنز الدولة بعد تولية عبد الله برشمبو. وعندما عاد كنز الدولة إلى دنقلة تمكن من قتل الملك عبد الله برشمبو واعتلاء عرش المملكة بمساعدة أهل مقرة.
ولما كانت سياسة المماليك – وهم عناصر غير عربية – عدم السماح بقيام دولة على حدودهم الجنوبية تحكمها أسرة عربية فقد أفرجوا عن أبرام أخ ملك مقرة كرنبس وطلبوا منه الذهاب لدنقلة والتحايل على اعتقال كنز الدولة. وعنما حضر أبرام لدنقلة تنازل له كنز الدولة عن العرش طوعاً، وعاد عرش مملكة مقرة للبيت المقُري. ووفقاً للخطة المرسومة مع المماليك اعتقل أبرام كنز الدولة ليرسله إلى مصر، غير أن أبرام توفى بعد أيام قليلة من اعتقاله، واتفقت كلمة أهل مقرة على اختيار كنز الدولة ملكاً على عرش مملكة مقرة.
وبالطبع فإن ما حدث أغضب السلطة المملوكية، فأعدوا في عام 723 هـ / 1323 م حملة إلى دنقلة ومعها كرنبس، ففر كنز الدولة من دنقلة وتولى كرنبس العرش. وبعد عودة العسكر عاد كنز الدولة وانتصر على كرنبس وتولى العرش (المقريزي، كتاب السلوك ص 345) ولذلك اعتبر البعض عودة كنز الدولة لعرش المملكة عام 1323م نهاية لمملكة مقرة. غير أن المصادؤ العربية (المقريزي، نفس المكان السابق) أشارت إلى أنه في عام 724هـ/ 1323م "قدم المجردون من النوبة وقد غابو ثمانية أشهر" والمجردون هم جنود مثل الجنود المرتزقة حالياً كما يتضح من كتابات المقريزي عنهم.
فعودة حملة عسكرية من بلاد النوبة عام 1324م بعد استعادة كنز الدولة عرش مقُرة يوضح أن المماليك أرسلوا الحملة لمساعدة الأسرة المقرية لاسترداد عرشها. ويؤيد ذلك أن المقريزي ذكرفي حوادث 725 هـ / 1324م (المكان السابق) ملك النوبة بين الملوك الذين وصلوا للبلاط المملوكي لبذل الطاعة للسلطان. وبالطبع فإن ملك النوبة هذا لم يكن من أبناء الكنز الذين كانوا في عداء مع المماليك. ومما يؤكد عودة الأسرة المقرية المسيحية للسلطة كما ذكر آدمز (النوبة رواق افريقيا، ص 471) ورود اسم ملك النوبة سبعانول في وثائق بيت المقدس التي ترجع للفترة بين 1327 - 1339. 728 – 740 هـ إبّان الحديث عن حجاج إلى بيت المقدس في تلك الفترة
وفي عام 767 هـ / 1365م وصلت بعثة من ملك مقرة تحمل رسالة إلى حاكم مصر توضح خروج ابن أخت الملك عليه، واستنجاد ابن الأخت بقبيلة بني جعد العربية. وتوضح الرسالة أن ابن الأخت تمكن من قتل الملك، وعُيِّن أخ الملك المقتول على عرش مقرة، وأنه تحصن بقلعة ألدو. ولم ترد في المصادر العربية أسماء المتصارعين على العرش لمعرفة ما إذا كانوا مسلمين أم لا يزالون مسيحيين.
وقد أورد المقريزي (المصدر السابق، صفحات 346 – 354) ما يوضح علاقات المماليك الطيبة مع ملوك مملكة مقرة، والصراع المستمر بين المماليك من جهة وتحالف ابناء الكنز وقبيلة العكارمة العربية من جهة أحرى. ويتضح من خلال ذلك أن مملكة مقرة كانت لا تزال عائشة في عاصمتها دنقلة، وانتقلت العاصمة إبان هذا الصراع إلى قلعة ألدو شمال وادي حلفا لحصانة الموقع.
وآخر الأخبار التي وردت عن مملكة مقرة ذكرها المقريزي (المصدر السابق، ص 354) في حوادث عام 800 هـ / 1397م حيث قال: "قدم ناصر متملك بلاد النوبة فاراً من ابن عمه، فأكرمه السلطان الناصر سيف الدين أبوسعيد برقوق وخلع عليه، وأعاد الصارم ابراهيم الشهابي إلى ولاية اسوان، وتقدم إليه بمعاونة نصر الدين" فاسم الملك يدل على أنه مسلم، ويتضح أن الأسرة المقرية كانت لا تزال تحكم مملكة مقرة حتى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي أي قبل نحو قرن من قيام دولة الفونج. وانقطعت الأخبار عنها بعد ذلك بحيث لا يتضح متى سقطت المملكة؟ وهل ظلت الأسرة في الحكم حنى قيام دولة الفونج؟
وفيما يلي ما توفر من معلومات عن ملوك مقرة بعد عبد الله برشمبو:
- عبد الله برشمبو 1316م
- كنز الدولة 1317
- أبرام أخ الملك كرنبس 1317
- كنز الدولة مرة ثانية 1317
- كرنبس أخ ابرام 1323
- كنز الدولة مرة ثالثة 1323
- ملك في زيارة للبلاط المملوكي 1324
- سبعانول بين عامي 1327 – 1339
- ملك ثار عليه ابن أخته (قٌتل) 1365
- أخ الملك المقتول (قٌتل)
- ابن اخت الملك المقتول
- الملك ناصر قبل عام 1397
- ابن عم الملك ناصر 1397

هذه القائمة بها بعض التعديلات عن القائمة التي وردت في الملحق رقم 2 في الجزء الثالث من كتاب الوعي بالذات وتأصيل الهوية، ص 142. وتتوفر بعض المعلومات عن مملكة دوتاو التي تقع شمال وادي حلفا حتى عام 1484 أي قبل أحد عشر عاماً من التاريخ المتعارف علية لقبام دولة الفونج. وفيما يلي قائمة بالأسماء المتوفرة تم جمعها مما ذكره آدمز (النوبة رواق افريقيا ص 470 – 471) عن هؤلاء الملوك استناداً على النقوش والوثائق التي تم العثور عليها.


قائمة بأسماء ملوك مملكة دوتاو:
مُوسَسْ جورج بين 1144 و 1199
بازل بين 1144 و 1199
جورج سيمون 1287 م
ملك يبدأ إسمه ب (ي) 1281
دايفيد ؟ ؟ ؟
سايتي 1334 م لقبه ملك دوتاو
كودلانيل ؟ ؟ ؟
ياؤول 1484 م لقبه ملك ملوك دوتاو القديس الراعي للكنيسة
تينوسي إيلانات 1484 م ربما كان ملكاً تابعاً لياؤول
------------------

ونواصل: المحور الشرقي (محور اثيوبيا) والمحور الغربي (محور تشاد) وأهميتهما في دراسة تاريخ الاسلام عي السودان.

المراجـع
- آدمز، وليام، النوبة رواق افريقيا، ترجمة محجوب التجاني محمود القاهرة: 2004.
- آالمقريزي، كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية العربية، الخرطوم: دار المصورات 2014
- النويري، نهابة الأرب في فنون الأدب، في مصطفى محمد مسعد، المكتبة السودانية.