■ مفاهيم عديدة، ذات صلة بالعلاقة بين شمال السودان وجنوبه، ولاحقا ذات صلة بقضية الوحدة والانفصال، ظلت تنعكس، في معناها، بشكل متباين، عند النخب في الجنوب وفي الشمال. وهذا ليس مستغربا، إذ أن هذه المفاهيم إما أهمل الحوار حولها، أو أهملها الحوار حين تأتى، في حين الإتفاق حولها كان ممكنا، مع الأخذ في الإعتبار قلة وضعف التفاعل المطلوب بين نخب الشمال والجنوب لتقريب وجهات النظر حول هذه المفاهيم. ولعل من المرات النادرة التي شهدت مثل هذا التفاعل، كانت تجربة التجمع الوطني الديمقراطي الذي رعى تفاعلا نشطا وحوارا عميقا بين النخب السياسية الشمالية والجنوبية حول قضايا بناء الدولة السودانية، أسفر عن التمسك بوحدة السودان الطوعية على أسس جديدة. ورغم أن هذه المفاهيم، والتي برزت كتعبير عن أزمة العلاقة بين الشمال والجنوب، قديمة قدم الأزمة نفسها، ومنذ فترة ما قبل إستقلال السودان، إلا أن النخب السودانية ظلت، في كل منعطف جديد، تتعامل معها، وكأنها تطرح لأول مرة. فيأتي التعامل بذاكرة ضعيفة لا تسترجع أي مخزون معرفي. ومعروف إن ضعف الذاكرة السياسية يعيق التأسيس لجيل اليوم وللأجيال القادمة. بعض الأمثلة:
قيادات الحزب الحاكم في السودان تنفي أنها بادرت بقبول حق تقرير المصير، وكأنها جريمة إن هي فعلت ذلك! ومن الواضح، أن هذه القيادات خانتها ذاكرتها السياسية مرتين: مرة بمنعها من إبصار حقيقة أن القبول بتقرير المصير ليس جريمة ولا يستوجب الخجل، فهو حق انساني ديمقراطي وأساسي يحق لأي شعب ممارسته، وهو لا يتطابق والإنفصال لأن في داخله تكمن الوحدة أيضا. ويظل وقف الحرب أكبر إنجاز يرتبط به. والمرة الثانية عندما فات على هذه القيادات أن جذور تقرير المصير تمتد إلى مذكرة مؤتمر الخريجين في العام 1942، مرورا بمؤتمر المائدة المستديرة في 1965، وما تلى ذلك من محطات في فرانكفورت 1992، وواشنطن 1993، ومبادرة الإيقاد 1994…الخ. أعتقد من الصعوبة تجاهل حقيقة أن الجنوبيين طالبوا بممارسة حق تقرير المصير لفقدانهم الثقة في الشمال بعد أن نقض العهود وحاول فرض التعريب والأسلمة عليهم، ولشعورهم بإنتفاء العدالة في إشراكهم في السلطة وفي توزيع الثروة. إن حق تقرير المصير لا يعني بالضرورة الإنفصال. فالبنسبة للجنوبيين هو فرصة أخيرة ليتفق السودانيون علي شروط جديدة لوحدة السودان يشعر فيها المواطن الجنوبي أنه جزء من السودان يمارس حقوقه الإجتماعية والإقتصادية والسياسية كغيره من المواطنين، وأنه يعبر بحرية تامة عن ثقافته وهويته، على قدم المساواة مع الثقافات والهويات الأخرى في البلاد. هذا هو المعنى الحقيقي لمصطلح «الوحدة الطوعية». وبغياب هذا الإتفاق إختار الجنوبيون الإنفصال، وأعتقد لا يمكن لمنصف أن يلقي اللوم عليهم، فمطلبهم الوحيد كان العدالة والمساواة. والمسؤولية الكاملة تتحملها النخب الشمالية التي ظلت تستأثر بالسلطة والثروة، وفي نفس الوقت تنادي بالوحدة.
مفهوم وحدة السودان عند النخب الجنوبية يختلف عنه عند النخب الشمالية. في أواخر التسعينيات في جريدة الاهرام المصرية، كتب د. لام أكول: «الذين تعاقبوا على حكم السودان منذ الإستقلال (وهم بالطبع شماليون) ظل إعتقادهم الجازم أن التباين الثقافي والديني والعرقي يمكن إزالته بفرض الهوية العربية الإسلامية على غير العرب والمسلمين وخاصة في جنوب السودان. أي أنهم يعملون على تحقيق التكامل السوداني عن طريق إستبدال الثقافات والأديان في الجنوب ومناطق أخرى من السودان بالهوية العربية الاسلامية. في مقابل هذا التوجه الإستبدالي يصر الجنوبيون على الحفاظ على هويتهم الثقافية داعين إلى تحقيق التكامل السوداني بقيام وحدة البلاد على التنوع، أي الإعتراف بالأجزاء المختلفة التي تكون في مجملها السودان الذي يسع الجميع» . وأعتقد بسبب إختلافات كهذه في التصور ومعنى المفاهيم، نشبت الحرب وزاد أوارها تشبث الحكام بالسلطة. وبالرغم من أن مفهوم « الوحدة في التنوع « يبدو من البدهي بمكان ويطرح نفسه للتطبيق في السودان إلا أن هذا المفهوم إصطدم بجدار سميك من عناد دعاة الوحدة بالإستبدال من نخب الشمال والذين شكلوا دون غيرهم العقبة الحقيقية أمام وحدة وإستقرار السودان.
خلال فترة الحكم الإقليمي لجنوب السودان (مارس 1972- يونيو 1983م) أثبت الجنوبيون وقوفهم مع وحدة السودان. وتجلى ذلك في عدة مواقف، أهمها، في يوليو 1976م عندما غزت قوات المعارضة الشمالية (الجبهة الوطنية) الخرطوم من خارج الحدود وإستولت علي محطة الإذاعة القومية، أم درمان، لمدة ثلاثة أيام، فكانت إذاعة الإقليم الجنوبي، جوبا، تذيع بإسم الإذاعة القومية. لو كان الجنوبيون إنفصاليين لأعلنوا الإنفصال في ذلك الوقت عندما كانت الخرطوم بلا حكومة طوال هذه المدة. والسبب في هذا الموقف يرجع إلى شعور الجنوبيين في ذلك الوقت بمشاركة حقيقية في السلطة وبإحترام تباينهم الديني والثقافي وعدم فرض وصاية عليهم من الشمال في إدارة شؤونهم.
بعض نخب الشمال تحاجج بأن الحرب الأهلية في جنوب السودان ما كانت أن تندلع لولا أن الإستعمار حال دون إنتشار الأسلام واللغة العربية في جنوب السودان، ثم عمل بعد ذلك على محاباة الجنوب وسعى لإنفصاله وضمه إلى شرق إفريقيا. أي أن الإستعمار هو الذي حال دون إستبدال هوية المواطنين في جنوب السودان بالهوية العربية الإسلامية، فارضا جدارا عازلا عبر قانون المناطق المقفولة في الجنوب. بينما نخب جنوب السودان تقول صحيح أن الكيانات الإثنية الثقافية في جنوب السودان وجبال النوبة خضعت لسياسات المناطق المقفولة، لكن نظرتنا لهذه المناطق تختلف عن نظرة الشماليين، المجموعات الإسلامية العربية، التي تدينها إدانة مطلقة، بينما الكيانات الأفريقية غير المسلمة التي خضعت لها تدين لها بالمحافظة على هوياتها وشخصياتها الثقافية في وجه صراع غير متكافئ، كما تعتبرها نبعت أساساً في إطار مجهودات الاستعمار الإنكليزي لإلغاء مؤسسة الرق في السودان.
نقلا عن القدس العربي