عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأوطان والعمران صناعة إنسانية. ولعل اعظم ما صنع الإنسان هو الوطن وعمرانه. وبهذا وذاك تحققت انسانيته. وفيهما وبهما أسهمت قدرته في الخلق وفي صنع القيم العليا التي يسرت للبشرية جمعاء التقدم وذلك القدر المستطاع من العافية والسعادة والأمان والطمأنينة. لذلك نمت وتطورت واتسعت في الإنسان كل خصائص وطاقات الخيال الذي ظل يصنع الواقع. وتنوع الإبداع والفكر والابتكار كأساس للإنسانية والرحمة والخير. ولنا ان نتامل كيف ظلت مقدرات ذلك الإنسان تتسامى في كل حال ومجال ومكان امام الاستبداد والشر. وكيف ظل الانسان يبتدع ما جعل من تلك المقدرات الفردية طاقة جماعية تعلي في الفرد والجماعة قيم اليقين بانه على الرغم من انه فردا واحدا الا انه هو في حقيقة أمره جماعة في فرد. ويظل يدرك ايضا ان صناعة الإنسان لذاته وطاقاته تتبادل فيها قيم الحب والعدل والأخاء كما يمكن ان تستبطن في حال اخر مشاعر الخوف والأنانية والجشع. وبين هذا وذلك تظل انسانية الانسان قائمة بالإقدام والأمل والمبادرة. لذلك كان هناك من قدم نفسه رخيصة لمثل تلك المثل العليا دفاعا عن الوطن وإنسانه وما يمثل ذلك له. قبل أيام وقفت سيدة في بارا اسمها نادرة أيوب أمام جرافات احمد هارون دفاعا عن ساقيتها مثلما وقفت تلك النخلة في ساقية اخرى وكما وقف من قبل ذلك الطالب أمام الدبابة الصينية في ميدان تاينمان. تلك امثله لا حصر. لقد هزمت نادرة الجرافات وهزمت احمد هارون. هكذا تتنوع وتتواصل وسائل وأساليب المقاومة للاستبداد الامر الذي جعل من تلك القضية قضية رأي عام ونموذجا اخر يضاف الى القضية القومية.

عندما فاجأتنا كارثة السطو على بارا الكبرى أو ذلك الطراز المنقوش بإنسانه وتجربته الإنسانية وصناعته لتلك الحركة المتجددة، تصاعد في وجودنا صوت جماعي معبرا عن حالة من الوعي لا لمواطني بارا وحدها وإنما لكثير من المواطنين والحال كذلك في هذا الوطن الكبير في جماعاته وأفراده الامر الذي أيقظ في ضميرنا الجمعي الإنساني تضامنا متناغما مع من نعرف ومع من لا نعرف من رجال ونساء امموا وجههم نحو القيم الكبرى للحرية والسلام والعدالة.

بداية، ان ما كشفت عنه تجربه مواطني بارا الكبرى وهم يواجهون الاستبداد ليست تجربة مع فرد واحد اسمه احمد هارون وإنما مع احمد هارون كجماعة في فرد. و في ذلك تتجلى واحدة من اهم صفات الرأسمالية الإسلاموية والشر الذي تستبطنه. اذ تأسست على فردانية التمكين والجشع الذي لا يحد وبما يسمونه الكسب ويسميه الشعب السوداني اعلى درجات الفساد الذي ظهر في ابشع صوره في النهم لحيازة الأرض. وتقف بارا مثالا اضافيا إذا نجح احمد هارون أو لم ينجح في مشروعه الظالم ذلك. فهو بذلك يضيف بارا إلى نماذج أخرى في دارفور والجزيرة والمناصير وكل وما يرد في مثلث حمدي. وذلك امر لا مجال لإيجاد حل عادل له الا باسقاط هذا النظام وبناء نظام جديد اساسه نحن شعب السودان ولنا "ان نسود بالعرفان". وبذلك لن نحرر أنفسنا جميعا من الاستبداد وإنما نحرر أيضا الإسلاميين أنفسهم من المأزق التاريخي الذي وضعوا أنفسهم فيه.

ثانيا، ان اكبر ما اعطانا جميعا تيار الوعي الذي شملنا في مراحل الصراع القائم منذ ان دخل مشروع الإسلاميين في حياتنا قائما بالعنف باعتباره بديلا للإسلام هو الحل تواتر لإدراكنا العام تاريخ تلك التجربة الانسانية الفخمة التى عن طريقها وبها استطاع إنسان السودان في تلك المنطقة في مناطق العنف من الجنوب إلى دارفور إلى بارا الان ان يصنع وحدة إنسانية مبتكرة تداخلت في بنائها المهن والصناعات والابتكارات لتتميز وتتنوع في إطار صناعة المناطق الواحدة تلو الأخرى والتي ساهمت كل منها في صناعة هذا الوطن في عظمته. والأمر كذلك فقد نبهنا وعينا الجماعي على طول وعرض هذا السودان ان تماسك تلك الوحدة الإنسانية في مناطقها المتنوعة هو جزء من تماسك الوطن.

لذلك نقول "والعالم كله يسمع" ان الخطر المتمدد والذي لا مجال لنا غير منازلته هو البشير جماعة في فرد واحمد هارون جماعة في فرد وحميدتي جماعة في فرد. والنداء للضمير الإنساني: حرية سلام وعدالة والثورة طريق الشعب.
/////////////////////