أقرأ بيانات الحزب الشيوعي هذه الأيام عن إحياء ذكري ثورة أكتوبر 1964 واستغرب. فهي تجهل ما ينبغي للحزب عمله بينما تحسن معرفة ما ينبغي للآخرين عمله. فهي، إن لم تتهم غيرها بأنه يريد أن يسوق الاحتفال بالذكري إلى أزقة سياسية، طلبت منهم أن يقوموا باستكمال الثورة برصة واجبات صارت معروفة من أجندة الحزب للغاية.

يؤسفني القول إن الحزب الشيوعي يحمل الناس للاحتفال بذكرى ثورة لا أعرف من اختطفت القوى المضادة لها تاريخها مثلها. فهي ثورة في براثن تاريخ من وضع خصومها. فرددت فقط بالأمس على من كتب لي يقول لي إن الشهيد القرشي قتلته طلقة طائشة بينما كان في طريقه للحمام والبشكير على كتفه. وقلت له أتظن الجداد الإلكتروني لم يوجد قبل ثورتكم هذه. كان لثورة أكتوبر جدادها غير الإلكتروني من غير أن يفل ذلك خبائثه. ومنها قولهم بمصرع الشهيد القرشي وهو دون الحمام. وصار هذا من المعلوم عنه بالضرورة.


تكسرت رماح هذه الجداد على ثورة أكتوبر فصار تاريخها هو ما خطته الثورة المضادة. فأكتوبر هي التي أفسدت الخدمة المدنية بالتطهير، وحلت الإدارة الأهلية، وأنها بنت الصدفة أو أنها من صنع الإخوان المسلمين من ألفها إلى يائها. واضطررت لكتابة كتابي "ربيع ثورة أكتوبر" (2013) لدفع هذه الافتراءات عنها. وسمعنا مؤخراً تبخيس آخر من الحركات المسلحة مثل قولهم إنها انشغلت بالديمقراطية دون استباب السلام. أو أنها حركة عاصمية مثلثة لم تشمل غيرها من مدن السودان وريفه.

بل واتفق لكثيرين أنها ثورة بلا غبينة. فأزاحت نظاماً عدلاً لم يسمع صاحبه في أكتوبر 1964 بالهتاف الأول ضده حتى استسلم وتنازل عن الحكم لا يريد أن يكون على الناس بالغصب. ثم سرعان ما هفت القلوب له بعد فشل الثورة المزعوم وهتفوا بحياته هذه المرة: "ضيعناك وضعنا وراك". وهذه الخزعبلة من سيئات الإنقاذ فينا. فقد فجرت في الحكم فجوراً بدا به نظام عبود ونظام نميري العاقب له جنة من جنان الأرض. أما دولة الإنجليز أبان عيوناً خضر فحدث ولا حرج. إنها روضة في جنان رضوان.

وأخطر ما ذاع عن ثورة أكتوبر من جهة العلم السياسي هو إنها تفجرت صدفة لم يكن من أحد من ورائها: بروس. وهذه ذريعة قصد بها من روج لها أول مرة غمط الحزب الشيوعي مساهمته ممارسة ونظراً وفكراً في إحداث الثورة. وكان بوسع الحزب الشيوعي أن يحاصر هذه الذائعة عن الثورة لو كان كتابه "ثورة شعب: ست سنوات من النضال ضد الحكم العسكري الرجعي" (1965) بين أيدي أجيال من الشباب. وجمع الكتاب بين دفتي صفحاته الاربعمائة وخمسين معظم وثائق الحزب الشيوعي وجبهاته بين العمال، والمزارعين، والطلاب، والنوبيين، والقوات المسلحة، والمثقفين، والنساء، والأحزاب، والجنوب التي صدرت في تلك السنوات الست من المقاومة. وخصص الفصل الثاني عشر لخطة الإضراب السياسي التي اتفقت للحزب وحملها بيانه المنشور في مجلته النظرية "الشيوعي" (العدد 108، بتاريخ 2 يوليو 1961) بعنوان "تفاقم الأزمة الثورية وتفكك الديكتاتورية". وقد أغرتني ماركسية الخطة في النظر والتقييم أن قلت مرة أن السودانيين، بدخولهم في الإضراب السياسي في أكتوبر 1964 بحيثياته التي رتبها الحزب الشيوعي، كانوا لينيين من غير أن يدروا.

أعود إلى ما كان ينبغي للحزب التوجيه بالقيام به في بياناته حول الاحتفال بذكرى أكتوبر القائمة. كان عليه أن يوجه مكتبه أو مكاتبه المختصة لإعادة طبع "ثورة شعب" الذي تلاشي من السوق والذاكرة السياسية لأربع وخمسين عاماً حسوما. لقد كلف الحزب خلق الله التكاليف ونسي نفسه. ومكّن بذلك للثورة المضادة أن تكتب عن ثورة أكتوبر وقواها كما شاءت في غيبة التوثيق الاستثنائي لأدب الحزب السياسي خلال سنوات الفريق عبود. وهو توثيق مفحم للألسن اللغاغة بالتزوير. ولا يدري المرء مبعث حماسة الحزب للاحتفال بذكرى ثورة جردته رواية الثورة المضادة عنها من أل والإضافة . وعاد منها بخفي حنين.

وأترحم كباحث كان ضمن طاقم تحرير الكتاب على روح الرفاق عمر مصطفى المكي والتجاني الطيب اللذين كنت أغشاهم في خلوتهما الطويلة منقطعين للمهمة حتى إنجازها. وأذكر بالخير الأستاذ جعفر النصيري الباحث مثلي في فريق التحرير، ومن كتبنا معاً فصل "الطلاب السودانيون في قلب المعركة) (170-192.(

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.