إن مراقبة مسيرة أي نظام سياسي من قبل متابعين أو محللين، غالبا ما تهدف إلي معرفة ألمكنزمات التي تحركه، و كيف تفكر القيادة فيه، و هل القرارات داخله تأخذها المؤسسية، أم هي قرارات تتخذ من قبل شخص واحد، و هي التي تحدد طبيعة النظام، و الفرق بين النظام الذي يعتمد علي شخص و آخر يقوم علي المؤسسية الفرق كبير، القرارات التي تتخذ من قبل المؤسسة بالضرورة تفتح الباب للحوار بين صناع القرار في الدولة، و التداول في القضية المطروحة علي جدول الأعمال من عدة جوانب و تحتوي علي عدة رؤى، و الحوار الجاد الذي يحترم آراء الآخرين في المؤسسة، يعتبر الآلة التي تنتج الثقافة الديمقراطية، لآن الحوار بين عضوية المؤسسة بالضرورة سوف ينداح إلي القاعدة العريضة، و الحوار بين الآراء لابد أن يخلق القواعد التي تنظمه، و هي اللوائح و القوانين التي تنظم و تحترم من قبل الجميع، و هنا تخرج القرارات ناضجة، و تعبر عن الجميع و يدافعون عنها بقوة، و القرارات التي تأخذ الفردية، لا تخضع للحوار و ترسخ الشمولية، و تصبح القرارات غير مضمونة النتائج المطلوبة، و أيضا الحوارات التي تجريها الصحف مع القيادات في السلطة، أو الذين كانوا من صناع القرار، ضرورية لأنها محاولة لاستخراج معلومات ضرورية لاستكمال الصورة، و تختلف الحوارات بين رؤية الذي كان قياديا في النظام و يعد احد صناع القرار فيه، و بين المتابع عن بعد، باعتبار أن هناك الكثير من الأسرار لا يتعرف عليها المتابع السياسي، إلا من هذه اللقاءات التي تجرى مع صناع القرار، أو الذين كانوا صناع للقرار من قبل، و المعلومة هي سيدة الموقف.

قرأت الحوار الذي أجرته جريدة "الجريدة" مع الدكتور قطبي المهدي، و استوقفتني بعض إجابات الدكتور قطبي علي أسئلة الجريدة في الحلقة الثانية. و سوف اتعرض لها بالتعليق دون ألزم نفسي بالترتيب. و إنما أخذ الترتيب وفقا لمتطلبات التعليق دون الإخلال بالمعني و المقصد. في سؤال للجريدة: يقول المؤتمر الوطني متهم بأنه قام بشق أحزاب المعارضة و أخترقها لإضعافها؟
يقول الدكتور قطبي ردا علي السؤال " هذه حجة العاجز؛ و لو كان لدي تلك الآحزاب برامج و قوية، لن يستطيع أحد أضعافك، و الآن لديك الزخيرة لإضعاف الوطني بسبب الفشل الذي يحدث. هذا كلام فارغ و الانقسامات التي حدثت داخل الأحزاب الكبيرة كلها نتجت عن مشاكل داخلية لعدم وجود قيادات داخل هذه الأحزاب تجمع إرادة اتباعها حولها، لذلك تمردوا عليها، و حدثت الانشقاقات، و قيادات هذه الأحزاب ليس لديها القدرة علي منع تلك الانشقاقات" رغم إن الحديث فيه شيئا من الحقيقة يتعلق بقضية غياب الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب، لكن قضية الانشقاقات لا تقع داخل الأحزاب فقط لما ذكره الدكتور قطبي بعدم وجود قيادات تجمع إرادةاتباعها حولها. بل تتعدد الأسباب إذا نعدمت الحرية و ممارسة الديمقراطية، فهي واحدة من أهم اسباب الانشقاقات، و إذا انعدم التوافق الفكري داخل الأحزاب. إن الإنقاذ خلقت بيئة شمولية و استخدمت مؤسسات الدولة في عملية الترغيب و التعنيف في انشقاقات الأحزاب، و معروف أن عضوية الأحزاب ليست كلها لديها قوة في صلابتها و قناعتها الفكرية و هناك أصحاب المصالح الخاصة الذين يدورون مع مصالحهم أينما دارت، و هناك أيضا القيادات التي لا تقبل الرآي الآخر، و قولة الإصلاح و التطوير، و دلالة علي ذلك القيادات العديدة التي خرجت من الإنقاذ و أسست لها أحزاب آخرى، فالحزب الحاكم نفسه شهد انشقاقات و انقسامات عديدة في مسيرة الثلاث عقود، و مردها للنظام الشمولي الذي ليس فيه الموعين الديمقراطية التي تقبل الحوار الفكري السياسي و النقد.
و يقول الدكتور قطبي المهدي ردا علي سؤال هناك من يرى أن المؤتمر الوطني وقع في مآزق البديل؟ يقول " " المشكلة ليست في ترشيح البشير و لكن الحزب فشل في تقديم قيادات من الجيل جديد لمرشح الرئاسة و تقديمه كبديل بمستوى البشير يحكم من "اليوم الأول " و ما يجي يتعلم في الناس الحكم بسبب كنكشة الجيل الذي سبقهم و لم يجدوا فرصة المشاركة الفاعلة من السياسات و أتخاذ القرارات و إدارة الدولة" إذا كان الدكتور قطبي يؤكد أن ثلاثة عقود في الحكم عجز الحزب الحاكم أن يخلق قيادات بديلة، و يؤهل كوادر لإدارة الدولة، إذا لا يتوقع الشعب حدوث أي تغيير للأفضل، و الحزب الذي لا يستطيع أن يفرخ كوادر قادرة علي إدارة الدولة سوف تكون نهايته بنهاية حكمه للدولة مثل الاتحاد الاشتراكي الذي أسسه الرئيس جعفر نميرى.
كان المتوقع من الدكتور قطبي المهدي أن يميل لجانب الفكر في تحليله للواقع السياسي، و الانطلاق في حديثه بعيدا من المنصة الحزبية، و خاصة في رده علي اتهام الحزب الحاكم أختراق الأحزاب بهدف إضعافها، و محاولة صرفها عن قضايا النضال من أجل التغيير، بخلق نزاعات داخلها و انشقلقات تضعف بنيتها التنظيمية، و ذلك يرجع للخبرة التي أكتسبها الدكتور قطبي من خلال تواجده في السلطة، و خاصة موقع رئاسة جهاز الأمن و المخابرات، حيث كانت تتدفق عليه المعلومات من كل صوب يوميا، لكن فضل الدكتور قطبي أن يتحدث بلسان السياسي الذي تعود علي التبرير و الدفاع عبر هذا المنهج عن حزبه، و حاول نفي تهم ممارسة حزبه أختراق الأحزاب و أحداث أنشقاقات فيها و هي ممارسة متواصلة حتى الآن. و معلوم إن الأحزاب التي تأسست في كنف الدولة، و تغذت من ثدي الدولة، لا تستطيع أن تخرج من دائرة الشمولية، و معاداة الرآى الآخر، و بالتالي تمارس عملية شن الحرب علي الأحزاب الآخرى. لأن القيادات التي تلتف حول المؤتمر الوطني لم تكن جاءت مؤيدة لبرنامج سياسي، أنما جاءت مدفوعة بهدف تحقيق مصالح ذاتية، و تهدف من شن حرب علي الأحزاب الآخرى تأمين لمصالحهم، و هي نظرة تمليها المصالح الذاتية داخل الحزب الحاكم من قبل الذين تم تعينهم لأنهم آهل الولاء، و هو مبدأ مصلحي لا يمارس عملية التأكد من قدراتهم و مؤهلاتهم الذاتية، و هذه هي التي اقعدت بالعملية السياسية و هي التي فتحت باب الفساد في البلاد.
و حول قضية البرنامج السياسي و الهدف الوطني، يقول قطبي المهدي " قبل استشهاد الفريق الزبير محمد صالح كان الناس شغالين " السلطة" كدولة و هناك برنامج عام للبلاد كلها و المجتمع و الدولة، و كان هم الناس تحقيق نجاح السياسات العامة و آهداف الثورة، كان هناك حماس أدي إلي استخراج البترول و تصنيع السلاح و إنشاء الطرق و غيرها من الانجازات. لكن بعد ذلك حصل استرخاء كبير في الثورة، و أصبح كل شخص يدير مؤسسة أو وزارة في آطار مسؤولياته و صلاحياته الخاصة، و فقدنا روح العمل الجماعي، و بالتالي أصبح كل شخص لديه مجموعته ينفذوا السياسات، و حصل انفراط لعقد الدولة نفسها، و هذا القي بظلاله علي مجمل الوضع في الوطن و الولايات" من هذا الحديث يستشف أن موت الزبير سبب كل الإخفاق الذي تعاني منه السلطة، و إن العمل في الدولة كان يستند علي شخص واحد. و يؤكد قطبي أن الحزب الحاكم كان غائبا، و ليست هناك متابعة، أو محاسبة، و معرفة بالأوضاع داخل مؤسسات الدولة، أنما كل مؤسسة أصبحت ضيعة للمسؤول عنها، و هذه السياسة هي التي جاءت بفقه " التجنيب للمال المتبقي من الميزانية" و هو مال سائب " و يقول المثل الشعبي المال السائب يعلم السرقة" و حصل الفساد بصورة كبيرة في دولة ترفع الشعارات الإسلامية، ثم اتبعت ذات النخبة القيادية عملية الفساد عندما جاءت بما يسمى " فقه التحلل" السؤال كيف في أجواء مثل هذه، يستطيع حزب أن يعد قيادات مسؤولة تنهض بالبلاد، و هو يهئ لهم البيئة الملائمة للفساد؟
في مغالطة سياسية عن الدور الذي كان يجب أن تلعبه الحركة الإسلامية في السلطة و فشلت فيه، يقول قطبي المهدي " أن تقدم " الحركة الإسلامية" للدولة رؤى و أفكار تواجه بها المشكلات التي تقابلها، خاصة فيما يتعلق بتطبيق الشريعة الإسلامية، بجانب تقدم قيادات فاعلة تستطيع أن تنفذ برامج الدولة، و إلا فمن حقها " الدولة" أن تلجأ للتخطيط السياسي في البلاد، و لا تعطي أي امتياز للحركة الإسلامية" السؤال أيضا موجه للدكتور قطبي لماذا فشلت الحركة أن تلعب هذا الدور المنوط بها؟ و الحركة هي التي نفذت الانقلاب، و هي المسؤولة مسؤولية كاملة عن كل تجربة الإنقاذ، رغم إن البعض يحاول أن يجد لها مخرجا، باعتبار إن قيادة الحركة قد أقدمت علي حلها، بعد نجاح الانقلاب، و المنطق يقول إن الجهة التي خططت و نفذت الانقلاب يجب أن تمارس دور المراقبة و المتابعة لأنها المسؤولة تاريخيا أمام الشعب، و كان المتوقع إن للحركة مشروعا سياسيا تريد تنفيذه، و لكن واقع التجربة، يؤكد أن الحركة الإسلامية كانت جعبتها عارية من أي برنامج سياسي، اعتمدت الحركة علي مجموعة من الشعارات السياسية و التي تتغير حسب الأحداث و الطلب، و لكنها بدون مضامين سياسي، و أيضا أتضح إن النخبة التي قدمتها الحركة لكي تنفذ شعاراتها من خلال مؤسسات الدولة كانت أيضا تعاني من إشكالية فكرية، الأمر الذي جعلها تفشل في معالجة كل الآزمات التي مرت علي البلاد، و حتى الآن تعاني البلاد من أزمة سياسي و تطورت إلي أزمة اقتصادية حادة جعلت 80% من الشعب السوداني تحت خط الفقر العالمي " دولاارين في اليوم". و أيضا الدكتور قطبي لم يتعرض لقضية النخب التي كلفت بتنفيذ مهام في الدولة، و نخب أخرى قد تم إبعادها، حيث أن النخب التي صعدت للقيادة كانت قدراتها متواضعة بالمقارنة مع نخب قد تم إبعادها بسبب الإعتداد بفكرها. أن فشل الحركة الإسلامية في الحكم بالضرورة سوف تفتح باب نقد التجربة. و نسأل الله حسن البصيرة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.