تصر قيادة المؤتمر الوطني الحاكم علي الإنكار أن الأزمة في البلاد ليست سياسية، أنما هي نتيجة للأزمة الاقتصادية، و تم استغلالها من قبل قوي سياسية مدعومة من قبل أجندة خارجية، و الأصرار لأنها تريد أن تجعل الحوار يدور فقط حول الإصلاحات الاقتصادية، لكن الاعتراف أن الأزمة الاقتصادية تعد تمظهرا للأزمة السياسية، سوف يفتح باب الجدل حول التغيير السياسي و التحول الديمقراطي في البلاد، و هي الفكرة التي ترفضها النخبة الحاكمة، لأن أصرارها ليس بهدف إيجاد معالجات، و لكن الحفاظ علي النظام القائم الذي يحمي المصالح الخاصة للنخبة الحاكم، و المجموعات التي حولهم، و تحاول نخبة الإنقاذ في خطابها السياسي أن تمارس عملية العزل بين قوي المعارضة و الشباب الذين يتظاهرون، و هي فكرة تبين سوء الفهم، و معلوم أن استمرار التظاهرات نتيجة لدعم كبير يجده المتظاهرون من قبل القوي السياسية التي لها رصيد جماهيري في المجتمع، دون أن تعلن القوي السياسية ذلك صراحة، و محاولة النخبة الحاكمة إنكار ذلك يجعلها تخطئ في التقييم، و تسمح في ذات الوقت لقوي المعارضة بمحاصرتها في زاوية ضيقة لا ينفع معها حتى تقديم التنازلات مستقبلا.

أن التظاهرات و انتشارها في العديد من مدن البلاد، قد خلق واقعا سياسيا جديدا، يحتاج من كل القوي السياسية التعامل معه بصورة جديدة، و بعيدا عن التصورات السابقة، حيث أنه أدي لتغيير في ميزان القوى في المجتمع، و هذا الواقع الجديد خلق وعيا جديد، خاصة عند أكبر فئة في المجتمع " الشباب من 15 – 35 سنة" و هؤلاء استطاعوا أن يقدم إبداعاتهم في التعامل مع الأزمة، و كيفية إدارتها و محاصرة النظام، غير عابئين بردة العنف من قبل النظام، في القتل و إنتهاكات لحقوق الإنسان و العنف الفظي و استخدام العصى، و هي آخر خيارات النظام. في الجانب الآخر أن نخبة النظام لا تنظر للقضية بأفق وطني لكي يساعدها علي إيجاد حل أو تقديم مبادرة سياسية، لكنها تنظر للقضية من زاوية ضيقة جدا، في كيفية الحفاظ علي مصالحها، و عدم تعرضهم إلي المحاسبة إذا سقط النظام، و هي طمأنة لا تستطيع قوى المعارضة أن تقدمها، و ما تستطيع أن تقدمه، أن يوكل الأمر للعدالة و قضاء غير منحاز.
لقد أتاح إلي تواجدي في البلاد فرص لمناقشة عدد من القيادات السياسية حول ماهية سيناريوهات التغيير، خاصة أن القوى السياسية لم تقدم مبادرة سياسية تكون محور للنقاش، و يعتقد بعض من السياسيين، أن تقديم مبادرة في ظل استمرار التظاهرات سوف يكون مدعاة لاختلافات قد تؤثر علي سير التظاهرات في هذه الفترة، لكن إذا كانت هناك مؤسسات أكاديمية أو مؤسسات مجتمع مدني تستطيع أن تقدم مبادرات، تكون أفضل؛ لأنها سوف تحرك العمليات الفكرية وسط الشبيبة، و تجبر الآخرين علي تغيير طريقة تفكيرهم بما يتلاءم مع الواقع الجديد.
في جانب المعارضة، يتلمس الشخص في الحديث معهم، أن هناك سيناريوهين. الأول أن تستمر التظاهرات حتى تؤدي إلي عصيان مدني يشل الحركة في البلاد، و لا يبقي علي النظام غير أن يرحل. و السيناريو الآخر، أن تستمر التظاهرات و تتوسع في المدن بطريقة سلمية بعيدا عن العنف، و استمرارها سوف يزيد نسبة الوعي في المجتمع مما يؤدي إلي خروج كل الجماهير في وقت واحد، يؤدي إلي إجبار السلطة أن تسلم البلاد لكي يحدث التحول الديمقراطي، بعد أن يتم تفكيك كامل للحزب الحاكم من مؤسسات الدولة. و السيناريو الأول لا يختلف كثيرا عن السيناريو الثاني لآن المطلوب هو إسقاط النظام بصورة كاملة، بعد أن تنحاز القوات المسلحة لخيار الجماهير، و تمنع أي نزلاق للعنف، و تجريد مليشيات النظام من سلاحها.
في الجانب الآخر هناك سيناريو التسوية السياسية، و هذا السيناريو ينقسم إلي شقين. الأول تتبناه قوي ما يسمى ب " 2020" و هي قوي كانت قد شاركت في الحوار الوطني، و السيناريو يطالب أن تتفق القوي السياسية علي عملية التوافق الوطني، و أن يرحل رئيس الجمهورية عن السلطة، و يتم تشكيل حكومة انتقالية بالتوافق الوطني، الهدف منها هو أنجاز صناعة الدستور الدائم للبلاد، و العمل علي حل الأزمة الاقتصادية في البلاد، و أنجاز عملية وقف الحرب و تحقيق السلام، لكنها لا تتحدث عن محاسبة الذين أرتكبوا جرم في حق المواطنين و البلاد، و لا محاربة الفاسدين. و السيناريو الآخر هو السيناريو الذي يتبناه حزب المؤتمر الشعبي، الذي يريد أن يبقي الرئيس البشير علي رأس السلطة في فترة أنتقالية مع تقليص صلاحيته، حيث تنحصر في ملفين " الدفاع و الخارجية" و تكوين حكومة انتقالية تنجز عملية معالجة الأزمة الاقتصادية و صناعة الدستور، و تجميد أنتخابات الرئاسة، و إجراء الانتخابات البرلمانية لخلق شرعية جديدة، في اعتقاد قيادات المؤتمر الشعبي أن هذا السيناريو سوف يجنب البلاد الانزلاق إلي العنف و الحرب الآهلية. و غير مطلوب أنحياز القوات المسلحة لخيار الشعب، لآن السيناريوهين قد يتما بالتوافق السياسي، لكن تظل ولاءات الأجهزة القمعية " جهاز الأمن و المخابرات و القوات المسلحة و قوات الشرطة" إلي الحركة الإسلامية، و هذا غير مقبول لقوي المعارضة، و التي تريد أن تتحول مؤسسات الدولة و خاصة المؤسسات القمعية " الأمن و القوات المسلحة و الشرطة" إلي مؤسسات قومية لا تتدخل في العمل السياسي.
الملاحظ؛ إن الحديث عن السيناريوهات حديث قوي سياسية معارضة، و آخرى مشاركة في السلطة بموجب مخرجات الحوار الوطني، و لكن قيادات الحزب الحاكم لا تقدم أي مبادرة للحل، كأنها اقتنعت الأحداث الجارية قد تجاوزتها، و أصبحت أي مبادرة مقدمة منهم غير مقبولة، مما يؤكد أن النظام في حالة موت سريري، لا تنفع معه كل العلاجات، عليه أن يسلم و يرحل بس. نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////