نقل الرئيس البشير سلطاته في رئاسة الحزب الحاكم إلي أحمد هارون حتى انعقاد المؤتمر العام للحزب، و كان البشير قد أعلن في خطابه أنه يريد أن يكون علي مسافة واحدة من جميع الأطراف خلال المرحلة المقبلة. و نقل السلطة لا يعني أن البشير بالفعل لديه الإرادة أن يجري حوارا بين القوى السياسية، و يكون علي مسافة واحدة من كل القوى. تجربة حكم البشير في الثلاثين عاما، أكدت أن البشير لم يكن صادقا في أي تعهد يقدمه للقوى السياسية، أن الرجل فقط يبحث عن سببا لكي يجعله يستمر في موقعه، و دلالة علي ذلك أن الرئيس تعهد مرتين في إعلان كان مذاعا علي أجهزة الإعلام، قال فيه إنه سوف يلتزم بالدستور و لن يترشح مرة أخرى، و لكنه نكص عن وعده، و بدأ لتعديل للائحة الحزبية، و قدم للبرلمان مشروع لتعديل الدستور، و ألذان لا يسمحان للبشير بالترشح، بعد أن قضى فترتين في رئاسة الحزب و رئاسة الجمهورية. ثم وعد بتنفيذ مخرجات الحوار الذي دعا إليه، ثم بدأ في المناورة، و تنفيذ المخرجات بما يخدم رغباته و الحاشية التي من حوله.

الرئيس البشير علي علم يقيني بالتصريحات التي ذهب الفريق صلاح قوش يلقيها علي الصحافيين، و هي تشكل القاعدة الرئيسية لمبادرة الرئيس، مضمونها أن الرئيس سوف يستقيل من رئاسة الحزب الحاكم، و الثاني إنه لن يتم تعديل للدستور، و يفهم منه أن الرئيس لن يترشح مرة أخرى، و لكن جاء الرئيس بخطاب غامض غير مفهوم، شبيه بانقلاب قصر، الأمر الذي يؤكد أن البشير لا يصدق القول، و لا يمكن أن يكون جزءا من عملية تغيير، فالرجل خائف علي مصيره من المحكة الجنائية، لذلك لا يثبت علي رآي. و الحاشية التي حوله هي أيضا تبحث عن آلية لحماية مصالحها، و الفاسدون علي يقين أن وجود الرئيس علي قمة الدولة لن يعرضهم لمحاسبة قضائية، فالرجل يهرش فقط في المنابر لمحاسبة المفسدين دون أي فعل جدي، لأنه يعلم أن محاسبة المفسدين سوف تطال أسرته.
نقل الرئيس سلطاته الحزبية لنائبه، لا تعني جديدا، أنما هي مناورة جديدة لكي يمدد بها بقائه في السلطة، من خلال حوار جديد يستمر أيضا لسنين عددا، إذا كان البشير صادق فيما يقول كان قد نفذ مخرجات الحوار الوطني الذي كان يحسب له، و الذي قال عنه أنه الحوار الأول الذي يجري في السودان، و لكنه نكص كعهده، فالرجل بينه و بين الصدق بون شاسع. و أن القوات التي يعتمد عليها البشير في بقائه في السلطة، و يعتقد إنها صمام أمان لنظامه السياسي، لا تقف إلي جانبه حبا فيه شخصيا، أو لحسن إدارته للدولة، أنما لأن وجوده شخصيا يظل باب الفساد في الدولة مفتوحا، و لا يستطيع أن يغلقه، و هي لا تريد غير ذلك، فهي قوات أصبح القول عنها كثير، و أصبحت قوات أيدلوجية تنتمي لحزب و ليست قومية.
أن خطاب الرئيس البشير الذي تغير بعد اجتماعه مع الهيئة القيادية لحزبه، عندما دعا الرئيس الهيئة القيادية لاجتماع فقط لكي يقرأ عليها الخطاب للعلم بالشيء، و لكنه لأول مرة يواجه بحديث عنيف من قبل نائبه في الحزب فيصل حسن إبراهيم، و الذي كان علي علم بالاجتماع الذي عقده الرئيس مع مجموعة صغيرة بقيادة قوش و أحمد هارون، بعيدا عن الحزب و الحركة الإسلامية، و قال للرئيس أن استقالتك من رئاسة الحزب يجب أن تتبعها بالاستقالة من رئاسة الجمهورية، لأن؛ الرئاستان مرتبطتان مع بعضهما البعض، و لاول مرة يوجه الرئيس حديثا عنيفا مباشرا داخل حزبه، و الثاني تدخل الدكتور علي الحاج الذي كان رآيه، أن إعلان عدم الترشح و الانسحاب من رئاسة الحزب، تعني هزيمة الإنقاذ و بالتالي لن تقدم القوى السياسية للحوار، بل تريد المزيد من التنازلات التي سوف تضيق الخناق علي الإسلاميين، لكن يجب إعلانيهما من داخل الحوار لكي تكتمل صورة الوفاق الوطني.
أن الرئيس كان قد اجتمع مع رئيس جهاز الأمن و المخابرات، و نائبه الأول و وزير الدفاع، بحضور أحمد هارون و حامد ممتاز، و توصل الاجتماع أن يستقيل الرئيس من رئاسة الحزب و إعلان عدم ترشحه في انتخابات 2020م، و يتم تشكيل حكومة بعيدا عن المؤتمر الوطني و الحركة الإسلامية، و التي سوف تؤدي إلي تخفيف الضغط الذي يمارسه الشارع علي السلطة، و هناك معلومة وسط القيادات الإنقاذية تؤكد، أن الرسالة الشخصية للرئيس لبشير إلي لرئيس التركي، و التي كان قد نقلها وزير الحكم الاتحادي حامد ممتاز، تحتوي علي رغبة البشير أن يقضي بقية عمره في تركيا بعد التنحي، لذلك كان قد تم تعين حامد ممتاز مع بعض الوزراء عندما تم حل الحكومة مكافأة له، رغم إن حامد ممتاز كان يعتبر واحدا من رجال الدكتور نافع علي نافع.
الرئيس البشير مسؤول عن كل العنف الذي حدث في السودان، عندما قال في خطابه عام 1995م في بورتسودان من يريد السلطة عليه بحمل السلاح، فرئيس الدولة يدعو من يريد السلطة يجب عليه أن يحمل السلاح، و انتشر السلاح في كل من الجنوب و الشرق و الغرب في السودان، و أصبح السلاح هو الآلية الوحيدة من أجل التغيير، و مئات أرواح المدنيين البريئين راحت جراء عنف الدولة، و السياسة التي دعا لها الرئيس البشير. ثم وجهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات بجرائم حرب لعدد من قيادات الإنقاذ بسبب الإبادة التي تمت في دارفور، و كان أول القيادات المتهمة رئيس الجمهورية البشير، و أحمد هارون الذي نقل له البشير سلطاته في رئاسة الحزب الحاكم، فهل الرجل الذي أرتكب جرائم حرب و إبادة جماعية ضد المواطنين في دارفور و مناطق آخرى، يكون جديرا في حوار من أجل التحول الديمقراطي؟ فالجواب لابد أن يتعرض لتاريخ الشخصية و المبادئ التي جعلتها تنفذ هذه الإبادة، و انتشار العنف، فقبول نظام الإنقاذ للحوار تم تحت ضغط قوي من قبل القوي المعارضة، و الضغط الخارجي، و أن الشخصة الداعية للعنف الآن تبحث عن ضمانات بأن لا تتعرض للمحاسبة مستقبلا.
أن البشير و الذين يساعدونه في مناوراته، هؤلاء ليس لهم مصلحة في عملية التغيير السياسي، بل التغيير يتعارض مع مصالحهم الخاصة، و حتى القيادات التاريخية للحركة الإسلامية الذين ينتظرون وراثة نظام الإنقاذ، لا يفضلون تغيرا جوهريا في النظام، بل يريدون إصلاح علي ذات العمود الفقري لنظام الحزب الواحد، تلحق به القوي السياسية المعارضة، بديلا لأحزاب التوالي، فهو انقلاب ليس بهدف التغيير، و لكنه إعادة إنتاج الإنقاذ بصورة جديدة، فيها شيئا من التحسين لوقت محدود، و من ثم يواصل النظام مسيرته الأولي. نسأل الله حسن البصير’.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////