أن المبادرات السياسية في أي مجتمع تعتبر تقدم في درجة الوعي في المجتمع، و الوعي لا ينتشر و يتقدم إلا من خلال الحوار بين الأفكار المختلفة، و أن تكون هناك مواعين تستوعب هذا الحوار و تنظمه، بل أن تقدم مزيدا من مساحات الحرية، التي تساعد علي إطلاق الخيال، و النظر بعمق للمشكل، و ليس النظر إليه بشكل سطحي، والمشكل في السودان، إن السياسة باتت طاردة للعناصر التي تشتغل بالفكر، لذلك لا تجد في الساحة و لا في الآحزاب السياسية أن تكون هناك مساحة مقبولة لكي تتقدم الأفكار علي الفعل السياسي، حيث يمارس السياسيون السياسة بردة الفعل، أو قول رزق اليوم باليوم، الذي يسميه المفكر العراقي الأصل اللبناني المنشأ مهدي عامل " جدل السياسة اليومي" هذا الجدل اليومي لا يحل مشكل، لأنه يهتم و يتعامل بمعالجة الأحداث اليومية، و لا ينظر للقضايا بأبعادها المستقبيلة، و الأسباب التي أدت لها. في السودان تمارس السياسة بذات منوال جدل السياسة اليومي، حتى بات تقليدا عند كل القوي السياسية، إذا كانت حاكمة أو معارضة، و أصبحت القيادات في هذه المؤسسات قوى محافظة علي الإرث السياسي، هذه المحافظة نفسها تعد مشكل، لأنها تعيق تقدم التفكير الجديد، كما إنها تعتبر بيئة صالحة أن يتقدم الذاتي علي العام. حتى جاءت ثورة الشباب لكي تعدل في هذا المسار، و تغيير في طبيعة التفكير، من خلال إنها طرحت أسئلة جديدة، و هي تعتبر خطوة جديدة في العمل السياسي الراكد، أن تقدم شعارات جديدة و أسئلة جديدة.

تطرح ثورة الشباب العديد من الأسئلة و الاستفهامات، لأنها ثورة اندلعت في الشارع المعبأ أصلا بسبب حالة التدهور التي تمر بها البلاد " سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا" و أخذ الشباب زمام المبادرة و الأمر فيها، لذلك استطاعوا أن يحددوا آلياتهم و شعاراتهم، و هي ثورة لأنها تنادي بالتغيير الشامل، و هي ثورة لأنها أنتشرت في كل أقاليم البلاد، و هي ثورة لأنها فرضت شعاراتها علي الشارع السياسي، و هي ثورة لأنها استمرت رغم القمع الذي يمارس علي الشباب، و حالات القتل من قبل المؤسسات الأمنية، هي ثورة لأنها غيرت جميع الأجندة التي كانت مطروحة علي المنضدة السياسية، بالأمس كان الرئيس و قيادات الحزب الحاكم يقولون أن الحوار أنتهي، و لا مجال لفتح الحوار مرة أخرى، و يقولون علي الذين لم يشاركوا في الحوار أن يقدموا إضافاتهم الموجودة علي وثيقة الحوار، الآن يفتح الرئيس بابا جديدا للحوار، و تتبارى القوي السياسية المتوالية مع الحزب الحاكم في تقديم مبادرات لحوار جديد و أقدم البعض علي نقد الحزب الحاكم و البعض الآخر الخروج من دائرة تحالفهم مع المؤتمر الوطني. إذاً الثورة فرضت أجندتها حتى علي السلطة، و أصبح هناك بالفعل شبه انقلاب علي الوضع السياسي القائم.
الإشكالية التي لم يدركها العديد من السياسيين المرتبطين بالنظام الحاكم، إذا كانوا أحزابا أو حتى آجهزةإعلامية موظفة بهدف مساندة النظام، أن القضية ليست في الحوار السياسي، بل هناك أزمة ثقة كبيرة خلال تجربة الإنقاذ، خلقها النظام بنفسه بعدم الإيفاء بتعهداته، كما هناك فروق كبيرة في إختلاف الرؤى الفكرية، فمثلا مبادرة أحزاب 2020م و هي أحزاب مشاركة في النظام، أي في السلطتين التنفيذية و التشريعية، و هؤلاء قبل تقديم مبادرتهم كانوا يسألوا أنفسهم لماذا تقاعس الحزب الحاكم الإيفاء بتعهداته في تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، بل المعضلة كانت في القيادات التي هرولت من أجل المشاركة في السلطتين التنفيذية و التشريعية، و تركت مخرجات الحوار وراء ظهرها، و بات البعض يبحث عن تبريرات للسلطة في عدم تنفيذها للمخرجات حتى لا يفقدوا مواقعهم في أي تعديل وزاري قادم، الآن يقدموا هؤلاء مبادرة لكي تستمر السلطة لفترة انتقالية، علي أن لا يتم تعديل الدستور، و برروا ذلك، حتى لا تصبح البلاد في فراغ دستوري. هؤلاء مبادراتهم تبحث عن الكيفية التي تجعلهم يستمرون في مواقعهم. و المبادرة تجعل هؤلاء مناصري للنظام الشمولي، و الشعارات في الشارع تنادي بالتغيير من أجل الديمقراطية، و هناك خلاف بين الرؤيتين.
أن المعركة السياسي في البلاد، هي معركة حقيقية بين رؤيتين، إذا إعترفنا بذلك أو لم نعترف، بين دعاة النظام الشمولي و دعاة الحرية و الديمقراطية، أي صراع بين رؤيتين لا يلتقيان، إلا إذا تنازلت مجموعة عن رؤيتها، و لا يحسمها العنف و لا القمع المستمر الذي تمارسه السلطة، و يجد المساندة من أجهزة إعلام النظام، فالحوار الذي ينادي به الرئيس و بعض المشاركين في السلطة علي استحياء، هو مصطلح ديمقراطي لأنه يتم بين أفكار مختلفة، و دعاة الديمقراطية يقرون أن الحوار ليس فيه مهزوم و منتصر، أنما هو يفضي إلي توافق بين المجموعات المختلفة، و لكن علي قاعدة الحريات و الديمقراطية و هي الوحيدة التي تمتلك المواعين التي تتيح الحوار. فالشمولية لا تؤمن بالحوار، فهي تركز السلطة في يد شخص واحد لا يقبل معارضة آرائه، فأي دعوة من الشمولية للحوار لابد أن يدقق فيها، و يطالب الآخرون بضمانات. لذلك المبادرات التي تتكئ علي الحوار، عندما تأتي من مجموعة تتبنى رؤية النظام الشمولي و دولة الحزب الواحد يعتريها كثير من الشك....!
في خطاب الرئيس المعروف بخطاب الطوارئ، قال إنه سوف يكون علي مسافة واحدة من القوى السياسية، و كيف يكون ذلك مع إعلان حالة الطوارئ علي الشارع، الشارع الذي يحمل رؤية صاغها في شعاراته، أليس هذا أول أنحياز ضد أغلبية شعبية " تنادي بسلمية سلمية" و تمارس نشاطا سياسيا يبيحه الدستور، لكي تحمي نظام شموليا لا يحترم القانون و لا الدستور. إعلان الطوارئ يؤكد أن هناك قيادات في السلطة متمسكة بالنظام الشمولي، لأنه يحقق لهم مصالح خاصة، و يقول المثل " فاقد الشئ لا يعطيه " فإذا كان البحث يتجه بالفعل للحل من خلال حوار السياسي، يصبح مقبولا عندما يعلن الرئيس صراحة إنه لن يترشح مرة آخرى، و يستقيل من الحزب الحاكم، و يفك أرتباط حزب المؤتمر الوطني بالدولة و مؤسساتها، و هذا يتطلب تغييرا شاملا في هذه المؤسسات و خاصة المؤسسات الإعلامية، باعتبار إن الديمقراطية تتطلب قيادات جديدة مؤمنة بهذا التحول، و تستطيع أن تدير هذه المؤسسات بعيدا عن التأثيرات الحزبية. كل ذلك بهدف تهيئة البيئة بتوسيع دائرة الحريات و توسيع مواعين الديمقراطية.
المبادرات ذات المشروعات السياسية الوطنية، تقيم من خلال محتوياتها و مدى ملاءمتها للشعارات الديمقراطية، و مغادرتها لمحطة الشمولية، و الاتجاه مرة آخرى إلي البحث عن حوار توافقي بين القوى السياسية المختلفة، لكن الحوار بين القوى السياسية لابد أن يجعل هذه القوى علي بعد واحد من الدولة، و أنجاز الدعوات التي كانت تطلق من قبل و لا يقبلها أعضاء الحزب الحاكم أن يتم تفكيك حقيقي لحالة التماهي بين الدولة و الحزب، إلي جانب أحترام الجميع للدستور و القانون و عدم اللجوء إلي تعديله لتحقيق رغبات خاصة، أي العمل من أجل كيفية إعادة الثقة التي تشكل أرضية صالحة للحوار و تحقيق التوافق الوطني. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////

/////////////////
/////////////////
/////////////////