في أي عملية تغيير لمجتمع من المجتمعات يصبح النصر للقوى التي تملك مشروع سياسي و الآدوات التي تستطيع أن تنفذ بها هذا المشروع، إضافة للسند الشعبي الداعم، إلي جانب قدرتها علي استقطاب العناصر الفاعلة في المجتمع، و أيضا قدرتها علي جمع المعلومات و تحليلها، و هي تفعل ذلك دون ضجيج أو صراخ، لأنها متمكنة من أدواتها للتغيير. و هذه القوى لم تصنعها الثورة، و لكن خلقت لها الأرضية الخصبة التي ساعدتها علي البروز و تنفيذ جزء من مشروعها، و كان بروزها بقوة في الساحة السياسية من خلال أفكارها و كتابات العديد من الكتاب الداعية للتغيير عبر الفكر، و قبل الثورة أتخذت هذه القوى من منظمات المجتمع المدني قاعدة لانطلاق أفكارها، و قدمت من خلال العديد من المنابر رؤيتها للتغيير بكل هدوء.

لم يتخذ الديمقراطيون الجدد لهم أسما للعمل تحت رايته، بل كانوا جزءا من تجمع منظمات المجتمع المدني و المهنيين، و كانو حذرين في إرسال أي إشارات سياسية " و الديمقراطيون الجدد" أسم لم يطلقوه علي أنفسهم، بل أطلقته للتعريف عليهم، و هؤلاء برزو كتيار فكري ينادي بعملية الإصلاح و التغيير ليس علي مستوى السلطة، و لكن خاضوا التجربة داخل مؤسساتهم السياسية أولا، و أتخاذوها منصات للإنطلاق، و كانوا يعتقدون أن تفجير الصراع الفكري داخل المؤسسات السياسية سوف يجعلها تنفض الغبار المتراكم عليها، و يجعلها تنطلق بقوة في المجتمع، لكنها خسرت معركتها داخل مؤسساتها السياسية بسبب العقليات المتحنطة فيها، و احتفظت برؤيتها و أستطاعت أن تتقدم بها من خلال المنابر الديمقراطية المتاحة. كان الدكتور أمين مكي مدني رحمة الله عليه يعتقد أن التغيير الحقيقي في السودان سوف تخلقه منظمات المجتمع المدني باعتبارها المؤهلة لتقديم الرؤية الديمقراطية الجاذبة و لم تتأثر بالثقافة التقليدية التي صنعتها القوى السياسية، و هي عملية تحتاج لطريقة جديدة في التفكير و العمل. كنت قد كتبت مقالا قبل أيام عن القوى الحديث و رهان كل من الدكتورين فاروق محمد إبراهيم و أمين مكي مدني علي أن القوى الحديثة هي التي سوف تحدث التغيير.

ظهر تيار "الديمقراطيون الجدد" في الساحة السياسية كرؤية فكرية عقب إنهيار الاتحاد السوفيتي، و استطاعوا أن يقدمو رؤاهم، خاصة المجموعة التي كانت داخل الحزب الشيوعي التي دعت إلي نقد التجربة فكريا، و تبني تعدد مصادر الفكر عنها و أن تكون الماركسية واحدة منها، هذه الرؤية خلقت صدمة كبيرة للقيادات الاستالينية داخل الحزب الشيوعي. كان الخاتم عدلان من أول المبادرين لتفجير هذا الصراع داخل المؤسسة الحزبية، و أنطلق بها خارج اسوار المؤسسة، يقول الخاتم علان " هناك تمايز بين مشروعين، مشروع تقليدي يحافظ علي كل ما هو موروث خاصة فيما يتعلق بعلاقات القوة و السيطرة. و مشروع جديد ينسق كل هذا من أساسه لمصلحة أهل السودان" و يقول الشفيع خضر؛ الذي لم يكن بعيدا عن الخاتم عدلان، لكنه كان يعتقد أن الخاتم قد تعجل الخروج، يقول خضر في أحدي مقالاته التي كان قد كتبها في "جريدة الخرطوم " حول عملية التغيير يقول " مخرج السودان يكمن في الاستفادة من تجارب الماضي و تراكمها و بروز الجديد من التراكم و تبقى القضية المحورية و هي الربط بين الديمقراطية و التغيير الاجتماعي " و في ذات الموضوع يقول عبد العزيز حسين الصاوي " أن أي فكرة للتغيير السياسي لابد أن تكون مسنودة برؤى جديدة تتجاوز مخلفات الماضي و تصطحب معها التيارات الجديدة في المجتمع التي لها تفكيرا مغايرا. و ذات الفكرة كان مشدودا إليها الراحل محمد علي جادين الذي كان يقول " أن القوى السياسية الحالية عاجزة أن تخلق واقعا سياسيا جديدا، لأنها ما تزال تسير بذات طريق التفكير التقليدي، و ما تستطيع أن تنجزه هو مساومة مع النظام، و لكن التغيير الحقيقي يحتاج لقوى جديدة تستوعب أولا مفهوم التغيير و متطلباته. و هناك كتابات كثيرة قد سايرت هذه الرؤى الجديدة تجدها منتشرة في في كل من " سودانيل – و سودانيز أونلين – و الراكوبة" كتابات محمد محمود و صديق الزيلعي و أحمد إبراهيم أبوشوكو عبد العزيز سليمان و البراق النذير الوراق و الدكتور حيدر إبراهيم و الدكتور الواثق كمير و تيسير حسن أدريس و الدكتور معتصم أحمد الحاج و فدوى عبد الرحمن علي طه و شمائل النور و اسماء جمعة و شوقي بدري و فضيلي جماع و فيصل محمد صالح و صلاح شعيب و الدكتور إبراهيم الأمين و عمر الدقير و الباقر العفيف و غيرهم كثر و أيضا ظهرت كتابات جديدة داعية لمراجعات فكرية علي أسس ديمقراطية في تيار الإسلاميين الدكتور خالد التجاني و المحبوب عبد السلام والدكتور التجاني عبد القادر و محمد محجوب هارون و فتح العليم عبد الحي و الافندي و هؤلاء نقدو التجربة. و هناك صحف كاملة أستطاعت أن تخدم هذا المشروع " جريدة الجريدة – و جريدة التيار – جريدة إيلاف و سودانيل و سودانيزونلين و الراكوبة" هؤلاء كانوا سمات بارز للدعوة لتأسيس طرق جديدة للتفكير، يتجاوز التفكير الذي قد أورث البلاد الفشل، و كانت كتاباتهم أكثر عمقا و تحليلا لأنها مؤسسة علي أرضيات فكرية، تطرح تساؤلات تحاول أن تتجاوز بها الواقع المآزوم، و في نفس الوقت أن تؤثر علي الأجيال الجديدة في أن تتبنى طرق جديدة للتفكير بعيدا عن العواطف و الثقافة السياسية التقليدية.

أن كان أولئك قد استطاعوا أن يقدموا رؤية جدية تنتج ثقافة جديدة للأجيال الجديدة، دون أن يربطهم تنظيم، لكن هناك مجموعة استطاعت أن تستفيد من كل هذا التراكم و تدير معركة الديمقراطية داخل تحالف قوى الحرية و التغيير، و أن تفرض شروط التغيير، حتى عندما أرادت بعض قوى التحالف الإنحراف عن القواعد التي وضعت لاختيار عناصر السلطة التنفيذية رفضتها من خلال رئيس مجلس الوزراء، لسببين الأول أن تضبط المشروع من الانحراف للمحاصصة التي ظهرت بشكل جلي في مجلس السيادة. و الثاني أن تعرف قوى الحرية و التغيير أن ترشيحها لرئيس الوزراء لا يعني ذلك إنها سوف تستطيع أن تتعدى علي صلاحيته، بل أن الرجل يمتلك شخصية تجعله ينفذ رؤيته من خلال مجموعة متجانسة فكريا أولا. لذلك أشار الدكتور حمدوك في أول لقاء له أنهم لا يترددو من الاستفادة من كل التجارب الاقتصادية ببرجماتية، و هي القاعدة التي ينطلق منها هؤلاء " الديمقراطيون الجدد" لانجاز التنمية الاقتصادية. و في ذات الوقت إحداث عملية التحول الديمقراطي في البلاد. و هؤلاء هم الذين دفعوا بحمدوك لرئاسة الوزارة و خاضوا دون الظهور في المسرح عملية الاختيار، بهدف أن المعركة الديمقراطية هي معركة فكرية تحتاج لأحداث تغييرا شاملا في الثقافة السياسية في البلاد و تغيير في المناهج التي كانت سائدة منذ الاستقلال، و حمدوك نفسه فاهم أن هؤلاء جاءوا به لإنجاز معركة التنمية و الديمقراطية لآنهما يكملان بعضهم البعض. فالتنمية تعني الاستقرار و في ذات الوقت توسيع قاعدة الطبقة الوسطى التي تشكل صمام أمان للديمقراطية.

ينطلق الديمقراطيون الجدد من رؤية أن نقد التجارب السابق لا يتم إلا من خلال الاشتغال بالفكر، و الهدف منها إحداث تغيير في الجانب المعرفي، باعتبار أن الميل إلي توظيف الفكر في حل الآزمات المختلفة في البلاد، سوف يجعل العناصر الفكرية تصعد لقمة المؤسسات الحزبية بديلا للعناصر التنفيذية التي انحرفت بالمؤسسات ناحية الشللية و التكتل، الأمر الذي أضعفها في أداء مهامها، هذا التغيير سوف يرسخ عرى الديمقراطية في المؤسسات و يجعلها تنتج الثقافة الديمقراطية التي تشكل الأرضية لنجاح و استمرار الديمقراطية. و في ذات الوقت سوف تشكل تحدي علي الأحزاب إما أن تحدث إصلاحات حقيقية و تحديث لمؤسساتها أو إنها تعاني من الركود و الخفوت، كما هؤلاء سوف يستفيدون من الفترة الانتقالية لكي يحولوا فيها الصراع من الشعارات إلي حوارات فكرية تخلق وعيا جديدا في المجتمع. نسأل الله حسن البصيرةز نواصل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.