انقلاب 25 مايو: هل كان انقلابا شيوعيا؟
هل كان بابكر عوض الله عميلا لمصر؟

واشنطن: محمد علي صالح

بعد ثمان حلقات عن نظام نميري من مقتطفات من وثائق وزارة الخارجية الامريكية من سنة 1975 (آخر سنة كشفت وثائقها)، تبدأ هذه الحلقات من البداية.  من يوم 25 مايو 1969.  يوم قاد نميري انقلابا عسكريا، والغى حكومة ديمقراطية انتخبت انتخابا حرا:
انقلاب شيوعي؟:
التاريخ: 25-5-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: انقلاب يساري
"بعد منتصف الليل بقليل، وقع اليوم انقلاب عسكري يساري بقيادة العقيد جعفر محمد نميري الذي صار رئيسا لمجلس قيادة الثورة ووزيرا للدفاع.  وعين اليساري بابكر عوض الله رئيسا للوزراء.  
حسب معلومات اولية غير مؤكدة وصلت الينا، يوجد ثلاثة شيوعيون في الوزارة الجديدة: فاروق ابو عيسى، جوزيف قرنق، والشبلي (؟).  وهناك يساريون من الجناح اليساري للحزب الاتحادي الديمقراطي، حزب اسماعيل الازهري، رئيس مجلس السيادة الذي الغاه نميري.  
اذا تأكد ان الشيوعيين وراء الانقلاب، او يسيطرون عليه، او يؤثرون عليه تأثيرا كبيرا، سيكون السودان اول دولة افريقية وعربية يسيطر عليها الشيوعيون ...
في نفس الوقت، تحرس دبابات ومصفحات القصر الجمهوري ...
حتى الآن، لا نعرف اذا كان الانقلاب يمثل فقط عددا قليلا من ضباط القوات المسلحة من قاعدة الخرطوم وقواعد مجاورة.  لكننا عرفنا ان قواعد عسكرية في اماكن بعيدة لم تحدد مواقفها.  واعلنت الاذاعة ان اللواء حمد النيل ضيف الله، نائب القائد العام، وينتمي الى حزب الامة، اختفى.  وايضا اختفي ضباط كبار آخرون ...
الساعة الآن التاسعة صباحا، ولم يعلن حظر تجول، ولم نسمع باعمال عنف او اشتباكات في الشوارع.  نلاحظ ان حركة السيارات في الشوارع عادية.  ولم تقطع الكهرباء، لكن، من وقت لآخر، تقطع خطوط التلفونات ... "
تقيم الانقلاب:
التاريخ: 25-5-1969
من: قسم الاستخبارات والبحوث، وزارة الخارجية
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: انقلاب السودان اليساري
"حسب معلوماتنا، يحيط الخوف بالعقيد جعفر نميري وزملائه العسكريين الذين استولوا على الحكم اليوم في السودان.  يخافون على ارواحهم، ومن حركة عسكرية مضادة من داخل نفس القوات المسلحة.  الآن، هم يهددون بالقتل والسجن كل من يعارضهم، وكل من يمارس نشاطا سياسيا ضد ثورتهم.
نتوقع ان تقاوم الانقلاب، قريبا او بعيدا، طائفة الانصار الاسلامية ...
خلال الاربع سنوات الماضية، منذ نهاية عهد عسكري آخر بقيادة الفريق ابراهيم عبود، ظل النظام السياسي في السودان يتأرجح. وظل عدم الرضا عنه ينتشر.  وظل يعتمد على تركيبة تاريخية اجتماعية دينية متوازنة تقريبا، بين طائفة الانصار التي تقودها عائلة المهدي، وطائفة الختمية التي تقودها عائلة الميرغني.  مع مناورات ومؤامرات ومخابرات وتحالفات وتكتلات. مسرحها احزاب سياسية، ومحركها عائلات دينية.
خلال الفترة القصيرة الماضية، استطاع محمد احمد محجوب، رئيس الوزراء الذي عزله نميري، ان يحكم وكأنه يسير على سلك معلق في الهواء، متحاشيا القرارات الكبيرة التي ستهز ميزان القوى الديني السياسي.  وفي ديسمبر، زادت مشاكل محجوب عندما اصيب بمرض قلب كاد ان يقتله ... "
الحزب الشيوعي:
التاريخ: 25-5-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: طلب معلومات
"اشارة لبرقيتنا السابقة، هناك مؤشرات بان الانقلاب العسكري الذي وقع اليوم انقلاب شيوعي، ان لم يكن الشيوعيون يقفون وراءه، وان لم يكن يسيطرون عليه.  نحتفظ نحن بمعلومات قليلة عن الحزب الشيوعي السوداني.  وذلك لأن السفارة، في سنة 1967، احرقت كثيرا من وثائقها عندما اعلنت حكومة السودان قطع العلاقات الدبلوماسية معنا خلال حرب يونيو في تلك السنة.
نود ارسال مزيد من المعلومات لنا عن الشيوعيين السودانيين ..."
خليل عثمان:
التاريخ: 26-5-1969
من: السفير، الكويت
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: خليل عثمان
"اليوم وعلى جناح السرعة، طلب مقابلتي د. خليل عثمان، رجل اعمال سوداني يعيش في الكويت، ويدير شركة اسماك الخليج التي يملكها وزير خارجية الكويت.  فعل ذلك كصديق قديم، ولأني سفير الولايات المتحدة هنا ...
قال انه سيسافر غدا الى السودان ليعارض الانقلاب العسكري.
وقال انه وقائد الانقلاب درسا معا، وانه يعرفه معرفة قويه، وان قائد الانقلاب وقع ضحية مؤامرة شيوعية منظمة.
وقال خليل عثمان انه غادر الخرطوم الليلة التي سبقت الانقلاب، ولم يكن يعرف انه الانقلاب سيحدث.  وقال انه تحدث اليوم لفترة طويلة مع سفير السودان في الكويت، لكنه لم يقل لي تفاصيل الحديث.
وقال خليل عثمان انه لا يريد ان يتصل بالسفارة الامريكية في الخرطوم خوفا من المشاكل.  لكنه قال انه مسافر الى هناك لمساعدة الذين يعارضون ما اسماها السيطرة المصرية الشيوعية على السودان.  وقال ان الرجل الثاني في الانقلاب، بابكر عوض الله، رئيس الوزراء، شيوعي مصري ... "
عبد الخالق محجوب:
التاريخ: 27-5-1969
من: قسم الاستخبارات والمعلومات، وزارة الخارجية
الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: الحزب الشيوعي السوداني
(مقتطفات من تقرير)
"يوجد في الحزب الشيوعي السوداني ما بين خمسة وعشرة آلاف عضو، "ويل تريند كادر" (مدربون تدريبا جيدا)، ويدعمهم الاتحاد السوفيتي، وعندهم خبرة عشرين سنة، خاصة في العمل السري ...
خلال سنتي 1964 و1965 (خلال وبعد ثورة اكتوبر التي اسقطت حكومة الفريق عبود العسكرية) حاول الشيوعيون السيطرة على الحكم.  لكنهم فشلوا.  غير انهم استعملوا كل اساليبهم الفعالة في الاغراء، والرشوة، والابتزاز ...
رغم قلة حجمه، يقدر الحزب الشيوعي على كسب تأييد نسبة كبيرة من المثقفين، والعمال، والشباب، الذين يمكن ان يعتمد عليهم انقلاب نميري ...
يقود الحزب قيادة قوية عبد الخالق محجوب، السكرتير العام.  وبسببه، حقق الحزب الآتي:
اولا: حافظ على موقف قوي مؤيد للروس ضد الصين في الصراع العقائدي والحدودي بين البلدين.  
ثانيا: ايد غزو قوات المعسكر الشيوعي لتشيكوسلوفاكيا (سنة 1968) بعد ان كانت تمردت على سيطرة موسكو.  
ثالثا: اسكت  نقد اعضائه لروسيا لأنها، خلال الحرب بين العرب واسرائيل (سنة 1967) لم تتدخل لمنع اسرائيل من هزيمة العرب واحتلال اراضي عربية.
في الجانب الآخر، كافأ الروس ولاء الحزب الشيوعي السوداني بتمويل نشاطات الحزب، وتمويل وزيارات قادته للخارج.
لكن، خلال السنوات القليلة الماضية، تنازع قادة الحزب، وتنافسوا للسيطرة عليه.  في سنة 1968، ظهر اول تحدي رئيسي لعبد الخالق محجوب من داخل اللجنة المركزية، لسببين:
اولا: زواجه من عاهرة.
ثانيا: اصراره على معارضة حذرة،  بدون مواجهة، لحكومة الاحزاب الطائفية.
وقبيل انقلاب نميري، كان اربعة، على الاقل، من اعضاء اللجنة المركزية يريدون عزل عبد الخالق محجوب، وهم:
اولا: الشفيع احمد الشيخ، اكبر قائد نقابي في السودان.
ثانيا: فاروق ابو عيسى، عينه نميري وزير دولة.
ثالثا: احمد سليمان، الآن سفير في موسكو.
رابعا: د. الطاهر عبد الباسط (؟) ...
الآن، يبدو ان جناح عبد الخالق والجناح المعارض تصالحا مؤقتا بهدف زيادة نفوذ الحزب في حكومة نميري.  لكن، في المستقبل القريب، يوجد احتمال تحدي جديد لقيادة عبد الخالق محجوب ... "
اندريه ميخالوف:
التاريخ: 28-5-1969
من: وزارة الخارجية، واشنطن
الى: السفير، الخرطوم
صورة الى: السفير، موسكو
الموضوع: انقلاب السودان
"اليوم في زيارة غير متوقعة، جاء الى وزارة الخارجية اندريه ميخالوف، مستشار في السفارة الروسية هنا في واشنطن، وقابل المسئول عن الشرق الادني ومصر. وصار واضحا انه يتلصص للحصول على معلومات عن انقلاب السودان.  
قال ان سفارتهم في واشنطن لم تتسلم اي معلومات عن الانقلاب، لا من سفارتهم في الخرطوم، ولا من رئاسة وزارة خارجيتهم في موسكو.  
فهمنا منه انه يعتقد اننا نعتقد ان الانقلاب مؤامرة روسية ...
وقال له المسئول الامريكي انه يرى ان نميري، بصورة عامة، شاب سوداني وطني. لكن، يوجد اطباع مؤكد ان الانقلاب يساري، وذلك لسببين:
اولا: بيانات وسياسات الانقلابيين.
ثانيا: يرتبط عدد من الوزراء بالحزب الشيوعى السوداني.
وسأل ميخالوف اذا كان قادة الانقلاب اليساريون يميلون نحو روسيا او نحو الصين. وقال له المسئول انه لا يعرف.  لكن، ربما تعرف السفارة الروسية في الخرطوم، ولهذا اقترح عليه الاتصال بسفارتهم في الخرطوم ... "

بابكر عوض الله:
التاريخ: 28-5-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: بابكر عوض الله
"خلال السنتين الماضيتين، عرفت معرفة قوية بابكر عوض الله، الذي صار رئيس وزراء الانقلاب العسكري، وزوجته.  قابلتهما كثيرا في مناسبات اجتماعية في منازل اصدقاء مشتركين.  وقبل شهر، جاءا الى منزلي للعشاء بدعوة مني.  وكان جزءا كبيرا من نقاشي معه عن مشكلة الشرق الاوسط، وخاصة اسرائيل،  وخاصة سياستنا نحوها.
يؤيد الفلسطينيين بدون حدود.  واتوقع ان يقدم، كرئيس للوزراء، كل دعم للفدائيين الفلسطينيين.   وقال امس في تصريح صحافي ان العرب يجب الا يتصالحوا مع اسرائيل.  والا يتنازلوا عن شبر واحد من اراضيهم.  وان يعيدوا الى الفلسطينيين ارضهم وممتلكاتهم ...
ويتلخص انطباعي عنه في انه سوداني ملخص وقومي عربي.  وقبل الانقلاب العسكري، ثم بعده خلال اليومين الماضيين، تحدثت مع اصدقاء له، وكلهم اكدوا انه يساري، لكنه ليس شيوعيا.
احيانا، يصف هو نفسه بوصف "ماركسي"، لكنه يسارع ويقول انه لا ينتمى الى الحزب الشيوعي، ولا يتبع خط موسكو.  ربما يمكن وصفه بأنه "يساري جديد." و"معادي للامبريالية".  وانتقد كثيرا سياستنا نحو كوبا وفيتنام، وقال اننا لا نملك حق التدخل في شئون الدول الاخرى.
لم اسمعه ينتقد التدخل الروسى في تشيكوسلوفاكيا، لكنى اتوقع انه كان سيعارضه بنفس المستوى.
على اي حال، يؤمن ايمانا قويا بأراء معينة في السياسة الخارجية ...
ليس مناكفا او عنيفا.  وعكس كثير من السودانيين، يمكن اجراء نقاش هادئ وعقلاني معه رغم الاختلاف في الآراء.
في الماضي، كانت له علاقات وثيقة مع مصر.  وتشبه اغلبية آراؤه اراء الحكومة المصرية ...
ونملك ادلة قوية انه كان عميلا لمصر في السودان ...
رغم ذلك، خلال مناقشاتي معه، كان ينتقد المصريين.  واحساسي العام هو انه يؤيد السياسة المصرية في العالم العربي، لكنه لا يريد لمصر ان تسيطر على السودان.  ومرة قال لرجل اعمال سوداني شريكه في تجارة، وايضا صديقي، انه لا يريد اقامة علاقات تجارية مع المصريين لأنه يرفض ان يسيطروا عليه ...
انه يقدس العمل، ويحس بالمسئولية.  ومرات كثيرة انتقد سياسيين سودانيين، واتهمهم بالفساد، واستغلال مناصبهم للاثراء الشخصي.  يقال عنه انه شخصيا نزيه، ولا تشوبه شائبه، ويعيش حياة متواضعة.  وحسب معلومات رجل الاعمال صديق الطرفين، ليس ثريا، ولكنه متوسط الحال ...
كصديق، سيكون سهلا علينا الاتصال به والحديث معه.  عكس شخصيات مثل الشيخ على عبد الرحمن الذي كان وزيرا في وزارة محمد احمد محجوب التي الغاها انقلاب نميري.  لكن، لا يوجد اي شك عندي بأن علاقات الصداقة التي تربط بيننا لم، ولن ، تكن عائقا امامه لتنفيذ مسئولياته، واداء واجبه ... "
--------------------------------
(يتبع)
------------------------------
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>