مشروع رؤية أولية لمعالجة الازمة السودانية

أخاطبكم باسم جبهة القوى الثورية الديمقراطية أحدى الخيارات السياسية للقوى والشخصيات الديمقراطية الساعية من أجل وطن ديمقراطي مستقر ، تكفل فيه الحقوق الاساسية والحريات العامة ، وتزال عبر اليات الحكم الرشيدة الظلامات التاريخية التي لحقت بكثير من مناطق السودان المهمشة ، والشرائح العريضة من أبناء الشعب التي ظلت تعاني الفقر والبؤس والتهميش. وتنطلق الجبهة من مبادئ راسخة تقوم على الاعتراف بواقع التنوع العرقي والديني والثقافي في السودان ، وبحق كافة أبناء السودان في المشاركة في إدارة شئون بلادهم. وترى الجبهة نفسها إمتداد طبيعي لكافة التحركات الخيرة لابناء شعبنا من أجل تحقيق هذه المبادئ وحليف استراتيجي لكل القوى السياسية والحركات والشخصيات الديمقراطية الساعية من أجل تحقيق هذه الاهداف السامية والخروج ببلادنا من واقع الازمة المستمرة لرحاب الدولة الديمقراطية المستقرة.   

إن مشاركتنا في هذا الملتقى الهام تأتي باعتباره امتداداً للجهود الشعبية التي ظلت تقوم بها القوى السياسية السودانية الديمقراطية في كل المنعطفات التاريخية التي تمر بها بلادنا، وكان ابرزها مؤتمرات قوى الانتفاضة في مدني وملتقى كوكادام للسلام ، ومؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية وغيرها من الفعاليات في اطار حشد الجهود لتعزيز الدور الشعبي في معالجة الازمات السودانية المستعصية.

وتأكيداً على قناعتنا بأن المشكل السوداني قومي الاصل ولا يمكن تجزئته، وان التجارب السابقة التي اتسمت بالحلول الجزئية للقضايا ، مهما اختلفت مسمياتها ، لم تستطع ايجاد حلول جذرية لقضية السودان التي تعتبر أزمة نظام الحكم جوهرها.

عليه نامل من خلال هذه المساهمة الصادقة مع الاخرين المساهمة في إكمال الحلول الجزئية باتفاق مجمع عليه حول قضية السودان في دارفور ، و تكامل الحلول في اطار قومي يقود الى حل المشاكل الرئيسية التي تواجه بلادنا و التي نلخص ابرزها في الاتي:

أولاً : العمل على استعادة الدولة السودانية

الدولة في العالم الثالث الموروثة من الفترة الاستعمارية نجحت (بالقوة والاكراه) في فرض هيمنتها وبسط نفوذها المطلق على كافة قطاعات الشعب ومؤسساته ، ولكنها في كثير من الدول ومن بينها السودان ، لم تنجح في انجاز مهمة الدولة الاساسية باعتبارها المركز الرئيسي لانضاج القرارات القومية وتجميعها واعادة نشرها وتوزيعها على مجموع القوى الاجتماعية الفاعلة في المجتمع، وبدلاً من ان تقوم الدولة بدور العامل الرئيسي في تجاوز التناقضات الاجتماعية وخلق النسيج الوطني المتجانس ، شكلت من خلال قراراتها وسياساتها، طرفاً اساسياً في كافة النزاعات الاجتماعية الدائرة منذ الاستقلال والي اليوم.

لقد بات واضحاً  ان الخيار امامنا اليوم هو بين بناء الدولة الحديثة دولة الحريات والديمقراطية التي تسع الجميع، و بين الحروب الاهلية و التشرزم وتحول السودان الى دويلات عدة. لقد نالت دولتنا استقلالها في منتصف القرن الماضي، وهي الان مهددة بشكل جدي بالانقسام، وما قد يتبع ذلك من تفتيت، والرجوع بها الى مرحلة الدولة القبيلة، وذلك بسبب السياسات السالبة لانظمة الحكم المختلفة وأخيرا اختطاف الدولة بكاملها من قبل مجموعة سياسية بعينها وتسخيرها بشكل غير مسبوق  لمصالحها الضيقة وسياستها غير الحكيمة التي أورثت البلاد واقعا مأزوما وضع البلاد على حافة الانهيار والتشرذم .

عليه فإننا ندعو الي حشد كافة الجهود السياسية للعمل على كيفية استعادة الدولة السودانية المختطفة للشعب السوداني باجمعه ، والعمل على بنائها وفق مباديء وقيم متفق عليها لتاخذ شكل الدولة الديمقراطية الحديثة، وتترك خلفها تبعات دولة الاستعمار وما لحقها من تشوهات خلال عقود الحكومات السابقة. و الدولة المنشودة هنا، هي دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية، والحريات العامة، والعدالة الاجتماعية، والكفاءة وتكافؤ الفرص ، وهذه الدولة لا تنهض الا على إعلاء قيم المواطنة وكونها قادرة على استيعاب مختلف التكوينات الاجتماعية، و الثقافية، و الدينية، و العرقية وتجاوزها ، بحيث تقف الدولة على مسافة واحدة من جملة مواطنيها، قصد تنظيم حياتهم الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وتحقيق التنمية التي توفر لهم جميعاً سبل العيش الكريم. دولة تتيح ايجاد سلطة منظمة للمجتمع، حامية له وملبية لاحتياجاته ومتطلباته، لا منتجة لسلطة متسلطة على المجتمع و على مقدرات البلاد ورقاب الناس، يغيب عنها التفاعل الايجابي السلمي بين االفئات المدنية والاهلية، ومختلف الطوائف والقوى الاجتماعية.

يجب علينا العمل على الفصل النهائي بين مفهوم الدولة و مفهوم السلطة، حيث ادى الدمج الذي قام به حزب المؤتمر الوطني لتنظيمه السياسي في السلطة، ومن ثم دمج السلطة نفسها في الدولة ، ادى الى وجود سلطة  فوق الدولة هي مصدر كل الشرور والازمات الحالية. وعليه لا بد من رفع شأن الدولة مما يرفع من شان المجتمع والناس امام السلطة التي طغت وابتلعت الدولة وتستبد بالناس حاليا وتعيث في موارد البلاد فسادا وإفسادا. إن هذا الخلط المشين بين مفهوم الدولة والسلطة السائد حاليا ، أدى الي الخلط بين واجبات المواطن تجاه الدولة، وبين واجباته تجاه السلطة التي يخضع لها، وكذلك بين واجبات المسئول في السلطة تجاه السلطة التي يمارسها بشكل مؤقت، وبين واجباته تجاه الدولة التي يعيش في كنفها ويحظى برعايتها كمواطن في دولة قبل ان يكون مسئولاً في سلطة. وحول السلطة نفسها تنظرنا عدة معارك على رأسها معركة شرعية السلطة بين السلطة كحقيقة اجتماعية سياسية مقبولة اجتماعياً وبين سلطة تقوم كأمر واقع يقوم على القوة والتسلط والقهر دون مر اعاة لخيارات الشعب وقواه الحية.

كذلك نرى ضرورة السعي لفتح قنوات الحوار في كيفية العمل على ربط الدولة بجذرها المدني كي تتصالح مع جملة مواطنيها ومع العصر ومتطلباته وتقترن بالحداثة و الديمقراطية والتوازن الاجتماعي و التنمية المنشودة لمختلف مناطق السودان على ان تبقى الدولة في النهاية تلك المؤسسات الكبرى التي ترعى المصالح الجماعية العليا على حساب الانتماءات الضيقة التي تحاول اغتيال الدولة السودانية وابتلاعها لصالح عصبيات وعصبويات فئوية مصلحية ضيقة ، والمأمول في نهاية المطاف هو الوصول الى اعادة بناء الدولة السودانية سواء عرفت في الماضي عند البعض بدولة الاستعمار أو دولة الجلابة أو دولة المؤتمر الوطني الى الشعب السوداني لتكون دولة المجتمع، دولة بمعناها الحديث تجد اساسها في تحقيق مفاهيم المواطنة والديمقراطية التعاقدية.

ثانياً : المعالجة الجذرية للظلامات التاريخية

1-     ضروة العمل على توحيد نظام الحكم:

مع عدم المساس بالسلطة الاقليمية في جنوب السودان المنصوص عليها في إتفاقية السلام السودانية والدستور الانتقالي ، نرى أن يقوم نظام الحكم الفدرالي بشمال السودان على التحويل الفعلي للسلطات لاقاليم شمال السودان القائمة على حدود مديريات السودان عام 1956 بحيث توزع المسئوليات بين المستوى القومي والمستوى الاقليمي والمستوى الولائي والمستوى المحلي. على أن تنشأ سلطة اقليمية منتخبة لكل اقليم وفقاً لدستور اقليمي يحدد السلطات و المهام الحصرية التي يتم الاتفاق عليها بحيث تمثل السلطة بالنسبة للولايات التابعة للاقليم والعمل كحلقة وصل مع الحكومة القومية على ان يراعي في تكوين المجلس التشريعي الاقليمي التمثيل على مستوى المحليات.

والجدير بالذكر ان حكومة السودان إلتزمت بعقد مؤتمر جامع وذلك في إتفاق سلام الشرق في المادة (5) (12) و التي تنص على الاتي :

" دون المساس بواقع جنوب السودان الوارد في الدستور القومي الانتقالي يتفق الطرفان على ان تعقد حكومة السودان مؤتمراً قومياً على مستوى الوطن في نهاية العام 2007 لمراجعة نظام الهيكل الاداري الحالي للدولة، يشارك في المؤتمر ممثلو أجهزة الحكومة القومية التنفيذية و التشريعية، ممثلو الاجهزة التننفيذية و التشريعية الولائية وممثلو لااحزاب السياسية، ومجموعات المجتمع المدني و الخبراء ذوو الصلة، وتلتزم حكومة السودان بقبول وتنفيذ توصيات هذا المؤتمر"

يتم انشاء نظام قضائي اقليمي مستقل حتى مرحلة الاستئناف على ان تكون المحكمة  العليا قومية توحيداً للمعايير القضائية النهائية. كما يتم انشاء محاكم قومية متدرجة في المسائل ذات العلاقة بين أكثر من اقليم او التي تتعلق بشئون السلطة القومية.

2-     اعادة بناء جهاز الدولة السودانية على اساس المهنية و والكفاءة و الحيدة بحيث يلبي الطموحات المشروعة في التنمية و الاستقرار.

3-     ترسيخ مبدأ سيادة حكم القانون واستقلال القضاء وكفالة الحريات إلتزاماً بالدستور القومي الانتقالي مما يتوجب إلغاء كافة القوانين المتعارضة مع الدستور والمعيقة للتحول الديمقراطي المنشود.

4-     المحاسبة ورد المظالم :

التأكيد على المحاسبة العادلة عن كل الجرائم والجنايات التي ارتكبت في حق الوطن وفي حق الجماعات والافراد، ورد الحقوق الى أهلها و التشديد على عدم السماح بان يفلت الجناة من العقاب باسم السيادة الوطنية وايجاد آليات مناسبة لمحاكمة مرتكبي انتهاكات حقوق الانسان و وضع الاليات المناسبة لضمان عدم تكرارها، وتحقيق ذلك بتبنى الاتي:

       الاتفاق على صيغة يتضمن بموجبها القانون الجنائي السوداني جرائم الحرب والجرائم ضد القانون الانساني الدولي وفقاً لقانون روما بما يمكن القضاء السوداني من النظر في مثل هذه الجرائم.

       تكوين لجنة قانونية من قانونيين أكفاء محايدين مستقلين عن النائب العام ومتفق عليها لاجراء التحري و التحقيق في كل الافعال التي تشكل جرائم ضد القانون الانساني الدولي وجرائم الابادة وفق قانون روما ، وانتهاكات حقوق الانسان واسقاط اي حصانة تلقائياً على أي متهم في تلك الجرائم على الرغم من أي قانون آخر مخالف.

       يجب السعي لتنقية الحياة السياسية والاجتماعية من كل احزان ومرارات الماضي بالاستفادة من تجارب الشعوب الاخرى بتشكيل آلية للحقيقة والمصالحة تعمل على كشف الحقائق والاخطاء وتشجيع الاعتزار و التعافي.

5-     الفترة الانتقالية:

اثبتت التجربة العملية أنه وبعد مضي اكثر من ثلاثة ارباع الفترة الانتقالية الواردة في اتفاقية السلام الشامل لم تستطع حكومة الوحدة الوطنية انجاز المهام المطلوبة للمرحلة الانتقالية والمتمثلة في تحقيق الامن وتوفير فرص الحياة الكريمة لمجموع الشعب وبناء الثقة بين مكونات الدولة و السلطة ونسبة لأهمية انجاز المهام الرئيسية هذه لا بد من التراضي حول تمديد الفترة الانتقالية بما يمكن من انجاز السلام في دارفور وتحويله الى واقع يعزز فرص اعادة بناء الدولة السودانية ويفتح الطرق أمام مرحلة النهضة الوطنية الشاملة. كما ندعو للنظر في تأجيل الانتخابات العامة القادمة لحين إقرار السلام في دارفور ، والاتفاق على الاحصاء السكاني ، وإجراء الاستفتاء لجنوب السودان ليقرر أبناء الجنوب مصيرهم في البقاء ضمن السودان أو تكوين دولة مستقلة. و لا نرى اي حكمة في اجراء انتخابات عامة يتم بعدها إتخاذ قرار تقرير المصير بل من الاوفق ان يتم تقرير المصير اولا ثم إجراء الانتخابات العامة إما لكل السودان في حال الوحدة او لشمال السودان في حال الانفصال.

ثالثاً: سلام دارفور

ان ازمة دارفور هي نتاج طبيعي لازمة نظام الحكم المركزي في السودان، عليه فإن جوهر الحل يكمن في ايجاد حل شامل لقضايا السودان المصيرية . الا ان ذلك لا يمنعنا من  التعامل مع واقع التسويات الجزئية التي فرضتها الاتفاقيات السابقة بين حكومة السودان و الاطراف الاخرى خاصة في جنوب السودان، و للمساهمة في ذلك نطرح ملخصاً  لمشروع السلام في دارفور على النحو ادناه على أمل الاتفاق بين القوى السياسية حول القضايا الجوهرية :

-      مشروع نظام الحكم :

تدار دارفور بحكم فدرالي يقوم على التخويل الفعلي للسلطات الى الاقليم بحيث توزع السلطات في اقليم دارفور بين المستوى القومي و المستوى الاقليمي والمستوى الولائي والمستوى المحلي الى حين اتخاذ قرار نهائي بشأن نظام الحكم لشمال السودان.

-      المشاركة في مؤسسة الرئاسة :

يتم الاتفاق على تحديد مهام كبير مساعدي رئيس الجمهورية بوضوح على ان تتضمن المهام التالية :

o      يتخذ الرئيس القرارات بموافقة كبير مساعدي الرئيس كجزء من مؤسسة الرئاسة فيما يلي :

      إعلان و إنهاء حالة الطوارئ

      إعلان الحرب

      دعوة السلطة التشريعية القومية الى الاجتماع وتأجيلها و تعطيلها.

      التعيينات الواجب على الرئيس القيام بها وفقاً للاتفاقية.

o      يتخذ المجلس الرئاسي قراراته بالاجماع والتوافق.

o      يعمل كبير مساعدي رئيس الجمهورية كمستشار رئيسي للرئيس فيما يتعلق بتنفيذ الاتفاقية والتنسيق مع حاكم الاقليم.

o      مشاركة الحركات في السلطة الانتقالية على كافة المستويات القومية والاقليمية والولائية والمحلية مع ضمان مشاركة كافة مكونات المجتمع الدارفوري السياسية و الاجتماعية.

o      ضرورة الاتفاق على فترة انتقالية كافية تمكن الاطراف من انفاذ ما تم الاتفاق عليه بما يؤسس لبناء السلام الاجتماعي واستدامته.

رابعاً: مشروع الاليات:

1-     تبني الدعوة لعقد مؤتمر سياسي قومي تشارك فيه كافة القوى السياسية بدون استثناء للتداول حول الاجندة القومية الواردة في "ثانياً" بما يمكن من ايجاد اطار قومي لمتابعة تنفيذ كافة الاتفاقيات ضمن الفترة الانتقالية الجديدة ، و يمكن لهذا اللقاء ان يبادر بتكوين لجنة تحضيرية للمؤتمر تكون مهامها التحضير من حيث الاوراق والحضور واجندة المؤتمر ومكان وتاريخ انعقاده.

2-     تنسيق الجهود الاقليمية و الدولية لعقد اجتماع تحضيري يضم كافة الحركات الدارفورية بغرض توحيد موقفها  التفاوضي وإيجاد آلية لاستيعاب رؤى مكونات المجتمع المدني والاهلي الدارفوري ويمكن لهذا الاجتماع المساهمة في تكوين لجنة مصغرة بقيادة الحركة الشعبية وبمشاركة القوى السياسية للتنسيق مع دول الجوار الاقليمي لانجاح الاجتماع التحضيري بتوسيع المشاورات مع الحركات.

3-     توحيد المنابر التفاوضية ضرورة قصوى من أجل انجاح المساعي السلمية لحل ازمة دارفور ، كما ان مشاركة كافة الفصائل والحركات الدارفورية في مفاوضات السلام أيضا من موجبات الحل مما يستدعي التصدي الحازم لكل دعوات الاقصاء والهيمنة التي تطلقها بعض الجهات بحثا عن مصالجها الخاصة والتي لا تؤدي بالضرورة لحل نهائي وشامل للازمة.

ختاما يطيب لنا ان نتوجه بالشكر والتقدير للاخوة في الحركة الشعبية على إستضافة هذا المؤتمر ولاعضاء اللجنة التحضيرية على الجهود التي بذلت في التحضير لهذا المؤتمر وندعو كل القوى السياسية التي لم تشارك للنظر بجدية في أوراق المؤتمر والعمل مع الجميع على تنفيذ توصياته من اجل الاستقرار والسلام في بلادنا.

 

صلاح محمد عبدالرحمن (ابوالسرة)

رئيس المكتب السياسي