نص خطاب السيد رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الوطنى أمام الجلسة الأفتتاحية للمؤتمر العام الثالث للمؤتمر الوطنى :

 

نحمد الله على جليل نعمه وعلى توفيقه ومزيد فضله ، ونصلى ونسلم على رسوله الكريم وآله الاطهار واصحابه الميامين والسلام على رسل الله اجمعين. الضيوف الكرام

 

 

 

..الاخوة أعضاء المؤتمر الوطنى.. الأخوة ممثلو الاحزاب والتنظيمات والقوى السياسية الوطنية.. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته يسرنى ويسعدنى في فاتحة هذا اللقاء المبارك ان ارحب بضيوفنا الكرام الذين شَرَّفوا هذه المناسبة بقدومهم، واكرموا شعبنا وبلادنا باستجابتهم لدعوتنا ، وشهود هذه المناسبة التاريخية المحمَّلة بالمعانى والرموز، فلهم شكرنا وتقديرنا. كما يسرنى ان ارحب باعضاء المؤتمر ، واهنئهم بثقة اخوانهم الذين انتدبوهم لينوبوا عنهم سواء من الولايات أو القطاعات أو الفئات، فاهلاً بكم في دار المؤتمر الوطنى متحملين مسئولياته ، ناهضين باعبائه في مرحلة متقدمة من مراحل تكوينه واستوائه. وانى لأرى في حضوركم هذا الجامع الحاشد ، رمزية عظيمة لتنوع بلادنا الرحيبة ، بتباين قبائلها وأقاليمها وتعدد قطاعات المجتمع السودانى ، من شباب وشيوخ ونساء وفئاته من زراع ورعاة ومهنيين وحرفيين ورجال أعمال ومشايخ وعلماء.إنكم بتمثيلكم لوحدات المؤتمر ومؤسساته التى انداحت في كل بادية وحاضرة، كل قرية ومدينة ، تربطون ربوع الوطن المتباعدة وتجسدون وحدته الوطنية الحقيقية ، ببروز كيانكم هذا ، كياناً متماسكاً وتياراً وسطياً مستنيراً.انكم تشكلون باجتماعكم هذا لوحة ثلاثية الابعاد ، متمازجة الالوان-هى السودان. وفي مشهد ضيوفكم الكرام يتجلى معنى آخر يملأ القلب راحة بما يمثله من اتساع علاقات المؤتمر وعمق صداقاته في كل انحاء العالم، ومايجسده من حقيقة ارتباط المؤتمر بمحيطه الجغرافى وبعمقه التاريخى. ان قيام مثل هذا المؤتمر بكل ما يمثله ويجسده أمر هام وحيوى وقيّم ،في هذه المرحلة من تطور بلادنا السياسى والدستورى، بل ان له عبرة في تاريخ المنطقة جميعاً-المنطقة التى تشهد منذ زمن طويل اضطرابات سياسية وصراعات تمنع استقرارها على نهج دستورى واحد. لقد اثبتت التجربة التاريخية ان قيام الاحزاب وتنافسها ووصولها الى البرلمان أو السلطة ، وقيام الانقلابات العسكرية وفرضها نظاماً احادياً ،كل ذلك ممكن ولكنه لا ينتج نظاماً دستورياً مستقراً حتى تتجذر الاحزاب في مجتمعاته وتصبح معبرة حقيقة عن تنوعها واشواقها،وحتى يكون للمؤسسات السياسية مهما اختلفت اسماؤها، اتصال وثيق بمجتمعاتها وتعبير صادق عن هذه المجتمعات. لذلك فإن تكوين الاحزاب بناءً على قاعدة سياسية واجتماعية واسعة، وتاسيس كيانها على تنظيم شورى لا فوقى ولا سلطوى، وترسيخ نظم الاختيار والتمثيل والانتخاب في هذه الاحزاب لَهَّيَ الاركانُ التى تَضْمَنْ استقرار الكيانات السياسية، وثِبُوتِهاَ في وجه الاضطرابات والتقلبات ،والاختراقات والتدخلات وما اكَثرَها. لقد انعقد مؤتمركم هذا ، بعد اكتمال مؤتمرات الولايات والقطاعات في فترة وجيزة،وفي ظلِ ظروفٍ سريعةَ الايقاع داخلياً وخارجياً ،ولكن في انعقاده برغم جميع الصعوبات والتحديات رسالةٌ صريحة لشعبنا وللمراقبين من حولنا: أولاً:بان المؤتمر الوطنى في السودان عازمٌ على احترام المواثيق التى وقعَّها ،وفيها قيام الانتخابات ،وفق جدول زمنى تضمنته اتفاقية نيفاشا ، ليقوم بذلك رئيسٌ للجمهورية مُنتَخب ، وتنشأ مؤسسات منتخبة تنفيذية وتشريعية على جميع مستويات الحكم ومجلس وطنى منتخب ،ثم يترتب على ذلك فيما بعدُ الاستفتاء بحق الجنوب وتقرير مصيره. ثانياً:بعزْمِنَا على انفاذ ما وعدَ به المؤتمر الوطنى في الدورة الماضية من وقفِ الحرب وتحقيق السلام ، واستكمال إجراءات التطور السياسى والديمقراطى ، وما وعد به المؤتمر الوطنى بالانتقال بالمجتمع والدولة الى مرحلةٍ من التعددية السياسية قائمةٌ على المُنافسة الحُرَّة. ثالثاً:وبأن ثقتنا في شعبنا كاملة ، ولا نخشى الاحتكام اليه ، وردَّ اموره الى شُورَاهُ ،دُونَ تسلطٍ او تزييفٍ للارادة. الأخوة اعضاء المؤتمر.. إنكُم وَرَثةٌ لتجربةٍ سودانية اصيلة ، وممتدة عبر تاريخ السودان الحديث ،ولَكِنَكُم بصفة خاصة وَرثَةُ تجربة الانقاذ ، بمراحلها المتعددة ، ويَجْدُرْ بكم ان تجعلوا من اجتماعكم هذا التاريخى ، وقفةَ تأملٍ واعتبار بما ملَكَّتنَا له المسيرة المباركة واوقَفتنَا عليه ، سواء في محيطنا الداخلى او الخارجى (نذكر هنا بعض ملامحها البارزة): أولاً:لقد جاءت الانقاذ في مرحلة كانت بلادنا قد اضطربت احوالها ، وتهددت نظامها حركات التمرد ، وتوقفت فيها مشروعات التنمية ، وعَمَّها الفقر ،كما ان موقف السودان في الخارج كان موقف إزراءٍ وهَوَانْ، لَمَّا كان اقتصاده معتمداً على المعونات الاجنبية ، وجيشه مُفتقراً لادنى الاحتياجات التجهيزية ، فضلاً عن العتاد والسلاح

 

سلكت الانقاذ الطريق الصعبة ، وهى طريق الاستقلال والاعتماد-بعد الله - على قدرات ابنائها ، وعلى مواردها وحرصت على تأصيل مناهجها والثقة بالنفس في ارتياد المجهول ، وسلوك النهج العلمى في تجريب الاشياء، وعدم الرِكُون الى المُسلّمات ، وفي كل ذلك اعتمدت الثقة بالله والتوكل عليه رازقاً )هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ(. وحامياً ناصرا ) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ( وبناء على هذه المبادئ والعقائد تأسست تجربتنا السياسية والاقتصادية رغم كل المشاق والعقبات الكئود لتقف شاهداً على امكان تحقيق المستحيل أو ما يظنه الناس من المستحيل. لقد احاط بالتجربة من بدايتها المكر السيئ ووضعت في طريقها العقبات ، وتكررت محاولات الاختراق لسيادتها وامنها ، واتبعت جميع الوسائل لانهاك اقتصادها ، وتفريق كلمة ابنائها واستخدمت آلة الإعلام الحديث بضخامتها وسلطانها لتشويه سمعة البلاد ، ورسم صورة بشعة لها مخالفة للواقع ،مجافية للحقيقة. وكان كل ذلك من اجل منع الانموذج من التحقق ،نموذج الدولة الافريقية القائمة على قيم اصيلة ،المرتبطة بمجتمعها وتراثها، ،المستقلة بقرارها، المعتمدة في تنمية مواردها على غير الاطر النمطية الاستغلالية، نمط الديون من صندوق النقد والمعونات من المستعمر. ولايجب ان ننكر ان التحديات الخارجية وما كانت لتؤذى بلادنا لولا ما فيها من هشاشة البناء الإجتماعى ، فهى كغيرها من البلاد النامية -لا سيما الافريقية- تقوم على نظام اجتماعى قبلى ، لم تكتمل فيها عناصر الانصهار القومى، ولم ترسخ فيها تجربة سياسية حديثة ،حيث ان نظامها السياسى القديم الذى كان قائماً قبل الاستعمار كان نظام من الادارة الاهلية المعتمدة على شيوخ القبائل والعشائر ومن السلطانات المحلية ، ثم جاءت تجربة الاستعمار فلم تؤسس لنظام متكامل ، بل اعتمدت خليطاً من الادارة المحلية الاهلية والمؤسسات الحديثة. كما ان الامية الضاربة في الارياف تجعل من الصعب قيام نظام سياسى حديث ، يعتمد اصلاًَ على استقلال الفرد ومعرفته بحقوقه وواجباته ، ومن نقاط ضعف مجتمعاتنا امكن دائماً اختراقها ، واشعال الحروب القبلية فيها ، لتكون مدخلاً للمنظمات المشبوهة التى تُهجَّر الاطفال ليباعوا في اسواق العالم المتمدن (!) ، والتى تجند العلماء ، وتسلح الحركات المتمردة وتدعمها بالإعلام ، والتأييد الدبلوماسى الواسع ، وتتخذها مطايا للاستعمار الحديث والوصاية على الشعوب. الاخوة والأخوات.. الضيوف الكرام.. أّذكر بأننا ورثنا حرباً دامية في جنوب السودان امتدت نصف قرن من الزمان ،وقد قررنا منذ مجيئنا للحكم ايقافها وحقن دماء ابنائنا في الشمال والجنوب سواء. ومع كل جهود الحوار ،ووساطة الوسطاء ، فأن الوصول إلى سلام لم يكن ممكناً ، لولا تضحيات جسام قدمها شهداء الوطن،دماء زكية لعل ثمرتها هى السلام الذى تحقق ، والآتفاقيات التى وقعت.وقد استغرق التفاوض على هذه الآتفاقيات المفصلة نحو سنتين من التفاوض الشاق الطويل والصبور، واستغرقت تجربة إنفاذ بنودها أربع سنوات هى التى تنتهى بالانتخابات ثم بالاستفتاء. ومن عجيبٍ أن القوى التى كانت تدعم حرب الجنوب هى نفسها التى فتحت علينا -في عشية توقيع الاتفاق والوصول إلى سلام-نيران الحرب في دارفور بإعلام مكثَّف واستعجال لإجراءات التدخل الدولى في هذه القضية التى كانت قبل ذلك نزاعاً قبلياً محدوداً قابلاً للاحتواء في إطار التشاور المحلَّى. ولا تزال هذه القوى ترجف بالأقاويل عن السودان حتى تواترت شهادات الأجانب بأن دعاوى الإبادة الجماعية وجرائم الحرب لا حقيقة لها، وأن الواقع على الأرض هو أن الحرب قد انتهت،وإن كانت آثار النزاع من معسكرات نزوح،ومن قرى مخربة لا تزال تنتظر الحل النهائى،ويجدر هنا أن أبشر بأن قضية دارفور تؤذن بإنتهاء قريب،فالمواطن الدارفورى راغب في سلام واستقرار، وأسباب التنمية امتدت ، وأصبحت مشاهدة للعيان،وحركات التمرد تشعر بفقدانها أسباب الاستمرار ، ومع ذلك فأن عنادها المستمر وتعنت قياداتها نقابله بالصبر وسماحة النفس داعين ابناء السودان جميعاً لاسيما ابناء دارفور ألا يكونوا مطية للأجنبي وأن يعودوا ليخدموا قضية مواطنيهم من خلال مشروعات التنمية،ومن خلال مؤتمرات الصلح ، ليضرب السلم والأمن في أرض دارفور فسطاطاً ممتداً ، وتعود كما كانت تضج سماؤها بأصوات القراء والمؤذنين ، لا بأصوات السلاح والقنابل. لقد انتقلت تجربتكم من الثورية إلى الدستورية عبر خطوات مدروسة وصبورة،وفتحنا باب الحوار الهادئ بين المواطنين في القوى السياسية المختلفة،وكان من ثمرات هذا الجهد أن التجمع المعارض لحكومتكم قد توصل إلى آتفاق معها،ومن خلال ذلك بالأتفاق فأن أكثر أطرافه أصبحت جزءا من حكومة الوحدة الوطنية،والأطراف التى لم تشأ المشاركة فأنها جزء من العملية الدستورية ، وسواء كانوا شركاء أو معارضين فأنهم يتحملون معنا مسئولية المرحلة ، فمرحباً بهم،وأبواب الحوار مفتوحة ، والتطور السياسى مفتوح كذلك.وأن التطور الدستورى والسياسى الهادف إلى استكمال مؤسسات الدولة على قاعدة الحرية للجميع والمسئولية عليهم،هو جزء من إيماننا وأصولنا الثابتة ، وديننا الذى ندين به ، كما أنه جزء من المواثيق التى وقعناها ، وهو برنامجنا السياسى الذى نتحاكم به إلى الشعب. وقد قطعنا في هذا المشوار أشواطاً مقَّدرة بأصدار قوانين الانتخابات ،وانشاء المفوضية المسئولة عن اجرائها واستكمال السجل وتحديد الجدول الزمنى لقيام المجلس الجديد ثم الحكومة الجديدة ثم الاستفتاء في جنوب السودان. في المجال الاقتصادى.. الأخوة والأخوات.. الضيوف الكرام.. لقد كانت تجربتنا في المجال الاقتصادى فريدة ومميزة،لأن السودان الفقير المديون قرر في مرحلة حرجة أن يستخرج نفطه بقدرات ابنائه وبشراكة آسيوية متحررة عن الهيمنة الاستعمارية التى تستصحب أن النفط والطاقة هما ملك للدول الكبرى،وما الأرض التى تكون فيها إلاّ أرض مستاجرة للشركات الكبرى ، تفرض هى قيمتها وتقرر أجورها ، ونجحت هذه التجربة وأصبح السودان منتجاً للبترول ومصدراً له ، واختفت صفوف السيارات التى تنتظر الأيام ذوات العدد أمام طلمبات الوقود. وفتحت هذه النعمة على السودان أبواب الاستثمار ومكنته من بناء البنيات الأساسية اللاّزمة لأية نهضة اقتصادية،فشبكات الطرق البرية،وشبكات الإتصالات العالمية،والموانى والمطارات كل ذلك شهد في بلادنا تقدماً عظيماً. ولكن ذلك جلب على بلادنا كثيراً من المتاعب والحسد ، نواجهه بالتجاهل ونمضى قدماً في أسباب التنمية. انتقل السودان من مرحلة المعونات والنمو السلبى ، إلى مرحلة اقتصادية جديدة ، شهد فيها صندوق النقد الدولى بسرعة نمو الاقتصاد السودانى الذى اصبح ثالث أكبر اقتصاد في افريقيا جنوب الصحراء والسادس في كل القارة. ولقد تأسست كذلك نهضة صناعية بنمو قطاعات السكر والأسمنت والبتروكيماويات والجلود والإتصالات والبناء،ووضعت بلادنا أرجلها على طريق الصناعات الكبرى بتصنيع السيارات والطائرات الصغيرة وأنواع السلاح المختلفة. ولكننا نؤمن بأن الزراعة هى المصدر الأفضل والآقرب إلى طبيعة بلادنا ومواردها ، ولذلك فقد التفتت الدولة التفاتة كبيرة للنهضة الزراعية ، وتتجه إلى انطلاقة في المجال الزراعى لتحقق الحلم القديم بأذن الله في جعل السودان سلة للغذاء على نطاق القارة والجوار القريب. وعلى وجه العموم فأن السودان مقبل على مرحلة من النمو الاقتصادى غير مسبوقة،فقد شهدت بلادنا سيلاً من المستثمرين في كل المجالات،وحلَّت بدورها أعظم مشكلات الاستثمار، المتمثلة في قوانينه وفي بنيات البلاد الأساسية. وبعد دخول كهرباء سد مروى إلى الأنتاج نستقبل مرحلة جديدة لاتكون فيها الطاقة عائقاً أمام الانتاج أو الاستثمار أو الصناعة. ونتوجه بأذن الله إلى استخدام التنمية ، وما تحقق من نهضة إلى الحد من معدلات الفقر،وإلى توجيه المشروعات نحو تشغيل الشباب وتوظيف طاقاتهم الخلاقة،وإلى التوسع في مشاريع الرعاية الاجتماعية بنظم التمويل الأصغر وتطوير نظام الزكاة والأوقاف ، ونظم التكافل الإجتماعى الأخرى ، لنحقق أهدافنا في العلاج المجانى والتعليم المكفول بواسطة الدولة،وكذلك في مشروعات الاسكان لمحدودى الدخل وما يتبع ذلك من مشروعات تستهدف الرقى بالمواطن في أسباب حياته المادية والروحية. المجال الإجتماعى والثقافى.. أيها الأخوة والأخوات.. أيها الضيوف الكرام.. لقد حرصنا على تنمية إجتماعية وثقافية ترقى بالمجتمع السودانى سلوكاً وخلقاً وفكراً ، وكان التعليم في ذلك هو المحور الأساسى،وهو دائماً مناط التنمية ، فأولينا الأقاليم عناية في توزيع المدارس وأسسنا لانتشار التعليم العالى لتكون الجامعات بدورها مراكز إشعاع في الولايات كافة،وسعينا في ربط مناهج التعليم بالبيئة وبأولويات التنمية ، وكفلنا لأبناء الولايات الفقيرة أماكن خاصة في الجامعات،وجعلنا التعليم الأساسى متاحاً بلا تكلفة في معظم الأصقاع النائية حتى بالنسبة للرحل والبادية. أيها الأخوة والأخوات.. السادة الضيوف الكرام.. لقد أسسنا في بلادنا لمشروع إجتماعى لا صراع فيه على أساس العرق أو الدين ، ومن هنا فأن صيغ التعايش الدينى والتعاون بين الطوائف المختلفة ضمنت في اتفاقية نيفاشا،ووثقت بنودها في دستور السودان ، حيث نص على نظام المواطنة ، وتساوى الحقوق والواجبات،وبذلك قام مشروعنا الحضارى المؤسس على قيم الدين وليس فيه تعارض مع حقوق الأقليات الدينية ، ولا انتقاص من حقوقها السياسية أو الإجتماعية،بل أسسنا مفوضية لرعاية حقوق غير المسلمين في عامة البلاد حيث تطبق أحكام الشريعة الاسلامية تضمن لهم ألا تنتقص حقوقهم ولا تطبق عليهم أحكام فيما لا يلزمهم به دينهم. إننا نفتخر بارثنا الحضارى في السودان القائم على تعايش ودى بين الناس ، وتسامح في العلاقات والأفكار،وقد استفدنا من هذا الارث الحضارى في بناء تجربتنا،فكانت بلادنا مع حرصها على تأصيل قوانينها،والوفاء بحقوق المسلمين،كانت كذلك انموذجاً لحرية أهل العقائد وتعاونهم وتعاملهم بسماحة وود مع المسلمين ، ومن شواهد ذلك أن هذا المؤتمر الوطنى يضم المسيحيين والمسلمين،ويضم الأقباط وابناء الجنوب ، مع كونه أقرب الأحزاب لأهل التصوف الاسلامى وعلماء الدين كافة. وهذا النمط من التجربة الحضارية فيه نموذج يحتاج إليه عالمنا المعاصر،ويسرنا أن تكون عبرته قابلة للتطوير والاستنساخ في بيئات عالمية تحتاج لحوار الحضارات لا تصادمها ، وتعاونها لا احترابها. معالم المرحلة القادمة.. أيها الأخوة والأخوات أعضاء المؤتمر.. أيها الضيوف الكرام.. يسرنى ونحن نستقبل مرحلة جديدة في تاريخنا أن أضع أمامكم معالم المرحلة القادمة في كلمات: - إن الحرية هى أصل مبادئنا وبرامجنا،وهدفنا أن تتحقق في جميع أنحاء السودان ، لتكون سبباً في الأزدهار والنمو ، ومصدراً للإلهام والإبداع والفن

 

- إن المؤسسات القائمة على حرية الأختيار والانتخابات هى وسيلة لتأكيد مبدأ الحرية ، ومظهر من مظاهرها ولذلك فأننا أعلنَّا ونؤكد التزامنا بقيام الانتخابات في موعدها،مع التزامنا بشفافيتها،ونزاهتها والإشهاد عليها. - الحوار ،ومرجعية الشعب في الاختيار هى الحل لجميع مشكلاتنا السياسية والإجتماعية ومن خلاله تزال الشحناء وتسوى الاختلافات وتسترد المظالم وتذهب كل رواسب التاريخ ومخلفات المجتمع المتخلف. - التنمية مدخل لحل مشكلات التطور ونزاعات التخلف،وندلف إليها من أبوابها الإنسانية بمفاهيم اسلامية،فهى تقوم على سد الحاجات الكفائية وتحقيق انسانية الأنسانية ، ولا تكون تنافساً محموماً يولد الأحقاد الإجتماعية ولا يزيل الشح من النفوس، فتنمية الانسان وبيئته والرقى به وبأسباب حياته هدفنا ووسيلتنا إلى مجتمع الأخوة والتكافل وسعادة الناس. - وحدة السودان ارضاً وشعباً هدف استراتيجى لا عدول عنه،وسبيلنا إلى تحقيقه هو الوسائل السياسية والاقناع وبناء الثقة،وإشاعة العدل الإجتماعى والسياسى. - الاستفتاء في جنوب السودان حق كفلته الآتفاقية،ومهما اختلف على بعض تفاصيله ، فأن أصل الاستفتاء لا اختلاف عليه بشفافية ووضوح وأن يكون في موعده وأن يكون لأبناء الجنوب جميعاً حق الأشتراك في تقرير مصيرهم. - ندعو ونحرص على عدالة إجتماعية تضمن توازن التنمية وشمولها وانسانيتها،ونحرص على تطبيق آتفاقيات قسمة الثروة بما يضمن تكامل عناصر الثروة ، وتكافل الولايات فيما بينها وبحيث يشعر المواطن ، كل مواطن ، بالحقوق المتساوية والفرص المتكافئه. - المشاركة في السلطة متاحة لأبناء الوطن جميعاً من خلال مؤسسات التنافس السياسى السلمى،وعبر الاختيار الحر والتمثيل النيابى مع استبعاد نظام الحصص على أساس العرق أو الدين أو الجهة أو اللون.والتطور السياسى والحزبي وبناء الجبهات والتحالفات،في آية حكومة قادمة حق متاح،ونسعى على أساس الأهداف المشتركة والقضايا المصيرية الجامعة أن نوحد كلمة القوى السياسية على ثوابت أساسية ، كما نسعى لشراكات مع القوى الأقرب في برامجها والأقدر على تحمل المسئوليات معنا،وتضمن لسوانا ما يضمنه لنا من حقوق دستورية سواء في الحكم أو المعارضة. في علاقاتنا الخارجية نؤسس لعلاقات صداقة مع الجميع،قائمة على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. ومن هنا نسعى لتقوية علاقات الصداقة مع الصين وبقية دول آسيا. ونتطلع لعلاقات وثيقة مع روسيا. ونسعى لعلاقات تكامل وائتلاف مع عالمنا العربى والافريقى والاسلامى،ونجتهد في تطوير علاقاتنا هذه في اتجاه بناء اتحادات اقليمية قوية وفاعلة ومؤثرة. نسعى بصدق ومثابرة لتأسيس علاقة تفاهم ودّى مع أوربا وأمريكا من منطلق القيم الحضارية المشتركة والأهداف الإنسانية الجامعة،ومن أجل المصالح الاقتصادية والثقافية ذات الإمكانات الواسعة في هذين الفضائين ، ونتطلع إلى تحقيق ما دعا إليه قادة هذه الدول من الحوار والاحترام ونفى الوصاية والاستغلال والظلم والتبعية. أيها الأخوة الأعضاء والأخوات.. أيها الضيوف الكرام.. لقد قام استقرار البلاد المستقرة ، بل تأسست حضاراتها على وجود بنية سياسية من الكيانات الحزبية المنظمة على شورى،وتمثيل،والقادرة على استيعاب التباين الفكرى أو الاقليمى أو الطبقى في بنيتها تلك،وبلادنا تستشرق مرحلة تأسيس تلك البنية السياسية،ونتطلع إلى قيام أحزاب قلت أو كثرت،يجب أن تكون في تماسكها الداخلى ، وفي وضوح برامجها،وفي حيوية تفاعلها مع محيطها ، قادرة على استيعاب التباين القائم في بلادها ، ومؤهلة لتوفير مواعين سياسية ذات سعة قومية لا اقليمية ولا طبقية ولا قبلية،بل قومية شاملة لتنوع السودان الواسع،وأن يكون على رأس هذه البنية من الاحزاب حزب عملاق لاينفرد بدونها ، ولا يستغنى عنها ، ولكنه يكون بحجمه وامكاناته،وقدرته على تحمل صدمات الحياة السياسية،وهزاتها العنيفة،وباستعداد أبنائه لتقديم الشهداء والدفع عن الأرض والعرض متى نادى النداء ودعا داعى الفداء ، فليكن ذلك الحزب هو أنتم يا أعضاء المؤتمر الوطنى ، كونوا أنتم سفينة النجاة للسودان ، كونوا أنتم رجال التضحية ونساء الفداء ، كونوا أنتم الشجرة التى يأوى إليها الناس في الهجير ، كونوا كذلك ، وليكن الله معكم والله أكبر والعزة للسودان.