بسم الله الرحمن الرحيم

قرأت هذا الأسبوع تقرير منظمة الشفافية الدولية المؤسس على بيانات واستنتاجات ثلاث عشرة منظمة دولية ذات وزن واحترافية وموضوعية، مثل البنك الدولي والمنتدي الإقتصادي العالمي؛ ولقد صنف التقرير حمهورية السودان كخامس أكثر الدول فساداً فى العالم – مع القابعين فى أسفل القائمة، ولم يبزها فى هذا المستنقع إلا الصومال واليمن وسوريا وكوريا الشمالية، أي بؤر الصراع المسلح العشوائي والعنف المنفلت والتطرف الإيديولوجي والدكتاتورية والقمع وتكميم الأفواه وظلم الإنسان لأخيه الإنسان؛ بينما كان الأوائل من حيث البعد عن الفساد هم الدنمارك ونيو زيلاندا والسويد والنرويج وبلجيكا وفنلندا وهولندا .....وسنغافورة...إلخ، وهي دول تتمتع بالحكم الديمقراطي المستقر والعدالة الإجتماعية واستقلال القضاء وحرية الصحافة واحترام حقوق الإنسان والبعد عن البطش بالخصوم وانعدام المحسوبية والرشى والفساد المالي والإداري. وحقيقة الفساد المتجذر في السودان منذ عشية الإستقلال والذي استفحل وتعمق على يد الإخوان المسلمين ونظامهم الراهن القابض بخناق الشعب منذ سبع وعشرين سنة....حقيقة يعرفها السودانيون جيداً، ومنهم من ظل يقاومها فى إطار مقاومته للنظام الإخواني بالظلف والناب، غير مبال بالقمع والانتقام الذى ظلت تمارسه أجهزة الأمن فى حق المعارضين؛ ومنهم من ظل يتعايش مع هذه الأوضاع بالطريقة التى وصفها عادل الإسواني في مقاله الأخير عن استكانة الشعب المصري طوال حكم حسني مبارك – قبل أن ينفجر ثائراً فى 25 يناير 2011 - (فلقد ركنوا لثلاثة أشياء: الإنشغال بكسب العيش وجلب الخبز فى نهاية اليوم للأسرة البائسة الجائعة؛ والإنشغال بمحاولة المحافظة على الإستقرار – أي الوضع الراهن كما هو دون التفكير في مغامرة تغييره غير مضمونة العواقب؛ والإنشغال بكرة القدم – الزمالك، الأهلي، الفريق القومي.... إلخ، والتخدير المصاحب الذى يحبس الإنسان فى دائرة مليئة بالإثارة والحماس الأجوف كافية لشغله عما يفعله الساسة واللصوص بأمور دولته وأمته.) أو شيء من هذا القبيل. 

وهنالك من المثقفين والمهنيين والجلابة السودانيين من فضل أن يشايع ويجاري الصفوة الإخوانجية التى حكمت البلاد وطغت وبغت وغطست فى الثروات حتى أذنيها، ومن ظلوا يتسقطون الفتات من تلك النخبة، ومن أجل ذلك ما فتئوا يمارسون الملق والتطبيل والتعهر السياسي من النوع الذى وصفه نجيب محفوظ فى "القاهرة 30"، مستهدفين التمرغ في ثقافة كنز للمال وإطلاق العنان لشهوات البطن والفرج والتمتع بإمتيازات السطوة التى يجلبها الثراء الفاحش وما يستصحبها من نشوة النصر الكاذب وغرور وغطرسة وعلو كعب مزيف، وسحق واحتقار وإساءة معاملة من هم تحت إبطك أو دونك فى السلم الوظيفي وفى المجتمع، وكل من يدخل في دائرتك الخاصة أو يعتمد عليك فى رزقه وكسب عيشه. ولقد مرت علي فى السنوات الأخيرة بعض النماذج من هذا النوع، (مثل الصديق الذى عاش معنا في الاغتراب لعقدين وعاد ليقلب ظهر المجن لنا ولتاريخه، وليصبح بين عشية وضحاها مدافعاً عن المؤتمر الوطني، ورئيس لجنة قومية خطيرة أثر تزويرها سلباً فى مسار التاريخ السوداني)، وتعجبت كثيراً لقدرة هؤلاء الأفندية على التلون الحربائي، وعلى مهاراتهم فى اجتذاب أنظار أولي الأمر واكتساب رضاهم وأعطياتهم وأبوابهم المفتوحة، وعلى إجادتهم لفن العلاقات العامة والبروز الإعلامي المسخر للأغراض الشخصية والتلميع، وللمزيد من التقرب والتماهي مع توجهات النظام الحاكم وسايكلوجيته وثقافته وسلوكياته.
وكما أبرز تقرير منظمة الشفافية فإن الفساد المالي والإداري يكاد يكون ظاهرة إفريقية تشمل كل دول القارة، ولا يمكن استثناء حتى الدول الديمقراطية التعددية القليلة مثل جنوب إفريقيا - إذ أن رئيسها جاكوب زوما ولغ فى فساد مالي لا يضاهيه إلا فساد صديقه روبرت موقابي رئيس زمبابوي، وهو الآن تحت الرقابة اليقظة المستمرة من قبل الأجهزة التشريعية والعدلية والإعلامية ببلاده، ولولا وجود هذه المؤسسات التى حافظ عليها نلسون مانديلا سليمة معافاة لأفرط أمثال جاكوب زوما في أكل السحت، شأنهم شأن سائر القادة الأفارقة. وفى حقيقة الأمر، من القلائل الذين عرفتهم إفريقيا ولم يمارسوا الفساد المالي والإداري ثلاث أيقونان تاريخية: نلسون مانديلا والمعلم جوليوس نايريري مؤسس تنزانيا الحديثة والراحل جمال عبد الناصر الذى توفي ولم يترك شقة أو سيارة بإسمه. ولكن الفساد المدعوم من قبل الدولة والأحزاب ظل ديدناً مستمراً للحكومات المصرية منذ عهد الباشوات فى تعاملها مع السياسيين السودانيين، وأسهم ذلك في إرضاعهم الفساد منذ بزوغ الحركة الوطنية؛ فقد تبني حزب الوفد وحكومات الباشوات الأحزاب الإتحادية السودانية منذ نشأتها فى منتصف الأربيعينات، وظلت تصرف عليها صرف من لا يخشي الفقر في سبيل تدجينها واستقطابها لشعار وحدة وادي النيل، بل لجعل السودان مجرد مديرية تابعة لمصر، والعبور به للإستقلال من بريطانيا على هذا الأساس. وعندما ذهب وفد الحركة الوطنية برئاسة إسماعيل الأزهري ويحيى الفضلي ومبارك زروق ومحمد نور الدين...إلخ للقاهرة بآخر الأربعينات للتفاوض بشأن القضية السودانية، طاب له المقام هناك وظل مستكيناً بفنادق قاهرة المعز لعامين كاملين، ودخل بعضهم فى صفقات تصدير واستيراد السلع الغذائية كالأرز فى تلك الأثناء، على طريقة (حجّة وتجرة). وبعد ثورة يوليو 1952 تولي الصاغ صلاح سالم ملف القضية السودانية من حيث توقف حزب الوفد برئاسة مصطفى النحاس باشا، واستمرت ثورة يوليو في الإغداق على القادة الإتحاديين وفى تمويل حملتهم الإنتخابية عام 1953/1954، إلى أن فازوا بتلك الإنتخابات وشكلوا أول حكومة وطنية سودانية. وعلى الرغم من أن الأزهري وجماعته تنكروا لمسألة الوحدة مع مصر، وأعلنوا الإستقلال من داخل البرلمان، إلا أن الحكومة المصرية طوال عهد جمال عبد الناصر وسلفيه أنور السادات وحسني مبارك لم تترك السودان وشأنه، ولم تتوقف عن رشوة السياسيين السودانيين كافة؛ وشاهدي على ذلك أحدوثة (سالفة) حكاها لي المرحوم حسن بابكر الحاج المهندس العضو بأول مجلس ستيني للحزب الوطني الإتحادي.
كان عمنا حسن عضواً بالجمعية التأسيسة بالديمقراطية الثانية عام 1965، وعندما قررت الجمعية إلغاء شرعية الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان، تصدي لها العم حسن فى معية الأحد عشرة نائباً شيوعياً وإتحادي آخر هو الراحل صالح محمود إسماعيل؛ أما النواب الممثلون للحزب الإتحادي وحزب الأمة والإخوان المسلمين فقد صوتوا بالإجماع مع قرار حل الحزب الشيوعي. وكرد فعل على تلك الحادثة قامت الأحزاب اليسارية (القوميون العرب والشيوعيون) بإنقلاب 25 مايو 1969 الذى أسموه "ثورة مايو". وبعد عام قام النظام المايوي بتأمييم ومصادرة معظم الشركات والمصارف الأجنبية الموجودة بالسودان، ومن بينها "بنك مصر" الذى كان يرأسه ويديره العميد (مخابرات) محمد عبد الحليم والذى تم تعيينه وزيراً للعمل بحكومة مايو. ومحمد عبد الحليم هذا معروف بانتمائه للمخابرات المصرية، وهو من أب شايقي من القرير كان مقيماً بمصر عسكرياً بحرس حدودها ومتزوجاً من مصرية أنجب منها محمد وأخاه أحمد، وكلاهما تعلم بمصر وتخرج في كليتها الحربية، وبعد الإستقلال طلب عبد الناصر من الحكومة السودانية استيعابهما بالجيش السوداني، وقد كان، إلا أن محمد سرعان ما تقدم باستقالته من القوات المسلحة، وتم نقله مديراً لبنك مصر فرع الخرطوم. وكنوع من رد الجميل من قبل اليسار لعمنا حسن تم تعيينه رئيساً لمجلس إدارة بنك مصر بعد تأميمه فى مايو 1970. ولكن، وبعد شهر واحد تم الإستغناء عن الباشمهندس حسن بقرار جمهوري دون إبداء أي أسباب. وما حدث بالفعل هو أن الباشمهندس وجد قائمة بالخزينة السرية للبنك بها أسماء السياسيين الذين أغدق عليهم البنك مئات الآلاف من الجنيهات في شكل قروض عالية وميسرة وبلا أرباح وبلا رهن في غالب الأحيان، ولم يرد أي واحد منهم أياً من تلك المبالغ. واشتملت القائمة على معظم السياسيين القياديين السودانيين بحزبي الأمة والإتحادي الديمقراطي ومجموعات القوميين العرب والناصريين، وبها أسماء تدعو للدهشة مثل مولانا بابكر عوض الله (رئيس وزراء الحكومة المايوية الجديدة) والإمام الهادي المهدي والشيخ على عبد الرحمن عليهما رحمات الله، وغيرهم، بالإضافة لشخصيات متنفذة بالخدمة المدنية ومتقاعدين وعدد من المحامين المعروفين. وقد هرع الباشمهندس حسن بتلك القائمة لبابكر عوض الله لكي يستشيره حولها بصفته حجة قانونية بالإضافة لموقعه فى قمة الجهاز التنفيذي، ولكن الأخير قابل المسألة ببرود شديد وتسفيه، وخلال أربع وعشرين ساعة استصدر ذلك الأمر بالإستغناء عن خدمات الباشمهندس حسن بابكر عطر الله ثراه.
وما هي إلا بضع سنوات حتى ظهر بنك أخطبوطي آخر استأنف نشاط بنك مصر ولكن باتجاه سياسي آخر، وهو بنك فيصل الإسلامي الذى ازدهر فيما بعد "المصالحة الوطنية" عام 1976، ومعه بنك إسلامي آخر، وكانتا تحت خدمة الجبهة القومية الإسلامية ويديرهما كوادر إخوانية معروفة؛ وقد ركزا على دعم الإخوان المسلمين بكافة أنحاء السودان مما جعل منهم قوة إقتصادية كبري ومنافساً قاهراً وشرساً ولا يصد للطبقة الوسطي الكمبرادورية السودانية التقليدية، كما ركز البنكان على الأنشطة الإقتصادية سريعة ومضمونة العائد بغض النظر عن ضآلة مردودها بالنسبة للإقتصاد، مثل المضاربة وتجارة العملة وبيع السلم والسمسرة فى شراء المنتوجات الزراعية كالسمسم والفول والصمغ والذرة بالإضافة للفحم والأخشاب، وتخزينها وتهريبها للدول المجاورة مما تسبب في المجاعة التى ضربت البلاد عامي 83 و1984؛ ولقد ظهرت طبقة كاملة نتيجة لذلك من أثرياء الإسلام السياسي التى كانت طوال سنوات الحكم المايوي ولا زالت حتى اليوم تتحكم فى الأوضاع الأقتصادية بالسودان؛ ولقد تعاظمت قوتها بعد استيلاء الجبهة القومية الإسلامية (الإسم الذى يختبئ وراءه تنظيم الإخوان المسلمين) على السلطة فى 30 يونيو 1989، محققة بذلك التزاوج الكامل بين القوة الإقتصادية الإخوانية المهيمنة على الإقتصاد والقوة السياسية المتمثلة فى دولة الإخوان المسلمين الجديدة. وكما حدث فى آخر أيام نميري من مجاعات وارتجاجات في السوق وتهميش لغالبية سكان السودان أدت فى نهاية الأمر لإنتفاضة إبريل 1985 التى أطاحت بالنظام المايوي، فإن هيمنة الإخوان على الإقتصد والسياسة طوال عهدهم الظلامي الراهن أدت إلى دخول البلاد فى أزمات مضطردة وحروب متأججة بالعديد من المناطق، وحالة عامة تشبه السنوات الأخيرة لنظام النميري؛ وليس هنالك أدني شك فى قرب انفجار الأوضاع وفى ذهاب نظام الإخوان المسلمين إلى مزبلة التاريخ مثله مثل النظام المايوي.
ولقد ساهم الإعلام الإجتماعي والتقدم التقني الهائل الذى شهدته وسائل الاتصال والنشر الحديثة فى الكشف عن جل الممارسات غير القانونية والإجرامية التى أضرت بالإقتصاد السوداني....تلك الممارسات التى ظلت الرأسمالية الورمية الإخوانية توغل فيها منذ منتصف السبعينات، ولكن سلط عليهم المولى عز وجل السيد قوقل والشبكة العنكبوتية التى كشفت أمرهم وفضحت أكاذيبهم وسلطت الضوء على مقتنياتهم وحساباتهم السرية بسويسرا وجزر البهاما وماليزيا والدول الخليجية، كما وحدت الرؤية بين السودانيين المعارضين للنظام ومكنتهم من التحاور فيما بيتهم ومن التنسيق والإعداد لمعاركهم المتسلسلة مع النظام، بدءً باعتصام الشهرين المنصرمين، وما خفي أعظم.
ولكن، وكما اسلفت واسلف صديقي البروف حيدر ابراهيم علي، فقد يكون من السهولة بمكان انتزاع الحكم من الطغمة الإخوانية الجالسة بالقصر الجمهوري والتى كانت أصلاً قد سطت على الحكم بواسطة أربع دبابات صلاح الدين ومائة مجند فقط، والتى تحرسها كتيبة قرويين راق تاق يقودها رجل اسمه حميدتي؛ ولكن المشكلة فى كيفية كفكفة ثقافة الفساد المتأصل والنهم والالتهام بلا روية وعشق الماديات وكنز الثروات عن طريق الرشي واستغلال النفوذ والأساليب الملتوية والبهلوانية، وكيفية محاربة القيم المافيوزية التى سادت السوق وتغلغلت فى أحشاء النظام الإقتصادي والإجتماعي؛ وكيفية استعادة الروح الوطنية التى تجعل الناس يتفانون فى خدمة بلدهم ولا يقدمون عليها انتماءاتهم الحزبية والإيديولوجية كما ظل الإخوان المسلمون يفعلون منذ أن أطلوا على السودان بكثافة منذ ثلاثة عقود. كيف يمكن استعادة الروح الوطنية التى دعا لها جون كندى فى خطابه الذى دشن به عهده فى الرئاسة الأمريكية عام 1961:
(Ask not what country can do for you.
Ask what you can do for your country.)
كيف السبيل إلى إعادة توطين قيم التجرد ونكران الذات والنضال من أجل شعبك، خاصة الكادحين منه، وقيم العدالة واحترام رأي الآخرين حتى لو اختلفت معه، وقيم الأمانة وعفة اليد والإلتزام بحرمة المال العام؟ كيف تصبح الدولة مرة أخرى، كما كانت أيام الإنجليز، خادمة للجمهور وليست قوة قاهرة مسلطة عليهم؟ إننا إذاً لسنا بصدد ثورة سياسية تقتلع النظام وتستبدله بطاقم آخر من المثقفين، وإنما نحن بصدد عدة ثورات متزامنة: ثورة تعليمية تضع الأساس لغسيل الروح السودانية من الأوشاب العالقة بها جراء حكم الإخوان الآحادي الجائر المتسلط الذى استمر لسبع وعشرين سنة. وثورة تستعيد الإنسان ذا الضمير الحي والأخلاق الرفيعة والشهامة والكرم والاستعداد لجميع أنواع التضحيات من أجل وطنه.
والله المستعان على هذه الثورات التى ننشدها. ولا بد من النصر في نهاية الأمر، ولا بد من صنعاء ولو طال السفر وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وتأتي على قدر الكرام المكارم.
والسلام.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.