تطبيق إتفاقية السلام الشامل وبرتكول جبال النوبة/ جنوب كردفان رسالة للرفيقين/ سلفاكير ميارديت وباقان أموم قبل فوات الأوان


أمين زكريا أسماعيل
amindabo@hotmail.com <mailto:amindabo@hotmail.com>
مقدمة:

 إن المجهودات الثورية والفكرية التى صاغها المفكر الشهيد د./ جون قرنق ورفاقه بالحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان منذ نشأتها مرورا بالتطورات التى حدثت فى داخلها والتى كانت الأساس فى منفستو الحركة ورؤية السودان الجديد التى  وضعت بعد قراءة تاريخية وإجتماعية وإقتصادية متأنية لصياغة دولة تعترف بالتنوع ويسودها دستور وقوانين تنظم شؤونها على أساس المواطنة العادلة فى الحقوق والواجبات.        
وقد حددت الحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان الادوات والوسائل لبلوغ الأهداف المرجوة، و إستمر هذا النضال لزهاء 21 عاما توج بإتفاقية السلام الشامل كنواة لتحول ديمقراطى حقيقى يحافظ على بناء ووحدة السودان على أسس جديدة أو الإنتهاء بدويلات.                                                                        
وقد كان المد الفكرى والثورى للسودان الجديد سببا فى إنضمام الكثيرين من جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الازرق وشمال السودان للحركة الشعبية وتوج هذا المد بإستقبال جماهيرى غير مسبوق للقائد الشهيد د./ جون قرنق بالخرطوم.                                                                                                                     

الإتفاقية:

 الإتفاقية لا بأس بها فى جانبها النظرى وجداولها الزمنية للتطبيق مميزة، وهنالك بعض الملاحظات يمكن إختصارها فى الآتى:-                                                                                                               

  1- الحركة الشعبية تعاملت مع الاتفاق بشفافية على أسسه المرجعية بينما تعامل المؤتمر الوطنى بوجهين  يرميان الى تقليل الحصار العسكرى والجماهيرى المفروض عليه فى كافة جبهات القتال بجانب الضغط الدولى واستخدام سياسة كسب الوقت والتمويه، ففى الوقت الذى إنقسمت فيه صقور وخفافيش المؤتمر الوطنى بين مؤيدة ورافضة للإتفاق، وحتى لا ينقسم المؤتمر الوطنى داخليا فإنه عمل على التوقيع بالصورة التى ظهر بها وأن يكون التنفيذ عكس ذلك، ولعل إختلاف خطابى رئيس الجمهورية ونائبه الاول فى يناير 2007م بمدينة جوبا لهو خير مؤشر لذلك.                                                                                                                     

2- الحركة فقدت قائدها الكاريزمى ومفكرها  الشهيد د./ جون قرنق فى ظروف غامضة يصفها محبيه بأنها مؤامرة دبرت لتحجيم الحركة وحصرها فى دائرة الجنوب بل لاحتوائها وتدمير الاتفاق، ومن جانب آخر فإن إستشهاد د. قرنق قد أراح  الكثيرين من القوى السياسية التقلدية بما فيها المؤتمر الوطنى وبعض العناصر داخل الحركة الشعبية نفسها، لان شخصية د. جون قرنق كانت كفيلة بخلق تحولات كبيرة تصب لصالح الشعب السودانى بصورة عامة. ولكى تحافظ الحركة الشعبية على استمراريتها فلم تتوانى فى إختيار القائد سلفاكير لعوامل عديدة يعرفها قادة الحركة الشعبية. ولقد اعاد استشهاد د. قرنق انفاس المؤتمر الوطنى والقوى التقليدية خاصة بعد شعورها بعدم السير الجيد للحركة الشعبية فى الخط الذى رسمه بعناية  د. جون قرنق قبل وفاته سياسيا واقتصاديا واجتماعيا واعلاميا.                                                                                           

3- الحركة دفعت بمعظم مفاوضيها فى مواقع دستورية وتشريعية وسياسية حرصا منها لتطبيق الاتفاق، الا ان معظم مفاوضى المؤتمر الوطنى يعملون فى حكومة ظل فسره كثير من المراقبين انه عمل لتقويض الاتفاق.      

4- المؤتمر الوطنى استغل بعض الفراغات والتناقضات المعروفة و الموجودة داخل الحركة الشعبية فعمل على احراج الحركة واحباط طموحات جماهيرها العريضة من خلال تجميد العديد من بنود الاتفاق والبرتكولات، وكذلك لجأ للعديد من الاساليب منها بث الاشاعات لخلق زعزعة وعدم ثقة داخل الحركة الشعبية من خلال الاتى:

أ- الخلافات داخل الحركة الشعبية:  إستفاد المؤتمر الوطنى من خلال تفاصيل معرفته للخلافات داخل الحركة الشعبية بما فيها الخلاف الاخير بين سلفاكير والشهيد د. جون قرنق وبالتالى بدأ فى تصنيف الحركة على أساس ابناء قرنق وآخرين، ولم تفطن كثير من قيادات الحركة لهذا المخطط الا قريبا.                                             
ب- البيع والشراء: أسلوب لجأت اليه بعض القوى السياسية الشمالية تاريخيا للتعامل مع الاطراف مستغلة بعض ضعاف النفوس والفقراء غير المبدئيين، و الساحة السياسية الحالية قد لا تخلو من ذلك بغرض تفكيك الحركة الشعبية تدريجيا وببعض عناصرها.                                                                                              

ج- التلميع الاعلامى: المعروف ان المؤتمر الوطنى متسيطر على ما يسمى بوسائل الاعلام القومية من اذاعة وتلفزيون وصحف ويوجهها بالطرق التى تتناسب معه، وبالتالى فان معظم انشطة الحركة الشعبية بما فيها انشطة النائب الاول لرئيس الجمهورية لن تجد مجالا يذكر، وفى نفس الوقت يلعب المؤتمر الوطنى دورا اعلاميا مقصودا لبعض وزراء الحركة الشعبية  الذين صنفهم بالضعف الادارى والسياسى لارسال رسالات بأنهم ناجحون وفى نفس الوقت يقوم المؤتمر الوطنى بشغل هؤلاء الوزراء باجتماعات ولقاءات وماموريات ماكوكية داخل وخارج السودان  ويسيرون وزارتهم عبر وزراء الدولة والوكلاء والمديريين العامين وربما مدراء الادارات، بل ويعزلونهم عن جماهيرهم عبر فرض طوق من الموظفين والعاملين داخل الوزارة وبالتالى فان الرسالة الاعلامية للجمهور تؤكد ان الوزير يعمل بكفاءة عالية وفى نفس الوقت لم يكن له وجود يذكر ولا فهم او كفاءة سياسية وادارية.                                                                                                               

د- العداء والتشويه الاعلامى: وهى حملات اعلامية تشن بشراسة  كمحاولة للاغتيالات السياسية للدستوريين والتنفيذيين والتشريعيين والسياسيين المؤمنيين ببرامج السودان الجديد والملمين باتفاقية السلام والساعين لتطبيقها حسب الجداول الزمنية المتفق عليها، وقد يصل هذا التشويه الى مرحلة التهديد المادى أحيانا.                         

5- الانفلاتات والتهديدات الامنية التى تقوم بها بعض المليشيات فى جبال النوبة وجنوب السودان ما هى الا محاولات لشغل الاطراف بقضايا أمنية وتجميد التنمية فيها وخلق نوع من التباعد بين المجموعات الاثنية المختلفة مما يجعل البعض ادوات للمركز ويقلل من فرص التعايش السلمى بين ابناء الوطن والاقليم الواحد وهو ما ينبأ بإنهيار اتفاق السلام.                                                                                                         

6- الحرب المفتعلة ضد الشمالييين داخل الحركة الشعبية يؤجج لها مطبلى المؤتمر الوطنى عبر وسائل الاعلام المعروفة كمحاولة لعزل الحركة الشعبية وإعطائها الطابع العنصرى وفى ذلك فهم يستغلون بعض المستعجلين وضعاف النفوس داخل الحركة الشعبية لتمرير هذه الاجندة، و هو ما سيكون له أثر سلبى على مستقبل الحركة فى الشمال رغم النجاحات التى حققتها الحركة فى شمال السودان.                                                          

7- التشويه عبر الفساد وعدم توضيح عائدات البترول فى جنوب السودان وجنوب كردفان والانصبة حسب الاتفاقية، بجانب اموال التنمية وصندوقها فى جنوب كردفان والنيل الازرق هى رسالة اراد المؤتمر الوطنى ان يرسلها لجماهير الحركة الشعبية  بانه المسيطر على زمام الامور وان الحركة ليس باستطاعتها تقديم شئ الا عبر المؤتمر الوطنى وهو خرق صريح للاتفاق.                                                                                     

8- مناوارات التعداد السكانى والانتخابات هى محاولات من المؤتمر الوطنى  لجس نبض الحركة الشعبية والتنظيمات السياسية الاخرى لمعرفة مدى جاهزيتهم وخلخلتهم من خلال قوانيين الانتخابات فى محاولة للاستفادة من الثغرات والتعقيدات والتناقضات لاعطاء نفسه شرعية من خلال هذه البوابة رغم من اشتمال الاتفاقية على التعداد السكانى والانتخابات وفقا للجداول الزمنية المعروفة.                                                

9- إستمرار العقلية الشمولية والامنية وكبت الحريات الصحفية والتظاهرات لهو مؤشر لانهيار الاتفاقية فى أى زمان ومكان اذا لم تنتبه الحركة الشعبية والمجتمع الدولى لذلك.                                                          

الترتيبات الامنية:

الترتيبات الامنية هى واحدة من الضمانات الكبيرة لاستمرارية ونجاح الاتفاقية واحداث التحول ولكنها عمليا لم تتم بالصورة المطلوبة لان المؤتمر الوطنى استطاع بممطالة وذكاء ان يتمادى فى ذلك، واستطاع المؤتمر الوطنى ان يمرر اجندته من خلال الاتى:-                                                                                       
أ- رغم جدارة المفاوضيين من الحركة الشعبية وتعقيدات التفاوض التى ألم بالكثير منها إلا انه حسب تقديرى الخاص ان دمج القوات وانتشارها وانسحاب الفائض كان يجب ان يتم فى كافة الجبهات قبل دخول القوى السياسية من الحركة الشعبية حتى اذا استمر ذلك لمدة عام بعد التوقيع على الاتفاق وهو ما يعضد جهود تطبيق البنود الاخرى.                                                                                                                        
ب- إنسحاب الحركة الشعبية بكامل عتادها من جبهة الشرق قبل انسحاب القوات المسلحة من الجنوب كان أحد الاخطاء الاستراتيجية والتكتيكية للحركة الشعبية ونجاح كبير للمؤتمر الوطنى لانه تخلص من قوة رادعة فى الشرق وقريبة من موقع اتخاذ القرار بالخرطوم و أضعف جبهة الشرق و دارفور ووضعهما امام امر تفاوضى لم تكن نتائجه ايجابية بالقدر الذى ينبغى اذا كانت قوات الجيش الشعبى موجودة بالشرق، كما ان الالتزام الاخلاقى للحركة الشعبية فى سحب قواتها من الشرق مقابل سحب القوات المسلحة للاعداد المتفق عليها حسب نصوص برتكول الترتيبات الامنية لم ينفذ الا شكليا وفى جنوب السودان فقط.                                            

3- حتى هذه اللحظة لم يتم دمج القوات المشتركة والشرطة والاجهزة الامنية فى جبال النوبة وجنوب السودان وجنوب النيل الازرق والعاصمة الخرطوم بالصورة المطلوبة وعدم وجود احصاءات دقيقة من قبل القوات المسلحة وهو ما يؤكد اختلاف عقلية المؤتمر الوطنى بين التوقيع وتطبيق الاتفاق، وهو ما سيهدد سير الاتفاق لاحقا.                                                                                                                                   

4- إستمرار وجود قوات الدفاع الشعبى والمليشيات والشرطة الشعبية هو خرق واضح للترتيبات الامنية ويحتاج الى مراجعة.

توزيع الثروة:

  رغم وضوح بنود الاتفاق  فيما يتعلق بالثروة بالنسبة للجنوب وجبال النوبة والنيل الازرق وخاصة فيما يتعلق بعائدات البترول فى جنوب السودان وجنوب كردفان بجانب صندوق التنمية( 75% من ماله تذهب لجبال النوبة وجنوب النيل الازرق حسب نصوص الاتفاق)  والفصول المالية المتعلقة بالمرتبات والخدمات والتنمية فى جنوب كردفان والنيل الازرق، الا ان المؤتمر الوطنى قد تمادى فى عدم الشفافية فى محاولة منه لاحراج الحركة الشعبية والذى هو فى الواقع تدمير للشعب نفسه، وهو ما يتطلب من قيادة الحركة بذل مذيد من الجهود للضغط لانفاذ بنود الاتفاق.                                                                                                                   

توزيع السلطة:

1- السلطة ونسبها المعروفة طبقت فى مستوياتها العليا فقط اى على المستوى الدستورى والتشريعى الفوقى دون الممارسة الكلية على المستويات الاخرى والتى من المفترض ان تأخذ الحركة الشعبية فيها نسبة 28% على مستوى العاصمة القومية و 70% على مستوى الجنوب و 45% على مستوى جبال النوبة/ جنوب كردفان والنيل الازرق و 10% لبقية ولايات الشمال. وعدم التطبيق الامثل لنصوص الاتفاق تسبب فى احباط جماهير الحركة وانتقادها لقيادتها.                                                                                                                     

2- المفوضيات لم تكتمل حتى الان، كما ان المفوضيات الموجودة تعمل بصورة شكلية، وقد نجح المؤتمر الوطنى الى حد كبير فى شل تفكير الحركة الشعبية وشغلها بمفوضيتين وهما البترول وابيي بالاضافة الى موضوع الحدود، وبالتالى لم يكن هنالك حديث يذكر حول مفوضية الارض القومية والولائية ومفوضية الانتخابات والتعداد السكانى والخدمة المدنية وصناديق التنمية ……الخ.                                                   

3-  التناوب على رئاسة  المجلس التشريعى لولايتى جنوب كردفان والنيل الازرق، حيث فقدت الحركة الشعبية حقها فى التناوب وكان مكسبا للمؤتمر الوطنى، وهذا البند هو من الاخطاء التى لم يتنبه لها المفاوضيين بنفاشا ولم ترد فى الاتفاق و وكان يجب ان تكون قياسا على منصب الوالى اى التناوب حسب جداولة المذكورة. وهى مسئولية تفاوضية و أخرى خاصة بتطبيق بنود الاتفاق والتوافق حول النقاط الخلافية.                                  

4- الخارجية:

أ- المؤتمر الوطنى استطاع ان يشوه وجه الحركة الشعبية امام جماهيرها والمتعاطفين معها من الشعب السودانى والمجتمع الدولى وخاصة الولايات المتحدة الامريكية، من خلال تصريحات وزير الخارجية وسفير السودان بواشنطون، ليرسل رسالة ان الحركة الشعبية غير ثابته فى مواقفها المؤيدة لدخول القوات الدولية لدارفور، فكيف يرفض وزيرها ذلك وما هو موقف رئيس الحركة وامينها العام من ذلك، وكيف يسئ سفيرها فى واشنطون لحركات دارفور التحررية بل للادارة الامريكية مع العلم بان الحركة الشعبية هى أم الحركات التحررية فى السودان ولها علاقة مميزة مع امريكا، ومن يتحمل مجئ هذا السفير لواشنطون التى لا يعرفها ولا تعرفها ولا يعرف الانشطة الكبيرة التى قام بها نشطاء الحركة الشعبية وتنظيمات الهامش وكانت احد اسباب الضغط لاجبار الحكومة السودانية على التفاوض الذى كان سببا فى اختياره سفيرا لاعظم دولة فى العالم، وهو شخص انتقدته الحركة الشعبية بواشنطون قبل ابناء دارفور الذين اساء اليهم، فهل هذه المسئولية يتحملها وزير الخارجية فقط أم رئيس الحركة الشعبية وأمينها العام والمكتب السياسى كذلك؟.                                                                               

ألم تكن نفس حكومة الخرطوم عبر وزير خارجيتها التى رفضت وحلفت بكل ما تملك بعدم دخول جندى واحد من الامم المتحدة لدارفور وهى نفسها ترسل وزير خارجيتها الى دولة البحرين العربية وترسل وكيل وزارته لقبول القوات المختلطة فى أديس ابابا الافريقية لتؤكد للعالم ان المؤتمر الوطنى متعاون مع القرارات الدولية، وان تحرج الحركة الشعبية دوليا وتقول لها ان الوزير الحقيقى هو وكيل الوزارة وليس الوزير نفسه، وان  المكتب القيادى للمؤتمر الوطنى ومجلس شورته هو حكومة الظل التى تسير السودان متى وكيفما شاءت؟.                                                                                                                 

ب- التصريحات التى أدلى بها القائد/ سلفاكير فى اوسلو حول الحظر الاقتصادى الذى أعلنه الرئيس الامريكى روج لها وفسرها المؤتمر الوطنى عبر وسائل الاعلام بصورة شوهت وجه الحركة الشعبية لدى الادارة الامريكية وتحتاج الى تصحيح من الرفيق سلفاكير.                                                                           

ج- تقاضى وزير الخارجية فى تعيين سفراء وأعضاء فى السلك الدلوماسى وفقا لنسب الحركة الشعبية واقاليمها السابقة وخاصة من جبال النوبة والنيل الازرق وشمال السودان فيه إجحاف لنضال هذه الشعوب وأرسل رسالة خاطئة يجب على رئيس الحركة الشعبية وامينها العام مراجعة ذلك. وهى من الاشياء التى استغلها المؤتمر الوطنى فى خلخلة الحركة الشعبية.                                                                                               

د- مكاتب تنسيق حكومة الجنوب فى الخارج هى مكاتب يعمل فيها الجنوبيين فقط، ووجودها جاء نتاج نضال مشترك للجنوبيين وجبال النوبة والنيل الازرق وبعض الشماليين، وهو امتداد طبيعى لممارسة الدبلوماسية والعلاقات فى مستويات  اخرى، لذلك على رئيس الحركة الشعبية وامينها العام مراجعة سريعة واعادة التسمية بما يتناسب مع نضالات الحركة ومبدأ السودان الجديد، وهذا الخطأ إستغله أعداء الحركة الشعبية وكتب عنه الكثيرين موضحين ان الوضع يسير بصورة جنوبية أكثر منه حركة شعبية وهو ما يحتاج لتنبيه القيادات.          

5- حق تقرير المصير والاستفتاء والمشورة الشعبية:

  الاتفاقية كفلت حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وحق الاستفتاء لشعب أبيي والمشورة الشعبية لشعب جبال النوبة/ جنوب كردفان وشعب جنوب النيل الازرق، وحددت جداول زمنية لهذا الامر، وهونصر سياسى بكل تأكيد، الا ان الكثيريين داخل الحركة الشعبية لا يدرون ان الوصول الى هذه المراحل وتحقيق المكاسب فيها مرتبط بالتطبيق الامثل للاتفاقية ومراحلها وجداولها الزمنية وليس فقط بمرور السنوات المذكورة لممارسة هذا الحق، بمعنى مثلا ان حق تقرير المصير بعد ستة سنوات والمشورة الشعبية بعد اربعة سنوات، ولكن لن تكون هنالك مشورة شعبية او حق تقرير المصير بدون الالتزام بالترتيبات الامنية وعمل المفوضيات بفاعلية وكذلك الحدود واجراء التعداد السكانى والانتخابات ….الخ.                                                                           
وبالتالى فإن الدائرة المفقودة عند الكثيريين وخاصة بعض الرفاق من جنوب السودان هو أنه بدون نصر سياسى للحركة الشعبية على مستوى السودان وليس على مستوى الجنوب وأعنى بذلك الانتخابات على مستوى البرلمان القومى وبالتالى مجلس الوزراء ورئاسة السودان والبرلمانات الاقليمية، وهو ما سيساعد على صنع قرار الدولة لممارسة هذا الحق الذى سيقود لسودان موحد على اسس جديدة او قيام دولة لجنوب السودان، ولقد استغل المؤتمر لحد كبير عدم دراية الكثيرين بهذه الخطوات وبدأ يغازل بعض الجنوبيين بالحركة الشعبية لاهمية التعاون معهم لانه الموقع على الاتفاقية واذا فشل فى الانتخابات فلا توجد ضمانات من التنظيمات الرافضة للاتفاق فى اعطاء هذا الحق لشعب جنوب السودان، وهو غير صحيح لان الاتفاقية محمية دوليا. وعلى الحركة ان تضغط لتطبيق الاتفاقية لان حق تقرير المصير والوصول اليه مشروط بقضايا أخرى سابقة له من بينها قوة الحركة فى كافة انحاء السودان. لذلك فان محاولات المؤتمر الوطنى فى تحجيم الحركة الشعبية فى حدود الجنوب الهدف منها شل الحركة فى مواقع اخرى من السودان، و تكرار سناريو أروك تون وكاربينو كوانين ويرى بعض المراقبين أن هنالك مساومة داخلية هدفها تفكيك الحركة الشعبية من خلال تحجيمها جنوبا والاستفادة من التناقضات الموجودة بين الجنوبيين انفسهم داخل الجنوب وبعض الرافضين لحق تقرير المصير من الجنوبيين والساعيين لانشاء تنظيمات اخرى رغم عضويتهم الشكلية داخل الحركة الشعبية. وبالتالى حتى ولو تم الإعلان عن  دولة جنوب السودان من طرف واحد  بعد الستة سنوات أو قبلها فى حالة مماطلة المؤتمر الوطنى فقد يعتبر خرقا للاتفاق وإن الحرب ستعود مرة أخرى وقد يفقد الجنوب حلفائه وهو ما يهدف اليه المؤتمر الوطنى خاصة فى ظل عدم اكتمال الترتيبات الامنية وبنود الاتفاق بشكلها الصحيح ولم يتم حسم امر الذين يتظاهرون شكليا بولاءهم للحركة الشعبية.

وجود بعض القيادات العليا للحركة الشعبية فى الخارج:

السودان الجديد الذى تحدثنا عنه ونؤمن بأنه الحل لمشاكل السودان لن يستمر  بفاعلية دون توفير المعينات المساعدة على نجاحه كالصحف والاذاعة والتلفزيون ووسائل الحركة والاتصالات ….الخ، وايضا من يحملون هذا الفكر بصورة مميزة ولهم اسهاماتهم التاريخية وادوار مستقبلية فى تحقيق نصر سياسى وفكرى واعلامى كبير، فمنهم من هو موجود بالداخل ويتحرك بمعينات بسيطة للغاية او تكاد تكون معدومة احيانا. ألا ان وجود بعض القيادات الفاعلة خارج السودان يحتاج من الرفيق سلفاكير وباقان أموم مراجعة هذا الامر بحسابات تختلف عن محاولاتهما الاولى. فهذه القيادات لم ولن تتراجع يوما عن مبادئ السودان الجديد لكن وجودها فى الخارج سيؤثر على القاعدة الجماهيرية العريضة للحركة الشعبية لما تمتلكه من قدرات ربما لا تتوفر عند الكثيريين. وجود هذه القيادات اراح خصوم الحركة الشعبية. وسنفرد لهذا الموضوع مقالا تفصيليا لاحقا.                        

قوى الهامش:

  السودان مقبل على تحولات مستقبلية فى نواحى متعددة، لذلك كانت نظرة الشهيد د./ جون قرنق ثاقبة حول تشجيع انشاء منبر قوى الهامش بواشنطون والذى يضم عدد من التنظيمات، وقد كان ذلك بحضور واشراف الرفيق باقان اموم  فى فبراير 2004م والذى قام بدوره بدور ايجابى، ولقد لعب المنبر ادوارا كبيرة فى واشنطون، الا انه حان الاوان للالتقاء بقيادات هذه التنظيمات فى الداخل والخارج والتنسيق للمرحلة القادمة من خلال الحوار والمؤتمرات الهادفة.                                                                                                

جبال النوبة/ جنوب كردفان:

  الرسالة الخاصة بالاتفاقية بصورة عامة قد تناولتها بعمويتها سواء كان فى جنوب السودان او جبال النوبة او النيل الازرق او شمال السودان، وهى تكاد تكون معلومات عامة قصدنا منها التنبيه وقد شملت لحد كبير برتكول جبال النوبة/ جنوب كردفان، الا ان الاقليم يحتاج الى المزيد من الاهتمام من قيادة الحركة الشعبية والتى يمكن تلخيصها على النحو الآتى:                                                                                                         

1- عدم زيارة رئيس الحركة و الجيش الشعبى لتحرير السودان الى الاقليم وضعت علامات استفهام كبيرة رغم مشغوليته، وهى زيارة توقعها شعب الاقليم للتعزية فى وفاة الشهيد د. جون منذ الايام الاولى، فدكتور جون لم يكن شخص عادى فى نضال النوبة وشعب النوبة لم يكن شعب عادى لدى دكتور جون حيث أحبه شعب جبال النوبة بلا حدود وكان دكتور جون منصفا للنوبة ونضالهم فى كافة جبهات النضال التحررية فى جنوب السودان وشرق السودان والنيل الازرق وجبال النوبة، ولا يخلو إجتماع او محاضرة او ندوة داخل السودان او خارجه للدكتور جون قرنق من ذكر نضالات النوبة، بما فيها الدور الكبير من خلال تطوير الديمقراطية داخل الحركة الشعبية عبر مجالس التحرير تلك الفكرة التى نبعت من جبال النوبة ونقلها الشهيد الاستاذ/ يوسف كوه مكى الى بقية اقاليم الحركة الشعبية، لذلك كانت زيارات دكتور جون لكاودا وجلد فى الاوقات الصعبة لهو دليل على تأكيد وضعيتهم المميزة داخل الحركة الشعبية.                                        
لذلك فان الزيارت تؤكد استمرارية روح السودان الجديد الذى إلتف حوله هذا الشعب بمختلف إثنياته ومن ثم مراجعة عمل الحركة والجيش الشعبى لتحرير السودان والاتفاقية والوقوف على العقبات ومحاولة حلها. وهى رسالة ايضا موجهة للامين العام للحركة الشعبية الذى يعتبره شعب جبال النوبة من اكثر المقربين للشهيد الدكتور جون قرنق وواحد من الملمين بفهم السودان الجديد وتعقيدات الازمة السودانية والاتفاقية، ورغم زيارته العابرة فى ابريل 2006 لاحد المناطق المحررة الا شعب جبال النوبة فى حوجة ماسة للجلوس للنقاش فى امور كثيرة تهم الحركة الشعبية.                                                                      

2- مشاركة ابناء جبال النوبة ضعيفة داخل اجهزة الدولة المركزية وخاصة القصر الجمهورى ورئاسة الوزراء والامن والمفوضيات والخارجية ومكاتب التنسيق الخارجية …الخ، و تحتاج لوقفة ومراجعة من رئيس الحركة الشعبية.                                                                                                        

3- لا توجد اى مشاركة فاعلة بحجم نضال شعب جبال النوبة داخل المكتب السياسى والتنفيذى للحركة الشعبية، وبالتالى لم يكن للنوبة دور ملموس فى صناعة القرار وعكس قضاياهم وهو ما يتطلب تحرك سريع فى هذا الامر.                                                                                                                   

4- برتكول أبيي المتصارع عليه ابعد منه تماما شعب جبال النوبة/ جنوب كردفان  رغم الوضعية التاريخية لأبيي فى جنوب كردفان ودور مدرسة تلو الثانوية فى تعليم معظم قيادات أبيي، كما ان أبيي تحظى بمناصب دستورية وتشريعية فى حكومة جنوب كردفان، لذلك فإن وجود أبناء جبال النوبة داخل المفوضية سيسهل كثير من القضايا المعقدة.                                                                                                     

5- دمج الخدمة المدنية والشرطة والقضائية ومفوضية الارض ودمج القوات وانتشارها وتوفير المعينات اللازمة لذلك هى مسئولية تضامنية بين قيادة الحركة الشعبية فى الاقليم والحركة الشعبية الام متمثلة فى رئيسها و أمينها العام، وهو ما يتطلب خطوات وتحركات عملية ملموسة لان الوضع وخاصة الامنى يسير الى الاسوأ.                                                                                                                     

6- قضية التناوب على منصب حاكم الولاية يسير بطريقة غامضة ولا يعرفها أحد وتتطلب تدخل من رئيس
الحركة الشعبية وامينها العام، وتوضيح الحقائق حولها لجماهير الحركة الشعبية بالاقليم.                      

7- يرى الكثير من المتابعين أن تصريحات رئيس الحركة الشعبية وأمينها العام وبعض القيادات خلت الى حد كبير عن الحديث عن ملف جبال النوبة وجنوب النيل الازرق الا فى حدود ضيقة جدا، مما أعطى اشارات استغلها المؤتمر الوطنى مشيرا الى إنكفاء عدد من القيادات الجنوبية على قضايا الجنوب دون المناطق الاخرى، مما اعطى حجة لزيادة مخاوف بعض ابناء تلك المناطق على مستقبلهم.                      

8- العودة الطوعية مهمة لعوامل كثيرة وهنالك مماطلة من اجهزة الدولة وهو ما يتطلب من رئيس الحركة الشعبية توجيه الاجهزة المعنية وخاصة وزارة الشئون الانسانية التى تؤول للحركة بجانب المنظمات العالمية للمساهمة فى ذلك.                                                                                                    

خاتمة:

إن الوضع الديمقراطى الذى نعيشه فى الولايات المتحدة الامريكية ومفهوم المراجعة الدورية عبر الاعلام للوضع السياسى لهو نهج ايجابى ويحافظ على الحقوق المشروعة ويذيد من كفاءة الاداء داخل المنظومة السياسية ويعيد توازنها لما يحقق لها كسب سياسى وتنموى يترجم لخدمة الجماهير التى ناضلت وصبرت كثيرا وهى فى انتظار وضع سليم معافى، ويجعل من التحرير اسلوبا فى التفكير وقوة فى التدبير والاختيار، آملا ان تصل هذه الرسالة الى الرفيق سلفاكير ميارديت رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والرفيق باقان أموم الامين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان.                                                               
وما أشرنا اليه ما هو الا خطوط عامة يعلمها الجميع بما فيهم اعداء الحركة الشعبية او منافسيها.                     
وفى الختام يمكن القول ان رؤية السودان الجديد اذا طبقت بمفهومها السليم فهى الخيار الافضل للشعب السودانى حسب رؤيتى الخاصة وعبر القراءات السياسية التاريخية للازمة السودانية وهو ما سيحافظ على وحدة السودان بإسس جديدة.                                                                                                                          
وأخيرا الشكر والتقدير لشعب جبال النوبة/ جنوب كردفان ولاعضاء الحركة الشعبية  والجيش الشعبى لتحرير السودان بصفة خاصة فى المناطق المحررة بجبال النوبة و بكل المناطق التى زرتها وأقمت فيها لقاءات جماهيرية وندوات ومحاضرات واجتماعات وبعض المناسبات الاخرى  فى كل قرى ومدن جنوب كردفان، والابيض والنيل الازرق وسنجه وسنار وكوستى ومدنى وبورتسودان والخرطوم وبحرى وام درمان لما وجدته من تقدير وإحترام طيلة الفترة التى قضيتها كمستشار سياسى للحركة الشعبية بالاقليم، وشكرى الكبير لقطاع الشمال بالحركة الشعبية لدعواته المتكررة للمشاركة فى عدد من فعالياته بمناطق مختلفة من السودان وكذلك      

مكوك وسلاطين السودان الجديد وبعض وسائل الاعلام والصحف وايضا شكرى وتقديرى وإعتذارى موصول للقيادات العسكرية والمدنية وجماهير الحركة الشعبية التى حاولت اقناعى بالمشاركة  فى وظيفة دستورية على مستوى الولاية او المركز ، ولقد عبرت عن رأى هذا واعتزارى فى حفل الوداع الكبير الذى أقيم بكادقلى، ووعدتهم بالعوده فى اى وقت اخر لدعم العمل السياسى، وأكدت لهم من خلال تواجدى هنالك ومن خلال اتصلاتهم بى حتى هذه اللحظة بامريكا  ان وحدتنا هى الاساس فى نجاحنا وان قضية جبال النوبة/ جنوب كردفان هى قضية يجب ان تجرى فى عروق كل مخلص لشعبه وهى مسئولية اجيال، وكما ذكرت لهم ان العبرة ليست فى ماذا تكون ولكن ماذا ستقدم لشعبك والسودان وكيف تدافع عن حقوقه المشروعة فى أى موقع او مكان أنت موجود فيه؟.                                                                                                                          

أمين زكريا إسماعيل.
محاضر جامعى سابق
باحث واختصاصى اجتماعى وأنثروبولوجى.
الولايات المتحدة الامريكية.
15/6/2007.


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات