خاطرة في الورقاء والصحراء والنيل! .. بقلم: الدكتور الخضر هارون

ذكر العقاد مرة سبب الجفاء الذي كان بينه وبين الزعيم المصري مصطفي كامل باشا، مؤسس الحزب الوطني، وفحواه أن الأخير كان مفتشاً في وزارة المعارف المصرية وجاء إلى أسوان في جنوب مصر، لتفتيش مدارسها. ودخل حجرة الدرس حيث كان الأستاذ عباس محمود العقاد يلقي 


 

maqamaat@gmail.com

ذكر العقاد مرة سبب الجفاء الذي كان بينه وبين الزعيم المصري مصطفي كامل باشا، مؤسس الحزب الوطني، وفحواه أن الأخير كان مفتشاً في وزارة المعارف المصرية وجاء إلى أسوان في جنوب مصر، لتفتيش مدارسها. ودخل حجرة الدرس حيث كان الأستاذ عباس محمود العقاد يلقي على التلاميذ درساً. فأراد المفتش مصطفي كامل اختبار قدرات التلاميذ في اللغة العربية فطلب منهم شرح البيت التالي:

والمرء ما لم تفد نفعاً إقامته غيم حمي الشمس لم يمطر ولم يسر

وفي البيت تشبيه للإنسان الذي لا نفع فيه بغيمة قابعة في وسط السماء لا تمطر ماء ولا تلطف جواً من حر.
ومثل هذه الإفادات يمليها اختلاف المناخات. قالوا إن عبارة ،( إذا غضب الله علي قوم أمطرهم صيفا) قالها الرحالة المغربي ابن بطوطة لأنه ، رحمه الله، لا عهد له بأمطار تتهاطل علي الناس صيفاً لأن الأمطار شتوية في المغرب. وفي عامية أهل الشام يقولون، ( عم بتشتي!) أي أن السماء تمطر الآن فالمطر هناك أيضاً قرين الشتاء ودالة عليه.

والبيت لأبي العلاء المعري من قصيدة من عيون الشعر العربي، مطلعها:

يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر لعل بالجزع أعوانا على السهر

أعيا الشرح تلاميذ العقاد فالتفت مصطفي كامل إلي العقاد كالمعاتب فلجأ العقاد إلي مخارجة ظن أنها تذهب الحرج، الحرج الذي يلازم المدرس في حضرة مفتش التعليم، وما ينبئك مثل خبير، ظن أنها تدخل السرور علي نفس المفتش فقال:” إن التلاميذ معذورون….لأنهم في أسوان يعلمون أن الغيم الذي يظلل الرؤوس ، شيء نافع لا يضربون به المثل لقلة النفع…..فلعله أنفع لهم من شعاع الشمس ومن المطر .” لم تعجب الإجابة مفتش التعليم مصطفي كامل فأسرها في نفسه كأنما رأي في المخارجة الذكية طعناً في ملائمة السؤال لمستوي تلامذة صغار في الابتدائية. فكانت تلك الواقعة سببا في جفوة بين الرجلين دامت حتي غادرا الفانية فقد غيب الموت مصطفي كامل باكراً في العام ١٩١٩ ولحق به العقاد في العام ١٩٦٤.
ولو أن الزعيم الضخم مصطفي كامل عاش في الصحراء أو علي تخومها لعلم أن النعيم المشتهي فيها هو الماء البارد كما روي عن ابن عباس وأن السعد والسعادة قرينتا نسمة حانية في قائظة من نهار محمولة علي سموم ! والغيم إن أمطر أو لم يمطر مظنة ذلك كله فكيف يكون عديم النفع في بلد في حر أسوان وحر السودان أيضاً؟ وسل إن شئت اعرابي في بادية نجد لامس نسيم الصبا البارد اللطيف وجهه ذات فجر ندي ففجر في وجدانه شفيف القول ورقة الحنين سيما وقد شاركته اللحظة ورقاء حسنة الصوت بالغناء فبكي بالكلم المنظوم:

ألا يا صبا نجد متي هجت من نجد؟

وكأن للتوقيت دلالة يعرف بها حال المحبوبة التي تفصلها عنه فراسخ من الآكام والنجاد والكثبان والتي ربما تكون في تلك الساعة من سريان الصبا، قد اعتادت أن تتجه إلي حلب الناقة أو الشاة بوجه وضئ غشيه الهواء العليل فتهلل بشرا وازداد جمالاً ففتق في نفسها براعم الأمل في يوم جديد يحمل بشارات اللقاء والنقاء في سعادة ترتجي وإلا فما أهمية السؤال عن توقيت المسير الذي وصف مبتدأه بالهيجان؟ هل ذاك هيجان العاطفة جراء الفراق؟ ألم يقل أحدهم:

وما في الأرض أشقي من محب وإن وجد الهوي حلو المذاق
تراه باكيا أبدا …. حزينا مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي ان نأوا شوقا إليهم ويبكي إن دنو خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي وتسخن عينه عند التلاقي

ويستطرد صاحبنا الإعرابي:

لقد زادني مسراك وجد علي وجد !
إإن هتفت ورقاء في رونق الضحى علي فنن أو غصن بان من الرند
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن جليدا وأبديت الذي لم تكن تبدي

لقد بلغ من الوجد منتهاه وهو تساكب الدمع السخين! تخلصاً من احتشاد الحشا بالأسي! قال الحلنقي بقيثارة وردي الطروبة في مثل ذاك الموقف: ورجعت خليت الدموع يرتاحوا مني وينزلوا!
تتعاقب الأزمنة وتتباين الأمكنة والناس، خلق الله الجميل، هم الناس!
وتكر الدهور الطوال فينتهي المطاف بمواطننا، ذلك الراعي السوداني فيجد نفسه في تلك البادية في نجد أو في شبيهة لها في صحراء العرب فتبعثر دواخله وتهيج ورقاء أخري من حفدة تلك الأولي، إحساساً غلبه تحمله، لله در الحلنقي مجدداً، فبكي غناء:

البلوم في فرعو غني طرانا يا الحبان أهلنا!
طرينا مشوار العصاري ورعشة الورد البراري

و(لطرانا) في عاميتنا شؤون، فالطارئ من الأحداث والخلجات يدخل عليك فجاءة بلا استئذان!
وقد ذاع ذلك المقطع من الغناء للحد الذي يجلب الحسد أو الغبطة لذلك الراعي من قبل المتمرسين الذين اتخذوا الغناء حرفة لهم.
قالوا طارت به الأسافير كالفيروسات محاكاة للفرنجة في نعت الانتشار الواسع السريع. وأري من القسوة وفساد الذوق أن يوصف انتشار الجميل من الأشياء والمشاعر بانتشار الفيروسات. ألا ترون كم ألحق بالناس الضر والضرر هذا الفيروس المتوج ، (كارونا )وكم أزهق من الأرواح؟
أما حدا ء الراعي فكله خير عميم فلربما أعاد مغتربين إلي ديارهم بعد غياب طال وربما ذكّر بعضهم بواجبات تناسوها أو ربما أعلي من قيمة مشاعر إنسانية نبيلة في حب الأوطان والأهل والأحبة وأن التماس الخير بعيداً عنها لا ينبغي أن يفضي لتنكر أو نكران! وتلك تذكرة تسري سريان العافية في الجسد لا انتشار الفيروس!
أرسلت ( فديو) الراعي المغني لصديق راق له البقاء في جزيرة العرب في اغتراب تطاولت آماده وامتدت لعقود ، فبكي على القرطاس (ليتني كنت مثل هذا الأصيل سارحاً بغنمي حافياً بين تلك الشجيرات الشوكية لا أعبأ بأشواكها وهوامها!). أووه! ماذا يجوس ويجول في دواخلنا نحن أبناء الصحاري القاحلات؟!كنت إذا أسعدني الحظ فزرت مسقط الرأس، أحرص علي تلقي نسيم الصبا باكراً ثم أسير حافياً إلي النهر الذي يقع من بيتنا علي مرمي حجر قبيل الشروق بقليل لا أبالي وأنا أخطو علي الرمل البارد بالشوك من كل نوع هناك.
حتى إذا اكتحلت العين برؤية صفحة مياه النيل الحبيب وهي ساكنة ذكرت بيت العقاد:

ترفق يا نسيم ولا تكدر نعاس النهر بالهمس الضعيف!

وآخر لشوقي يصف ذات المنظر على بردي:

والشمس فوق لجين الماء عقيان!

وتداعت الأخيلة فذكرت من شأن المعتمد بن عباد فرأيته بعين الخيال يتجول في مروج اشبيلية الخضراء مع صاحبه الشاعر ابن عمار وهو يتأمل فعل الريح بصفحة الماء:
صنع الريح من الماء زرد
ولم يستطع ابن عمار مجاراته، لكن جارية اسمها اعتماد الرميكية كانت تغسل ثياباً علي شاطئ النهر التقطت قفاز التحدي فجادت قريحتها بالشطر الثاني للبيت الذي بدل حياتها من ذل الرق إلي عظمة الملك: أي درع لقتال لو جمد
فصار البيت :
صنع الريح من الماء زرد أي درع لقتال لو جمد !
فأحبها ابن الأمير المعتضد وتزوجها وتكني بها فأصبح حين صار له الملك بعد أبيه ،المعتمد علي الله ، اشتق لقبه من اسمها ،اعتماد! واسمه في الأصل أبو القاسم. وهو صاحب القصة الحزينة ” ولا يوم الطين؟!” حيث انتهي به المطاف أسيراً معدما في أغمات جنوبي المغرب.
وزرد درع من فضة يشبه تماماً تموج الماء بفعل الريح!

صحراؤنا ذات الكثبان الذهبية التي يحيل ضوء القمر ليلا ذراتها إلي حبيبات من الذهب الخالص يخفف من وحشتها هذا النهر العظيم لكن للصحراء سحرها الخاص الذي يموج في وجداننا أيضاً وهي كانت ولم تزل أثيرة لمن آنس وحشتهم صفاؤها ونقاء هوائها. ورغم أنها في الحقيقة مهلكة لمن لم يتزود بما يلزم لاجتيازها ، يطلقون عليها نقيض الهلاك فيسمونها من فرط حبهم لها مفازة. قال الجواهري يصف من يخوفونه بأنه لا يخاف لأنه لا يملك ما يخاف عليه فهو مثل زواحف الصحراء التي لا تنعم فيها بزينة :

بماذا يخوفني الأرذلون ومم تخاف صلال الفلا
أيحجب عنها نعيم الهجير ونفح الرمال وبذخ العراء

ذكر الملك جبلة بن الأيهم وهو يرفل في نعيم القيصر، مراتع صباه في بادية الشام وندم علي فراقها وحن إليها بعد أن تنصر فأنشأ يقول:
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني رجعت إلي القول الذي قاله عمر
وياليتني أرعي المخاض بقفرة وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدني معيشة أجالس قومي ذاهب السمع والبصر

والحنين الذي أيقظ شاعرية ملك العرب جبلة فنغّم الأشعار قد فعلها بمليك عظيم من سادات العرب في الأندلس، هو عبدالرحمن الداخل صقر قريشاً، الذي بني مجدا تليداً لبني أمية في جل جزيرة أيبريا دام ثلاثة قرون. لقد صنع من قرطبة مدينة من أعظم مدائن الدنيا في ذلك الزمان ومع ذلك فقد حن إلي مراتع صباه في الشام فغرس نخلة جلبها من هناك ولما سمقت تعانق السماء أودعها حنينه الجارف :
تبدت لنا وسط الرصافة نخلة تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي في التغرب والنوي وطول التنائي عن بني وعن أهلي
نشأتِ بأرض أنتِ فيها غريبة فمثلك في الإقصاء والمنتأي مثلي
سقتك غوادي المزن من صوبها الذي يسح ويستمري السماكين بالوبل

والورقاء من صنف القماري بلا جدال ، كم هي حبيبة إلي النفس، فهي بعض البيئة تكتمل بها الصور وتزدان الأخيلة.
كانت احدي عماتي تحرص علي الرد علي نداء القماري وهي تردد علي باسقات النخل غناء شجياً ، أغلب الظن عندي أنه نداء الطبيعة تتناغي به إناث الطيور وذكورها لحفظ النوع .لكن كانت عمتي رحمها الله وكنا نحن كذلك نحسبها تقول “أحمدوا ربكم!” وكانت عمتي لا تمل من التكرار: (حامدنو) وإن أصابها الضجر من التكرار أضافت ( ايه. حامدنو!) كأنما سئمت من تكرار النداء حثاً علي حمد النعم وهو أمر تقول عمتي بلسان الحال إنه متأصل في الخلق ليس بحاجة لتذكير. قال لي صديق من بوادي كردفان انهم هناك يحسبونها تقول شيئا آخر أنسيته أنا.
ويشاء الله أن يخرج من هذه القفار التي تبدو كالميتة، الحياة في أوسع معانيها، ( يخرج الحي من الميت) فتتفجر من أحشائها المعادن الثمينة السائلة والصلبة والمياه العذبة المكنونة في بواطنها فترفد الملايين بالحياة والعيش الهنئ والإنسانية بالنفع الذي تتقلب في نعمائه اليوم وربما غداً إلي ما شاء الله . أفلا نحبها ونأنس لرؤيتها كما نفعل عند رؤية النيل وكل نهر جاري؟ حري بنا أن نفعل ونردد ما كانت تردده عمتي: “حامدنو!”.


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات