رهانات التغيير ومآلات النجاح  .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن


أن رهانات التغيير في السودان تواجه أكبر معضلة في التاريخ السياسي في السودان، لأنه صراع بين عقليتين الأول عقلية التغيير الديمقراطي من خلال رؤى جديدة، و الثانية عقلية الإرث السياسي التقليدي. أن تجربة الثلاث سنوات الماضية أكدت أن الثنائية القاتلة قد برزت بصورة واضحة، عندما انصرفت القوى السياسية عن عملية التحول الديمقراطي و أصبح تفكيرها محصورا في السلطة، و كيفية الاستمرار فيها. و أكدت من جانب أخر أن القوى التي تعاني من إشكاليات تنظيمية و فكرية لا تستطيع أن تكون عنصرا فاعلا في عملية التغيير، و خاصة عملية التحول الديمقراطي، و كما يقول المثل ” فاقد الشيء لا يعطيه” فإذا استعرضنا كل حزب على حدى نجد أنه يعاني من ذات الإشكاليات التي يرفع شعاراتها، و نستعرض القوى المؤثرة في الساحة السياسية بعد عزل رئيس نظام الإنقاذ في 11 أبريل 2019م:-
1 – حزب الأمة القومي؛ بعد رحيل الإمام الصادق المهدي عليه الرحمة، أصبح الحزب يعاني من إشكالية تنظيمية و فكرية، لا تساعده على تقديم رؤى تخلق جدلا سياسيا في الساحة لكي يرتقي بها لمسار عملية التحول الديمقراطي، أن حالة الخلاف في الرؤى داخل الحزب جعلت هناك تصرفات تبدر من قيادات و تتبعها بيانات تنقد تلك التصرفات، حيث يتصرف رئيس الحزب بصورة يعتقد أنها صائبة للخروج من أزمة البلاد، ثم تصطدم رؤيته برؤية معارضة تعتقد أن الحزب لا يستطيع في الظرف الحالي أن يخرج من دائرة التحالف الذي ينتمي إليه، في ظل الصراع الدائر في الساحة، حزب الأمة لا يريد أن يفقد شعرة معاوية التي تربطه بالعسكر، و لا يريد أن يخرج من تحالف ” ق ح ت المركزي” الذي يعترف للحزب بقيادته في الصراع الدائر، لذلك دائما يكون هناك تصرفا ثم بيان يحاول أن يبرر التصرف و يفارقه. هذا السلوك السياسي يقزم من دور الحزب و يعطل قدرته الذاتية في عملية حل أزمة البلاد، حزب الأمة بهذه الحالة تجده يتفاعل مع الأحداث لكنه لا يستطيع صناعتها، لذلك يتراجع دوره القائد في عملية التغيير. فالحزب فقد مكنزماته الذاتية الدافعة لتقديم الحلول إلي قوى تؤرجحها الأحداث.
2 – حزب البعث العربي الاشتراكي؛ أيضا حزب تأثيره في الساحة السياسية طفيفا، و الزخم الذي أحدثه في الفترة السابقة يعود لوجوده في السلطة الانتقالية، لكن تاريخه السياسي في أنظمة الحكم في كل من ” العراق و سوريا” تاريخ مفارق للديمقراطية تماما، بل تم فيها كل الانتهاكات لحقوق الإنسان، و كانت هناك صلاحيات كاملة للمؤسسات الأمنية التي مارست كل صنوف التعذيب و القتل ضد المعارضين لنظامي الحكم، و حتى هذه الحظة الحزب لم يستطيع أن يقيم تجربتي الحكم في العراق و سوريا، و يجب على الأسئلة لماذا كان مؤيدا لنظم ديكتاتورية؟ لماذا لم يدين انتهاكات حقوق الانسان و القتل في تلك الدولتين، و كان له وجود في كلا القيادتين القوميتين للدولتين، و هي حالة تتطلب مراجعة فكرية، كما أن الحزب أيد انقلاب مايو و أرسل مبعوثا خاصا من القيادة القومية للتأييد محمد سليمان الخليفة الذي سقطت الطائرة التي كانت تقله في الاراضي السعودية، كما كان وراء عدد من الانقلابات في السودان، و بالتالي مطالب الحزب أن يقدم للشعب السوداني إجابة على الأسئلة. و ليس مستغربا في الفترة الانتقالية أن ينسى عملية التحول الديمقراطي لأنها ليست من أولوياته.
3 – الحزب الشيوعي السوداني إشكالية الحزب تتمركز في ثلاث قضايا الأولى الائحة التي تعاضد من المركزية الديمقراطية التي تسمح للقاعدة أن تتحاور بالصورة الديمقراطية المطلوبة و أن تحسم القضايا بالتصويت الحر المباشر في القضايا المطروحة، لكن المركزية تقدم رأي الفئة القابضة على مفاصل الحزب، و بذلك تحسم القضايا بالصورة التي تمكنها من السيطرة على الحزب. الثانية أن المرجعية الفكرية للحزب تحتاج إلي مراجعة فكرية لكي تتلاءم مع شعارات الديمقراطية، ثالثا أن الحزب الشيوعي له لسانان و هذا يرجع لعمله السياسي من خلال العديد من الواجهات التنظيمية الأخرى، مثالا لذلك يصدر الحزب بيانا يدين تسيس الخدمة المدنية، لكنه في ذات الوقت يعين عضويته من خلال الواجهات ” رابطة الأطباء الاشتراكيين – تجمع المهنيين – منظمة لا لقهر النساء – الصحافيين الديمقراطيين – تجمع القوى المدنية و غيرها. و يعتقد أن ذلك يغيب على السياسيين. و شعارات الديمقراطية و الحرية التي يرفعها الحزب هي شعارات تكتيكية. و الذي ينادي بالحرية و الديمقراطية يجب عليه تطبيقها داخل مؤسسته أولا. و المسألة الأكثر أهمية أن الحزب حتى الآن لم يستطيع أن يبرز قيادات جديدة تستطيع أن تتفاعل مع العقليات الجديدة المؤمنة بالديمقراطية أيمانا قاطعا و ليس تكتيكيا.
4 – حزب المؤتمر السوداني أدى في زمن المعارضة أداء جيدا، و استطاع أن يخلق له تأييد في الشارع يتفاعل معه، بعد الثورة استمر الأداء الجيد، و بدأ يزاحم الكبار في مواقعهم بل و يشكل تهديد لهم، الأمر الذي أرق الحزب الشيوعي الذي بدأ يخرج نفسا حارا ضد الحزب، و اتهمه بالمدعومين من الخارج، و في مرحلة طالب الشيوعي من رئيس المؤتمر السوداني التوقيع علي بيان مشترك مساندة لعملية التغيير عندما تأزم الوضع بين المدنيين و العسكر. رغم إن الحزبين كانا في تحالف واحد قوى الحرية و التغيير. لكن السلطة جذبت المؤتمر السوداني التي أثرت على أدائه في الشارع، و في نفس الوقت خفض بريقه وسط شباب الثورة، و السلطة قد أنسته شعارات التحول الديمقراطي، لذلك أصبح عيونه حتى الآن متعلقة بالسلطة، الأمر الذي عطلت حتى القدرات الفكرية التي كانت تظهر عند البعض، فالرؤية عنده محصورة للرجوع لما قبل 25 أكتوبر، و ليس التحول الديمقراطية، لآن الأخيرة تجعل العقل يبحث عن العودة للمسار الديمقراطي بآليات و أدوات جديدة بعيدا عن طريق الفشل الأول.
5 – تجمع الاتحاديين كان معقودا عليه أن يجري الإصلاحات التي يتطلبها المسار الديمقراطي، و يصبح مرشدا لها  بحكم المرجعية الفكرية الليبرالية، لكن التجربة أثبتت كان هدفه؛ كيف يستطيع أن يجعل من ” ق ح ت ” قوى مناصرة له ضد التيارات الاتحادي الأخرى في الساحة، و يكسب شرعيته بوجوده داخل هذا التحالف. لذلك اصبحت السلطة ضامن لاستمراريته. و نسيت قيادته أن الصراع من أجل السلطة مسألة غير مضمونة لأنه صراع مصالح و تتغير التحالفات وفقا لتغير المصالح. و كنت مستغربا جدا؛ عندما يقول نائب رئيس لجنة إزالة التمكين ليس معنيين بتشكيل محكمة الاستئناف، و لا أدري إذا كان كان يعلم أن العدل هو حجر الزاوية في الديمقراطية، المسألة الأخرى كان لدي شباب التجمع الاتحادي فرصة كبيرة أن يجمعوا شتات الاتحاديين برؤى جديدة يصيغونها من خلال الموقع الذي اوجدهم فيه التغيير، إذا كانوا تمسكوا أن تكون عملية التحول الديمقراطي هي أساس الفعل السياسي، لأنها كانت نقلت الحوار السياسي لأفاق أرحب بدلا أن تكون محصورة في السلطة و الاستمرار فيها. و كانوا أعادوا للاتحاديين بريقهم و قدرتهم على صناعة الأحداث.
أن الإزمات التي تعاني منها في تحديث مؤسساتها و خلق المواعين الديمقراطية التي توسع دائرة المشاركة، هي التي كانت سببا في عملية أخفاق الفترة الانتقالية ثلاث سنوات، حيث عجز العقل السياسي أن يقدم رؤى لمسألة التحول، و مادام هم الذين حصروا العقل في السلطة و الصراع حولها، يجب أن يتحملوا المسؤولية الكبيرة لحالة الإخفاق السياسي. سوف يسأل شخص لماذا يهمل المقال العسكر؟ لآن العسكر لا تكوينهم الثقافي يتماشى مع الديمقراطية و لا الإداري و الانضباط ملائم للديمقراطية. و من البداية كان العقل السياسي يكون مدرك إدراكا تاما للشريك الذي يتعامل معه، و بالتالي يكون المصر على تأسيس المؤسسات التي تعتبر قاعدة التحول الديمقراطي، لكن السلطة كانت و مغرياتها صرفت القيادات عن الشعارات التي كانت ترفعها. و نسأل الله حسن البصيرة للجميع.
zainsalih@hotmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك

0 تعليقات