ماذا خسرنا بتصديقنا الطيب صالح بأن الكيزان ليسوا منا؟  (2-2) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


لا يجد كثير ممن عارضوا نظام الإنقاذ عسراً في نسبة ثورتهم الناشبة إلى ثورتين سبقتا هما ثورة 1964 ضد نظام الفريق إبراهيم عبود (1958-1964) وثورة 1985 ضد المشير جعفر نميري (1969-1985). فالناظم لهذه الثورات نسب ثوري لاستعادة الحكم المدني الديمقراطي. وللغرابة ظل هؤلاء المعارضين يجدون عسراً في نسبة نظام الإنقاذ (1989-2018) إلى ما سبقه من نظم ثاروا عليها. فالإنقاذ، نظام الكيزان (الإسلاميين) كما هو متعارف، في رأيهم منبت لا أصل في ثقافة أهل السودان بالمرة. وساقتهم “أبلستهم” لنظام الكيزان إلى ما يشبه العفو بالتقادم عن الأنظمة الطغياينية التي سبقته باعتبار أنها، برغم شططها، مما يمكن نسبتها لأهل السودان بشيء من المشقة والحرج بالطبع.
ولما تخلص المعارضون للإنقاذ منها بنفي نسبتها عن السودان عاشوا بغير ما يستحق المعارضة كنظام سياسي واجتماعي وثقافي وتاريخي وإن صح مقاومتها كأكذوبة أو كابوس. ولما قضوا على الإنقاذ في أبريل 2019 رحل الكابوس وعاشوا في التبات والنبات لا يكدر صفوهم سوى واحدهم الآخر.  وتورطوا، لما خلت جعبتهم من مفهوم الثورة المضادة التي هي الإنقاذ المهزومة، في غرارة سياسية لا يأتيهم الخطر فيها إلا من ثوري مثلهم.  وتجدهم، حتى بعد أن عضتهم الثورة المضادة بنابها، يتلاومون فيما بينهم من منهم باعهم للشيطان. ولهذه الغرارة وجهها الأخر في خروج بعض الثوريين ينسب فشل الانتقالية لأخطاء ارتكبتها جماعات منهم، أو أفراد، كأنهم لو أحسنوا سلموا بلا كدر.
في هذا الجزء الأخير من المقال أعرض لمفهوم الثورة المضادة ومشروعها في السودان
يربط بين النظم التي قضت على الثورات في 64 و85 والتي بين أيدينا من حيث تضاد الثورة قسمات لم تخل واحدة منها:
1-فهي على عداء مستقيم للديمقراطية بحجب حرية التعبير والتنظيم. فتبدأ بحل الأحزاب بذريعة فجورها في الخصومة على حساب الوطن. ولا تكتفي بهذا فتسرع إلى تجريد المواطنين الذين هبت باسمهم من نقاباتهم، بيت القصيد، وهي المتفق على حسن إدارتها لشأنها. ثم تعطل الصحف لتصدر “صحافة البرش” وهي ما كان يطلقه الناس على صحيفة “الثورة” في نظام الفريق عبود لصدورها في غير حجم التابلويد السائد وقتها.
2-صورتها للدولة هي الثيوقراطية. وصدف أن كانت أول محاولة صريحة لذلك في النظام المدني الذي انتكس بثورة أكتوبر 1964. فتواثقت تلك القوى المدنية على مشروع الدستور الإسلامي في 1968 وكاد البرلمان يجيزه لولا انقلاب نميري عليه في 1969 واصفاً ذلك الدستور بأنه لا يسوى الحبر الذي كتب به. وفي ملابسات لن تشغلنا هنا احتاج نميري في مغرب عهده للدين لتسويغ حكمه فشّرع قوانين سبتمبر 1983 وصار السودان بذلك دولة إسلامية بليل وعليه خليفة العهد له بالبيعة لا بالانتخاب. ثم جاءت الإنقاذ بمشروعها الحضاري الإسلامي كما رأينا. ومع أن الفريق عبود حكم بنظام “علماني” موروث من الإنجليز إلا أنه فرض، لما بدأ جنوب البلاد بالتفلت منه في أول الستينات، دولة شبه دينية عليه قوامها الأسلمة والتعريب.
3-وهي دولة ذكورية لم تقبل بعد بمواطنة المرأة حتى بعد كسبها استحقاقاً حق الترشيح والتصويت بفضل ثورة أكتوبر 1964. وحضور النساء الطاغي في الحراك الأخير بيان كاف على عمق الإهانة التي تغلغلت في أفئدة النساء بتحول الدولة إلى “مطوعين” تفتش حركاتهن وسكناتهن بريبة متأصلة. وتركزت هذه الإهانة في قانون النظام العام لعام 1996. وهو القانون الذي عزم الرئيس البشير على مراجعته في أصيل أيامه لاسترضاء النساء. وسبق السيف العزل.
4-وهي دولة لا مكان للآخر في إعرابها ومواطنتها. فقامت الدولة المستقلة للسودان على أنها “للعرب ودينها حير دين يحب”. وكان ذلك حداء الحركة الوطنية في تخيلها للدولة متى تحررت. وتمسكت بهذه المركزية الإثنية والثقافية في وجه مطلب الآخرين المشروع للمواطنة. وكانت الحركة القومية الجنوبية قد بدأت هذا المطلب منذ 1955 ب”تمرد” دموي محدود ساق بالزمن إلى خروج الجنوب عن السودان جملة واحدة في 2011 بعد حرب أهلية شقية تهدأ لتندلع منذ استقلال البلاد. ولا يكشف عن ضيق هذه الدولة بالآخر واستماتتها في مركزيتها مثل “سعادة” الرئيس البشير بعد انفصال الجنوب. فقال مزهواً لقد خرج الجنوب عن السودان، وباخت قضية التنوع الثقافي التي ظل يرفعها الليبراليون للدعوة لدستور مدني. فالدولة، في قوله، صارت خالصة لمسلمين، فلا “دغمسة” بعد اليوم فقد تبين الرشد من الغي.
5- وهي دولة الدفع الرأسمالي التي ظلت تخرب ملكية الدولة لقمم الاقتصاد والرفاه الموروثة من الاستعمار وفق روشتة صندوق النقد الدولي للتكييف الهيكلي. وهي روشتة هدفت إلى إخلاء المسرح الاقتصادي للمبادرة الرأسمالية الخاصة مما كتب عنه الاقتصادي الدكتور على عبد القادر بتوسع. وقطعت الإنقاذ شوطاً مرموقاً في هذا الطريق بإخراس صوت النقابات التي قاومت هذه الخصخصة طويلاً. ولم تتورع الإنقاذ من الخضوع لإملاءات الصندوق حتى أن رفع الدعم الأخير الذي أثار ثائرة السودانيين عليها في ديسمبر 2018 كان بتوجيه من وفد لصندوق النقد الدولي بارح الخرطوم بأيام قليلة قبل اندلاع الثورة. وبان هذه الدفع الرأسمالي في بروز طبقة رأسمالية فاحشة بين بيروقراطي دولة الإسلاميين قريباً من الأوليغاركي الروسية من حول الرئيس بوتين. ومن أحسن من نفذ إلى حقائق هذه الطبقة بما قصر عنه ماركسيو السودان الإسلامي الدكتور التجاني عبد القادر.
لا أعتقد أن الطيب صالح أراد لسؤاله “من اين جاء هؤلاء؟” أن يكون نهاية الأرب في العلم عن دولة الإنقاذ. ولكنه صار عندنا كذلك كما في المفارقة التي بدأت بها مقالي. فتواثق السودانيون على صحة نسب ثورتهم الحالية إلى ثوراتهم في 1964 و1985. ولكنهم، من فرط فظاظة الإنقاذ عليهم، جعلوا دولتها وثقافتها تغريداً خارج الوطنية السودانية وثقافتها. وهو قطع للوصل لا سند له في التاريخ. وأراد مقالي أن يكشف عن البنيات السياسية والاقتصادية والثقافية في مجتمعنا التي خرج منها هؤلاء وأولئك كأعلى مراحل الثورة المضادة حتى رحلوا عنا بإذن الله
IbrahimA@missouri.edu

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق, 3 shares

تعليق واحد