مبعث الفأل فى بروتوكول التعاون المشترك!؟ .. بقلم: آدم خاطر


العلاقة مع الدولة الوليدة فى الجنوب بكل خلفياتها وتاريخها ومراراتها وما يخيم على أجوائها الحالية من مشاهد ومآلات ، تظل هذه الوشائج من الأهمية بمكان ولا فكاك منها ، مهما تكاثرت الخيبات والتعقيدات خلف القضايا موضوع التباحث معهم، تقديرا لاعتبارات ووشائج تحمل العقلاء فى الطرفين من النظر بتمعن لما يتوجب عليهم فعله للمحافظة عليها  !. وقد ظل بعضنا يطلق على الملفات العلاقة معهم قضايا ما بعد الاستفتاء ، وبحدوث الانفصال فعليا تحولت الى قضايا ما بعد الانفصال ، وعمر التفاوض حولها يقارب العامين حيث بدأت بصورة فعلية فى أكتوبر 2010م  !. لئن كانت اتفاقية نيفاشا أو ما يعرف باتفاقية السلام الشامل استغرقت  عاما كاملا كى نصل اليها ، ها هى الموضوعات بتعقيداتها  التى تفرعت عنها تمتد لتتجاوز سقف الاتفاق الرئيسى وبعضها لا يزال معلقا كما هو الحال بالنسبة للمناطق المتنازع عليها وأبيى بصفة خاصة !.  وما يشغل بال افرقة التفاوض فى الجانبين هو أن تصل الى حلول وتفاهمات بشأنها مهما كانت المشاق والصعاب التى تعترض الطريق ، سواءً مصالح كل طرف أوالضغوطات الدولية والاقلمية ومصالح بعض الدول الكبرى ، أو القرار الأممى 2046 أو غيرها من الأسباب التى اعترضت المسار لحادثة وفاة رئيس الوزراء الاثيوبى من شهر تقريبا !. يبقى التحدى أمام الدولتين فى الافادة من الحوار الذى يجرى  والذى توج بهذه القمة التى استمرت لأربعة أيام وخلصت الى ما خلصت اليه من توافقات مهما كان مردودها على كل طرف !. وقد ظلت الأنظار تترقب ما سيخرج من قمة الرئيسين البشير وسلفاكير من أديس أبابا عقب جولات متطاولة  ومضنية وسلسلة من القاءات بين المختصين فى الجانبين تقترب وتبتعد احيانا ، لكن الارادة ظلت متوفرة والتشويش كان أقل مما كان يلازم جولات التفاوض السابقة ، والعبرة بالنهايات كما يقولون، وكيف بالامكان المحافظة على ما انجز وحبسه من التراجع !.
نقول بذلك وقد شهدنا كيف كانت المناورات والتشويش بالتصريح والتلميح وبالفعل العنيف ، وكيف هى عقلية القيادات الجنوبية المفاوضة فى الجولات الماضية ، وأجواء الحرب والاعتداء على العديد من المناطق على حدودنا ، ثم احتلال هجليج وتوقف ضخ النفط وحالة العدائيات التى خيمت على المشهد السياسى ، وألغت بظلالها السالبة على المفاوضين ومنعت أى تقدم فى أى مسار الا القليل !. شهدنا ذلك ووقفنا على سلبية زعيم الجنوب وارتباطاته التى تشده الى عدم التقارب ، واستمر الأمر على ذات الحال فى وجود أشخاص بعينهم فى الجانب الجنوبى ظلوا مصدر توتر واثارة بما يرسمونه من حماقات وافادات غير مسئولة لم تأخذ بأى اعتبار يساعد فى ترميم علاقات البلدين وعبور الحواجز الموجودة ، فضلا عن المزايدات السياسية  وحملات الارباك السياسى ومطامع وتقاطعات الدول الكبرى ومصالحها !. لكننا نلحظ أن هنالك تحولا كبيرا لهذه الناحية قد حدث وتوافق أكبر فى افادات الناطقين الرسميين فى الجانبين بدأ يعالج بدوره ما تحدثه التصريحات السالبة من تشويش على المتلقى ، بل كان للاعلام دورا مقدرا فى عكس هذه الروح الموجبة والحرص من كل طرف على انجاح القمة كونها الأولى من نوعها وقد سبقها تحضير جيد مكن الطرفين واللجنة الافريقية رفيعة المستوى من أن تصل الأطراف الى هذه الفاهمات التى أعلن عنها ، وهى مرحلة أراها قفزة مطلوبة وكبيرة على ما كان يظن والتوجسات التى هيمنت على المشهد والمخاوف من فشل كلى قد يحدث !.لذلك تأتى ثمرة هذه القمة فى أنها نقلت مربع الحوار مع دولة الجنوب الى مربع جديد كان مطلوبا بشدة لو قدر له أن يكون فى السابق لأمكن من الوصول الى حل نهائى لمجمل القضايا العالقة !.ليس هذا فحسب بل أن ذات المنبر الذى تحتشد فيه الأطراف الرئيسية برعاية الاتحاد الافريقى جمع الى جانب ما يدار مع الجنوب من حوار ، لقاءات فرعية مع ما يسمى بقطاع الشمال لطبيعة تلاقى موضوعات الولايتين المتاخمتين وتقاطعاتها مع قضايا الجنوب ووجود الحركات المسلحة بأراضى الجنوب وارتباط الفرقتين التاسعة والعشرة الى جانب التشابكات الأخرى من حيث السكان والوجدان على الحدود ، وأن أى تسوية تتم مع الطرف الجنوبى أو مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان من شأنها أن تكمل الآخر ، بل بمقدروره أن تعزز مطلوبات الأمن والاستقرار واستكمال الحلقات الأخرى بالربط الذى حدث رغم تحفظاتنا على بعض جزئياته ومسمياته وما يرفعه من مطالب  !.
هذه القمة التاريخية التى جمعت الرئيسين وما خرجت به من بروتوكول للتعاون المشترك رفعت سقف التفاوض ومخرجاته الى رحاب وآفاق أفضل ، وأسست لآلية ناجحة وفعالة ظلت مفقودة نسبة للأجواء السابقة التى منعتها من أن تلتئم لما وقع من اعتداءات صارخة وتصعيد جنوبى على مناطقنا وحدودنا لا يقبل أى تعامل غير الحسم الميدانى !.ولكن الشاهد ات ما اتضح من نتائجها الآن أن ما كان قد فات أى طرف من مكاسب فيما ظل يرفعه من مطالب وسقوف فى الاتفاقات السابقة يمكنه أن يعوضه بالتعاون والتعاطى المستقبلى السلس ، بتحييد الأجانب ودورهم وبتعظيم المصالح الاقتصادية والتجارية بين البلدين وتمكين حركة انسياب البشر والسلع والخدمات وكل ما فيه مصلحة الشعبين الذين تربطهما أواصر لا يمكن الاستغناء عنها أو الالتفاف عليها بوسائل وآليات طارئه ، وهذا ما كان من العلامات البارزة لهذا الاتفاق أن جمع بين الاقتصاد والترتيبات الأمنية بمقاربة معقولة كادت أن تكون صفرية لا خاسر فيها !. والتركيز الذى أبقته هذه القمة باعلاء مصالح الشعبين لجهة النواحى الاقتصادية أمر من الأهمية بمكان ينبغى تسليط الضوء عليه ليكون هو العمود الفقرى الذى يحمل بقية المسائل الأخرى !. صحيح أن الناحية الأمنية مطلوبة للاستقرار ولكن الأضرار الاقتصادية التى لحقت بالطرفين فى السبعة أشهر الماضية اذا ما حصرت تبعاتها وكلفتها وقدرت ماديا لعرف كل طرف حجم التبعات فضلاعن الخسائر فى الأرواح والمباعدة التى وقعت على العقل الجمعى بالشمال والجنوب !. بروتوكول التعاون المشترك بما حققه من اتفاقيات متعددة فى مختلف المحاور لو قدر له أن يجد حظه من التطبيق الجيد والالتزام الصارم بمواقيته وآلياته لأعان كثيرا فى الجولة القادمة لحلحلة وتفكيك مطلوبات المناطق المتنازع عليها وقضية أبيى بصفة نهائية كون الأطراف اعتمدت طرائق وآليات بديلة أكثر واقعية وعملية بحضور الرئيسين !. كافة الأطراف عليها أن تعصم هذه المكاسب من أى انتكاسة أو اسقاطات أو تراجع أو هزات ارتدادية خاصة وأن هنالك مجاميع ليست بالقليلة هنا وهنالك ليست راضية عما تم وستعمل على اعادة رياح الحرب ودق طبولها ، علينا أن نتنبه الى الامساك بما تحقق ، ونحيطه بسياج مانع ومصدات رياح قوية تستوجب أن يسهر رئيسا البلدين على متابعة ما أنجز بصفة لصيقة وشخصية !. ومبعث تفاءلنا يأتى كون الاتفاق أعاد لحمة البترول وصادراته الى التدفق عبر الشمال الأمر الذى يمكن أن يكون نواة لشراكة اقتصادية مستقبلية من شأنها أن تعين على معالجة قضايا أخرى فرعية بما يوفره النفط من موارد وفرص عمل وانعكاس ايجابى على المجتمعات فى البلدين !. هنالك من سيسعى لتقويض هذا الاتفاق وقد رأينا كيف هى الأصوات الآن بالجنوب ، ومدى صمود كبير مفاوضين الجنوب باقان  والمحافظة غلى  قناعاته  الجديدة بما تم كفيلة ، بأن تعيد المشهد السياسى الى مربع المنافع المشتركة ومولاة التفاوض لانجاز أكبر فى الملفات المتبقية والحريات والاستثمار وغيرها من الخلافيات الآنية التى حبسها النفس السابق وما رسمه من حنق وأدواء نأمل أن يكون قد غطى عليها اتفاق أديس ابابا فى يوم 27/9/2012م الى غير رجعة ، والله الموفق والمعين !.        
adam abakar [adamo56@hotmail.com]


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات