من حق أهل الشرق تقرير مصيرهم السياسي والاقتصادي وولخ!! .. بقلم: عبد الغني بريش فيوف


قلنا منذ بداية نجاح الثورة السودانية، بان تجزئة الأزمة السودانية، لم ولن تؤدي الى حلول دائمة وشاملة في البلاد، إلا ان حكومة الفترة الانتقالية التي انبثقت عن ثورة ديسمبر 2018م، اتبعت سياسة تجزئة الحلول وقبلت بمشاركة كيانات واجسام وهمية في مفاوضات جوبا.
كان نظام المخلوع عمر البشير، يتفاوض فقط مع الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال ومع بعض الحركات الدار فورية في منبر اديس ابابا والدوحة، لأن هذه الحركات فعلا لها ثقلها الشعبي والجماهيري، ولها أراضي واسعة تسيطر عليها (مناطق محررة). لكن حكومة الفترة الانتقالية ونتيجة للصراع الدائر بين الشق المدني والعسكري، اختلق كل منهما اجساما وهمية في منبر جوبا، لتقوية موقف ووجهة نظر كل منهما.
مسار الشرق كان واحد من المسارات الوهمية التي اختلقتها الحكومة الانتقالية في منبر جوبا، لكن أهل الشرق بكل قطاعاتهم الشعبية والجماهيرية، رفضوا هذا المسار المسخ، ووصفوه بالمحاصصة، كونّه، لم يعالج ازمة الشرق من جذورها.
بالفعل بعد التوقيع على سلام (جوبا)، خرجت تظاهرت شعبية وجماهيرية كبيرة في كل مدن الشرق، بورتسودان، والقضارف، وكسلا، رافضة لهذا الاتفاق “المهزلة”، وكان يفترض ان تتعامل الحكومة الانتقالية بجدية مع هذا الرفض الشعبي والجماهيري الواسع لمسار الشرق، لكنها استهزأت بهذا الحراك الشعبي ومضت في عملية المحاصصة وتوزيع الوظائف حتى تفجرت الأوضاع السياسية والأمنية وخرجت عن نطاق السيطرة أخيرا.
عزيزي القارئ..
إذن ما يحدث في شرق السودان الآن من تظاهرات شعبية واغلاق للطرق والموانئ وغيره من الإجراءات، لها أسباب وخلفيات تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية ممتدة، وقد أخفق ما سمي بمسار الشرق في مناقشة هذه الخلفيات والأسباب، وكان من الطبيعي جدا، ان يرفض اغلب أهل الشرق هذا الاتفاق المحاصاصتي بكل نصوصه ومواده.
النظرة العميقة للأحداث الجارية في شرق السودان، تقودنا سريعا الى ان السبب الحقيقي لهذه التطورات الخطيرة، هو فشل النخب السودانية الحاكمة في إدارة البلاد بتنوعاته اللغوية والثقافية والدينية والقومية والسياسية والاجتماعية، واقتصار جهودها على الحفاظ على مصالحها وامتيازاتها الخاصة، وإصرارها على عدم الاعتراف بأخطائها ورفض كل محاولات التقييم الجدّي لنجاحها أو فشلها.
ولطالما.. لا مشروعا وطنيا موحدا لكيفية مواجهة التحديات التي تواجه مواطن شرق السودان..
ولطالما.. هذه النخب الحاكمة غير قادرة على خلق وعي جديد يواكب التحديات ويساهم في حل مشاكل كل البلاد، وتعتمد على وعيها القديم وتستخدم أدواتها القديمة -أي انها تحل المشاكل الجديدة بوعي قديم..

ولطالما.. أثبتت النخب بكل شرائحها عدم قدرتها على بناء حالة من “التعددية السياسية” التي يتم من خلالها التنافس السلمي على السلطة، وممارسة قواعد اللعبة الديمقراطية..
ولطالما.. لجأت النخب الحاكمة إلى الجهوية والقبلية والإثنية والمحسوبية والمحاصصة، واعتبرتها المعايير الأساسية لإعادة بناء الدولة..
ولطالما، هؤلاء النخب فشلوا فشلا ذريعا في إدارة الدولة بالطريقة التي ترضي كل شعوب السودان، فان الحل لأزمة شرق السودان، يكمن في إعطائه حق تقرير المصير، ذلك ان حق تقرير المصير للشعوب يعتبر من المبادئ الأساسية في القانون الدولي باعتباره حقا مضمونا لكل الشعوب على أساس المساواة بين الناس.
نعم، الحل يكمن في إعطاء شعوب شرق السودان الحق في تقرير مصيرها، إذ ان أهمية هذا الحق تتضح في كونه يشكل الإطار العام الذي تندرج ضمنه كل الحقوق.
طبعا، سيخرج من يتهمنا من السذج والأغبياء، باننا ندعو الى تفتيت ما تبقى من وحدة السودان، لأنهم ولغبائهم يعتقدون ان الوطن مجرد خريطة ترابية فحسب، بينما الوحدة الوطنية وفقا للباحث الكندي “غلين ويكشفن”، هي الأثر الذي يحدث نتيجة أسباب معينة في المجتمع حيث تقود هذه الأسباب إلى ترابط الشعب مع بعضه البعض؛ بحيث يمنع هذا الترابط أي دعوات انفصالية في البلاد وأنه لإدامة الوحدة الوطنية لابد من معرفة الأسباب التي تؤدي إلى تدميرها، مثل :انعدام الأمن ،وتأكيد المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، والتمييز بين المواطنين من قبل الحكومة ووجود محسوبية في أجهزة الدولة.
الحقيقة التي ينكرها السودانيون، هي ان ليس هناك ما يجمع بين شعوب السودان من شيء.. فلا انتماء حضاري وتراكم تاريخي بينها، ولا منظومة سياسية متكاملة ومنسجمة تجمعها، ولا رغبة حقيقية في العيش المشترك، ولا هناك ما يعظم الروابط التي تشكل نسيج الانتماء وقوام اللحمة بين عناصره ومكوناته!!!!!!!
في الختام..
ولطالما كل هذه العناصر غائبة وغير متوفرة بين شعوب السودان، وفشلت النخب الحاكمة في إدارة الدولة بطريقة مرضية ومقبولة، فيجب إذن إعطاء اهل شرق السودان -حق تقرير مصيرهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومرفض وصف الحراك الشعبي وقياداته في الشرق، بالفلول وبأنصار المؤتمر الوطني المحلول.

 

bresh2@msn.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!