ورحل شريف.. فمَن يسِدّ خانته في المُجْتمعِ والجَلْساتِ الجميلةِ؟ .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي


لا حول ولا قوة إلّا بالله،
إنّا لله وإنّا إليه راجعون،
تقبل الله الفقيد شريف الطيب نُقُد قبولا حسنا وأحسن عزاء الاسرة الكريمة في مدني وكل الاهل.
لا نقول إلَّا ما يرضي الله، له الحمد والشكر..
اللهم صبِّرنا واخوانه واخواته فقد كان شريف شريفاً ومُحِبّاً للجميع.
كان طيب القلب وسمْح الروح، صاحِب دُعابة وحِكْمة وقول سديد.

كان شريف عِطْر الجلسات وفاكِهة الونسة واللقاءات الأسرية..
كان ظريفا في حضوره وحاضِرا في غيابه على ألسِنة الجميع بالحكايات اللطيفة والسِيرة الطيّبة..
أعزي نفسي في فقدي لأخٍ وصديقٍ كانت ليّ معه ذكريات كثيرة، جميلة وعَطرة، وكل فردٍ منّا جميعا، أهل وأقرباء وأصدقاء وأصحاب وزملاء دراسة وبالأخص في مدني، كانت له مع شريف مِثْلها ورُبّما أعمق خاصة الذين لمْ تأخذهم مثلي المهاجر بعيداً عن شريف لسنينٍ طويلةٍ. كان حضور الفقيد في أي مكان وزمان يملأ الدنيا سرورا..
مع مَن ستَحْلَوْ مرَة أخرى تربيزة الويست والهارت والكُنْكَان وطاولة الشيش بيش والمَرْس وكيف تنْفَعِل مع مشاعرٍ وردِّ فِعْلٍ مِثْلما كان لشريف عندما يأمل ويطلب (دُش) وتمنحه جَدْعَته لزَهْرِ النّرْد (هَبْ يَكْ) ويفْرَح عبد القوِّي ويغيظه بأنّه يمشي مشي الضُباط خطوة والتانية مُسْتحيلة، فيواسيه عبد السلام بإحدى عباراته القصيرة ويقول “الله لا كَرّبَ عليك”، فلا غَرْو أنْ تنادي زينب أصغر أشقائها عبد السلام بـ “الحَنّان”!

أبْكِي شريف مع الأحياء والأموات من أهلنا.. أبْكِيه مع أخوالي الراحلين، محمد وبابكر وعمر وعثمان وعلي النور مصطفى، فقد كانوا يكنّون له ودّاً خاصا ومع والدي محجوب الماحي وكان لشريف حديثٌ دائمٌ عن استقامته وتجرُّده في العمل السياسي والاجتماعي وفي الخِدْمَةِ المدنيّةِ ويضرب به المثل في المُناصَحَةِ وقولِ الحَقِّ للحاكِمِ أو في المُجْتَمَعِ عموما.. وأبْكِيه مع عمي حسين عبد الرحمن بلال وقد كان شريف يتقاسم مع ابنه فيصل حسين كرم وأريحيّة والده ويده المَمْدودة بالعطاء..
أبْكِي شريف مع أنداده، العُمدة هاشم بابكر والعميد صلاح محجوب، وأبْكِيه مع الراحلين الذين سبقوه، فيصل وكانت بينهما معزّة خاصة ومصطفي الذي تجَلْجِل ضحكته مع رؤية شريف فتضُمّهما سريعا عشرة كُشتينة.. أبْكِيه مع شقيقي النور في جدَّة وأواسيه في تجدُّد أحزانه بعد فراقه قبل أيام خال أبنائه المرحوم محمد عوض مختار الماحي الذي ترك مكانه شاغِرا بين أبناء وبنات العم العزيز المرحوم عوض مختار ووالدة محمد، أمّ السودانيين في جدة، آمنة عبد الجليل حفظها الله ومتّعها بالصحة والعافية، ولا أراها الله مكروها في عزيزٍ لديها..
وأبْكِي شريف مع شقيقتي المرحومة إلهام وقد كانت تحِبّ حضوره وتسْعَد بوجوده وتحمّله اشواقها لشقيقته صالحه.. وفي زيارتي الاخيرة لمدني حمّلني شريف من محله أكياسا كثيرة من حلاوة المولد وعندما قلت هذا كتير، قال لي ومَن يرُدّ لإلهام بعض أو القليل من عطاياها وكرمها..

وأبْكِي شريف مع منذر ابو بكر وقد كان الفقيد يقول عنه أنّه خير مَن مثّل الاهل في الخرطوم من آل الماحي وآل النور بمدني، مُتواصِلا مُتراحِما مُشارِكا في كل المناسبات بأفراحها واحزانها.. ويضيف مُبْتَهِجا “هنيئا لنا كلية اسنان جامعة الجزيرة التي منحتنا سامح ود صلاح ومنذر ود حنان.. فصِرنا نرى فيهما أهلنا في الخرطوم”.. فيدفعني تذكُّر عبارته لأبْكِي مع شقيقتي حنان وزوجها أبو بكر فقدهما “الخال شريف” كما يناديه ابنهما منذر الذي بفضْلِ شريف واخوان شريف واخواته وابنائهم وكل الاهل في مدني أخذ الدكتور منذر الطريقة السويّة في الحياة فجمع الترقّي الأكاديمي في طبٍ الاسنان بجامعة الجزيرة والتعلُّم والتخرُّج من مدرسة الحياة بمدني السُنّي ونال تحت اشراف خاله شريف أعلى دبلوم التخصّص في حُبِّ الناس كل الناس وخِدْمتهم من ديار آل نُقُد وآل الطريفي حمد وآل فضل الله مكي وآل الأمين الكارس وآل شاور.. فيا لها من مُشاركة في التربية.

أبْكِي شريف في ود أزرق بيت بيت، وفي الدرجة مع اولاد وبنات الطريفي حمد وحيثما رحلوا وتنقّلوا، وفي الحي البريطاني مع أيامنا الجميلة التي عِشناها فيه، وفي بركات ومارنجان والمحالِج وتفاتيش أبو دقن وشلّعوها وحصاد لوزة القطن طويل التيلة.. أبْكِيه في سينما الخواجة والوطنية بمدني وكلوزيوم والـ (بي ان) وغرب وسينما امدرمان مع خاله عمر سينما وفي حديقة الحيوانات التي كان يحِبّ التجوّل فيها، وحديقة القرشي عندما كان يديرها خاله محمد سليمان وكانت زاهرة مُخْضَرّة تعْجِب..
أبْكِي شريف في ود البنا والعمارات شارع 61 وفي حوش بيتنا ببري.. أبْكِيه في البيوت التي سكن فيها خاله عبد الفتاح سليمان وإخوانه وأسرهم، وأبْكِيه في جلسات السطوح مع عبد الرحمن سليمان وقد تمتّعنا باللقاءات مع عوض حمد كرار وضحكاته وحكاياته الشيّقة بين حشو غليونه وتنظيفه في قعْداتٍ محضورة بمنازلِ كبار ضباط السجون المجاورة لسجن كوبر مع شقيقه العقيد عبد القوّي الطيب نُقُد..
وأبْكِي شريف في الدافوري في جنينة السِكّة حديد الفاتِحة على مستشفى الخرطوم والصياح في يوم الزيارة “اجْدَع باص يا أبْ داقوساااااا” فيتعمّد شريف عدم التجاوب حتى لا يثَبِّت النداء عليه.. وأبْكِيه مع عبد الرحمن ويحلو لنا مناداته “ود عطانا” والدته الفاضِلة، ومع عبد المنعم الأزرق وأزهري (أبراسين) يترك لنا واحدا يؤانِسنا ويذهب بالآخر لبنك الادخار يدقق حسابته كأشْطر مَصْرفي.. وأبْكِيه في حوش أولاد سلمان مع أبناء حَبوبة عشّه مطر الرُشاش الرشّه، مع عبده وَتَرْ والياس كَفَرْ لاعِباً ومُدرِّبا وإداريا في سيد الأتيام أهلي مدني، ومع إخوانهما وأختيهما نفيسة والمعدوم.. وأبْكِي شريف مع عمه المرحوم سعيد نُقُد وعثمان نُقُد وجموع آل نُقُد.. وأبْكِي شريف في دكان والده الناصية بسوق مدني وفي ورشة مخارِط (سراير) الخشب التي جامل فيها شريف كُلّ مُشْتَرٍ ومُشْتريةٍ حتّى ترك شقيقه “جمل الشيل” عبد السلام يبدِع ويشكِّل فيها لوحده ويزيّن أرْجُل أسِرّة المهوقني بالجَمَلَكّة وبصبْرِه، واختار شريف تجارة أخرى لمْ يحصُلْ منها إلّا على حُبّ الناس..

أبْكِي شريف مع أحبابي أشقائه إبراهيم وبدوي والعُباد عبد العظيم وعبد القوّي وعبد المنعم وعبد القادر وعبد السلام، وأبْكِيه مع سُعاد وصالحة وزينب والجيل الثاني من ابناء وبنات الطيب نقد وأواسيهم في فقدهم خال وعمّ عزيز، حِنَيّن، يحِن ويحنّن، شفيف بَلْ كان الشفافية في أسْمي معانيها تمشي على قدمين..

أبْكِي شريف في كل الأمْكِنة، فليس هنالك مكان لمْ يتْرُك فيه شريف عِطْره الجميل ويطيّبَه بطيبِ خِصاله فيتمنّى الجميع عودته إليه وإليهم.
أبْكِي شريف وحدي ببوخارست في هذا الليل البهيم وقد وقع عليّ خبر وفاته وقع المفاجأة وكِدّت ألّا اصدِّقه فامتثلت لقدرِ الله ومشيئته..
اللهم يا ذا الجلال والاكرام، أكْرِم وفادته إليك، أغْفِر له، ووسِّده رحمتك فأنت الغفور الرحيم.

المكلوم في فَقْدِ حبيبنا شريف ود خالتي زهرة.. عصام محجوب.. بوخارست 27 يناير 2022.

isammahgoub@gmail.com
/////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات