التغـييـر المنشـود .. بقلـم: عمـر العمـر

بغية احتفاظ حمدوك بتقديرنا له فهو مطالب باحترام عقولنا. عزو عسر مخاض حكومته الثانية وترهلها إلى ما أسماه "أوسع تحالف سياسي" حديث هراء. بعض مكونات التحالف المزعوم تخليق مركّب على عجل بلا جذور في التربة السياسية ،القبلية أو 


 

بغية احتفاظ حمدوك بتقديرنا له فهو مطالب باحترام عقولنا. عزو عسر مخاض حكومته الثانية وترهلها إلى ما أسماه “أوسع تحالف سياسي” حديث هراء. بعض مكونات التحالف المزعوم تخليق مركّب على عجل بلا جذور في التربة السياسية ،القبلية أو الجهوية أو الإنين معاً.، دع عنك فقدان الرؤى. هناك فصائل ليس لها هياكل قيادية دعك عن القواعد الجماهيرية. نعم في المشهد السوداني المألوف متنطعون جعلوا السياسة مهنة من لا مهنة له. لكن حكومة حمدوك الثانية – ربما أكثر من سابقتها – جعلت من المنصب الوزاري مهنة من لا مؤهلات له. لولا تصدع الحاضنة الهشة لحلّ طاقم حكومي جديد محل حمدوك ووزرائه. الأصل في الأداء الحكومي أنه مسؤولية تضامنية لها كلها ينسب النجاح وعليها كلها يلقى الفشل. بعض الضرورات تقتضي تبديلاً وزارياً محدوداً أما التغيير فيذهب بالجميع. رهان جماهيري مبهم يبقي على حمدوك في موقعه. على الرجل إدراك أنه رهان مشروط في ضمير الشعب غير مفتوح على المجهول. هو رهان ضمن شروطه احترام متبادل
*** *** ***

“توفير الغذاء هو الواجب الأول لأي حكومة نحو الشعب الذي تحكمه” هذا محور رسالة جون ما في الحاكم العام البريطاني إلى المندوب السامي في القاهرة السير مايلز لامبسون عشية اقتراب دخان الحرب العالمية الثانية من حدودنا الشرقية. الرسالة استهدفت تأمين فقط مخزون من السكر يكفي جاجة الشعب السوداني سنوات عدة. هذا إحساس بالمسؤولية من قبل حاكم مستعمر! ربما لا يحترم الحاكم المستعمر مشاعر الشعب في السودان لكنه يحترم حتماً مسؤولية منصبه وهيبة السلطات المفوِضة إياه والسلطات لمفوًضة له – ضمنها بالطبع استباب الأمن – .تلك مهمة أخفقت حكومة حمدوك الوطنية الأولى في الوفاء بها . هي التحدي الأول أمام حكومته الثانية إذ زامن ميلادها تصاعد لهب الغضب الشعبي. لا فارق بين ما إذا هو غضب تلقائي أو ممنهج. في الحالتين تواجه الحكومة مسؤولية إطفاء الحريق قبل استشرائه.
*** *** ***

واهم من يراهن على قدرات “حكومة التحالف الواسع” صوغ رؤية نافذة لتفكيك الأزمة الإقتصادية المعقّدة الراهنة. هذا التحالف الواسع أكثر ترهلا من حاضنة الحكومة الأولى. هو أكثر منها وهناً وأقل منها قدرات . إنطلاقا من قناعة راسخة بوهن القوى السياسية – لأسباب متباينة – ظللنا ننادي بسلطة تنفيذية لها قوة القاطرة الساحبة للقوى السياسية المتصدعة .أي رؤية مغايرة تصبح مغالطة غير منطقية كما وضع العربة أمام الحصان. حكومة حمدوك الجديدة مثل سابقتها تفتقر إلى العقل المفكر القادر على ابتداع الحلول الناجعة ؛العاجلة منها والآجلة لأزماتنا المتراكبة. ذلك قعود بأحلام الشباب صناع الثورة البازخة في حدها الأدنى. تلك أحلام وهمها بناء مشروع نهضوي لسودان جديد. ربما يحتاج حمدوك لمن يذكره دوما بتلك الأحلام الوطنية الفتية المشرّبة بالدماء الذكية. ربما أفضل لحمدوك والجماهير التذكير بصعوده إلى قمة الهرم التنفيذي جاء في سياق تدافع جماهير تلقائي لم يبلغ أوجه بحثا عن زعيم لم يكن متفقاً عليه ساعات المخاض الكبير. هي لحظة تاريخية نصّبته زعيماً مخترعاً في كنف ذلك التدافع ليس غير. مع ذلك هو اختراع يستوجب التوقير المتبادل.
*** *** ***

من الهراء المبثوث كثافة إعلاء حمدوك من شأن الشراكة المدنية العسكرية حد وصفها بـ”النموذجية “. كل الشعب يدرك ظروف تشكيل الشراكة تلك القسرية. أكثر من ذلك تعلم جميع الأوساط السياسية عدم التجانس بل التنافر بين الجانبين. هو تنافر يبلغ مرحلة تراوح بين الإستقواء والإستوطاء من قبل العسكر. عن أي رهان يتحدث حمدوك إذاً عن ذلك “التحالف الواسع”بينما بوصلة ثقله تومئ لجهة العسكر؟ الكل في الداخل والخارج يدرك إلى أي مدى يجهض الجنرالات استراتيجية الثورة العارمة وتكتيكاتها ليس من أجل إحداث تغييرات فوقية بل بغية حفر مسارات مجتمعية حديثة عميقة. مافي وسع حمدوك القدرة على الكلام المباح عن الإهتداء بمشروع متكامل لبناء الدولة وفق منظور تلك الهبة الشعبية في ظل التحالف العسكري الباطني المعزز بالميلشيات. حكومة حمدوك ظلت منشغلة بمساومات مع الجنرالات أكثر من إنشغالها بالمصالح الوطنية العليا وأجندة الثورة. لذلك إتسعت الفجوة بين القول والفعل مثلما إتسعت الهوة بين الواقع والحلم في ظل غياب الصراحة ، المكاشفة والمواجهة. ذلك ضرب صارخ من عدم إحترام عقول الشعب إن لم يكن استغباءه.
*** *** ***

إدارة الإقتصاد تشكل أبرز محاور عمل حكومة الثورة. كل عملية إصلاح مزعومة لا تعكس إنفراجا على الواقع المعيش تبقى هامشية. ثمة خياران ؛ إما تحسين ماهو قائم أو إعادة بناء جذري للبنى الحالية. حصاد حكومة حمدوك الأولى يعكس هروبها من التصدي لحسم الخيارين . بل تلكؤها الكسول في المراوحة بينهما. لذلك يستفحل التدهور كل صباح ومساء. الحديث عن دور الدولة العميقة لا يجافي الواقع ز لكن إغفال دور القوى الأكثر مقاومة لثورة التغيير من داخل معسكر الثورة نفسه يفضح عدم احترام قوى الثورة. من الجلي للعيان أننا لن ننجح في الإطاحة بالنظام القديم مالم نقبض على دينامياته، أبنيته ورموزه الفاعلة على المسرح وخلف الكواليس.” ما لم تقبض حكومة حمدوك الثانية على أزرار أجهزة الأمن تظل سلطة بلا أنياب . “من لا يتعلم من ماضيه وحاضره يعيشهما مرة أخرى مستقبلاً” هكذا تحدث الفيلسوف الأميركي جورج سانتيانا.
*** *** ***

في التأكيد على أهمية تشكيل المجلس النيابي وجدواه في ضبط أداء أجهزة سلطة دولة الثورة صدقية لا تتطلب جدلاً. لكن في رهان حمدوك على المجلس مصداً لكبح التدهور والتغول هروبا من رئيس الوزراء كعادته إلى الأمام.
فالرجل لم يحدد شروط نجاح ذلك المجلس من حيث القوى المشكلة للمجلس والممثلة فيه . كلنا ندرك فرص نجاح المجلس المرتقب حالما استأثرت القوى مخلّقة المجلس الوزاري بتشكيل المجلس النيابي. رئيس الوزراء المفوض شعبيا يؤثر دوما النأي بنفسه عن مهب رياح المسؤولية ممثلا للشرعية الثورية. في ذلك كذلك عدم احترام لجماهير الثورة الماجدة.
*** *** ***

مفصل التحدي في تحقيق تحديث جذري ليس عبر تغيير الطاقم الوزاري بل عن طريق تغيير حمدوك منهجه في المرحلة السابقة. المشهد يتطلب حمدوكاً مغايراً بمنهج سياسي مغاير .عوضاً عن حكومة ثانية برئاسة حمدوك نريد رؤية حمدوك ثان. كلما تأملت في تجربة رئيس الوزراء يطل جانب من شخصية غورباتشوف. فحمدوك الحالي مثل آخر الرؤساء السوفيات يتثاءب بين قوى التغيير الصاعدة وتيارات المحافظين القابضة. غورباتشوف وجد نفسه مضطرا للخروج بالصراع إلى مسرح العلن – مالم يقدم عليه حمدوك – لكنه لم يجرؤ على استخدام معينات الرئيس السوفياتي المتاحة .إرتباك سكرتير الحزب الشيوعي لم يجعله يخسر فقط المعركة وتدمير الحزب بل أفضى إلى إنهيار الإمبراطورية برمتها.
*** *** ***

aloomar@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!