الفصل الرابع عشر من كتاب: “ما وراء السودان” 2- 2 .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة للجزء الثاني والأخير من الفصل الرابع عشر لكتاب "ما وراء السودان Beyond the Sudan"، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م. عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة،



 

 

The 1924 Disturbances اضطرابات عام 1924م
Henry Cecil Jackson هنري سيسيل جاكسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة للجزء الثاني والأخير من الفصل الرابع عشر لكتاب “ما وراء السودان Beyond the Sudan”، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م.
عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب التي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرخ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد ترجمنا من قبل بعض فصول هذا الكتاب، ومقتطفات من بعض كتب ومقالات مختلفة لهذا الإداري الكاتب.
يسرد الكاتب في هذا الفصل وجهة النظر الاستعمارية (والمضادة لمصر) في حركة 1924م، وما سبقها من أحداث في مصر. وسبق لنا نشر ترجمة ثلاثة مقالات أكثر حيادية وموضوعية عن تلك الحركة لإلينا فيزاديني (1، 2) وهيذر شاركي (3). وللباحثة اليابانية يوشيكو كوريتا كتاب عن علي عبد اللطيف وثورة 1924م (4). وللمؤرخ السوداني محمد عبد الرحيم كتاب عن تلك الحركة عنوانه “الصراع المسلح على الوحدة في السودان أو الحقيقة عن ثورة 1924م” صدر عام 1948م. عن مطبعة كلوت بيه بالخرطوم، وكتب عنها حسن نجيلة في كتابه المعنون: “ملامح من المجتمع السوداني”. وفي الستينيات كتب سليمان كشة (1892 – 1968م)، ثلاثة كتب عن مختلف جوانب ثورة 1924م عنوانيها هي: “سوق الذكريات” وصدر في 1963م، و”اللواء الأبيض” وقد صدر عام 1969م، و”وثبة السودان الأولى: ثورة 1924م” ولا يُعرف تاريخ صدوره.
المترجم
********** *********
تقرر أن يتم حجز أفراد القوات المصرية في ثكناتهم، ومن ثم اتخاذ الخطوات اللازمة لإجلائهم إلى بلادهم. وتم – ببعض العسر – حث كتيبة المشاة الرابعة على الرحيل في عصر يوم 24 نوفمبر. ولما وصل هؤلاء إلى محطة القطار الذي كان من المفترض أن يقلهم إلى بورتسودان، لم يجدوا سوى ضابط بريطاني وحيد يشرف على عملية الإجلاء. وبالطبع لم يكن ذلك الضابط يمثل قوة كافية بمقدورها إنفاذ أمر الرحيل، لذا امتنعت تلك الكتيبة عن ركوب القطار. أخبرهم الضابط بأن بمقدور من يريدون منهم التخلف عن تنفيذ أمر الرحيل أن يفعلوا ذلك، ولكن عليهم تحمل تبعات قرارهم، وذكرهم بأن القطار سيبدأ في التحرك بعد عشرة دقائق حاملا الذين انتهزوا فرصة العودة بأمان إلى مصر. غير أن ذلك التحذير لم يثنهم عن الحُرُن. وظل الضابط ينظر إلى ساعته، إلى أن أنقضت الدقائق العشر، فأمر سائق القطار ببدء رحلته. ومع تحرك القطار ببطء، ظهر أنه كان يقف في الجهة الأخرى جنود بريطانيون كانوا يحملون البنادق الرشاشة (كان القطار يخفيهم عن أعين الجنود المصريين). وما أن رأى الجنود المصريون ذلك حتى تسابقوا بسرعة خيالية للحاق بالقطار، وأسفر ذلك التدافع عن قليل من الإصابات الطفيفة.
ورفض “المدفعجية” والكتيبة المصرية الثالثة الامتثال لأمر الإجلاء إلا بعد استلام أوامر مكتوبة من ملك مصر. وعلى الرغم من أن القائم بأعمال الحاكم العام (السيد / ويسي ايستري Wasey Sterry) كان يدرك خطورة أي تأخير للإجلاء، إلا أنه كان حريصا على الحفاظ على ماء وجه المصريين، ويرغب في ذات الوقت في منع إمكانية حدوث إراقة للدماء. لذا أبرق القاهرة لترسل تلك الأوامر الملكية المكتوبة بأعجل ما تيسر. وبالفعل أرسلت تلك الأوامر بالطائرة مع رسول خاص.
غير أنه فترة التأخير تلك – رغم قصرها – كادت أن تُحدث أثرا كارثيا، فقد حدث في ذلك الوقت موقف خطير في الخرطوم.
عندما بلغني نبأ اغتيال سير لي استاك، أدركت أن ذلك الحادث هو فاتِحَة لمزيد من الاضطرابات في السودان. وكنت أعلم أن بإمكاني الاعتماد على ولاء سكان الدامر (عاصمة مديرية بربر). لذا نقلت رئاسة مديريتي إلى أتبرا بصورة مؤقتة، إذ كان من المتوقع أن تحدث بعض الاضطرابات في أوساط سكان تلك المدينة، وهم من أصول وأعراق مختلفة. واستلمت بعد 8 أيام من اغتيال سير لي استاك رسالة وصلتني مبتورة (كما علمت فيما بعد) بسبب انفجار عرضي بالخرطوم تسبب في قطع خط التلغراف. جاء في الرسالة التالي: ” تمردت الفرقة السودانية 11، وهي تقاتل البريطانيين في الخرطوم. الموقف …”. وبقينا لعدد من الأيام دون أن نتلقى أي معلومات موثقة عما كان يحدث. ثم بدأنا تدريجيا في فهم ما يجري عبر خطابات مختصرة ورسائل رسمية قصيرة.
سُمعت في ظهيرة يوم 27 نوفمبر أصوات طلقات نارية من جهة كبري النيل الأزرق. وذاعت بسرعة الشائعات وعمت في أوساط السكان (القابلين بسرعة للهياج والغضب) كما تنتشر النيران في البراري. ولم يكن هنالك أمر تافه جدا بحيث لا يستأهل الإبلاغ عنه، أو خبر مبالغ فيه بحيث لا يمكن تصديقه. غير أن غالب الناس كانوا – بدافع حب الإثارة – يضيفون لما يطرق مسامعهم من أنباء عن الحادث زيادات من عندهم قبل أن ينقلوها لآخرين، ولكنهم حرصوا على البقاء في مساكنهم في انتظار ما ستنتهي عليه الأحداث. وسرعان ما بانت الحقيقة: حدث صدام بين البريطانيين وقوات سودانية متمردة.
وأتت أول أنباء عن ذلك التمرد من السيد / توماس فريدريك كارليس باشمفتش الخرطوم، والذي كان قد خرج لتوه من صالون للحلاقة حين لاحظ عددا من الجنود السودانيين وهم في حالة هياج، يجرون عربة يد بها مدفعين. سألهم كارليس عن وجهتهم، إلا أن ضابطين سودانيين أشهرا مسدسيهما وأمراه بالرجوع إلى داخل صالون الحلاقة. وبمجرد مرور تلك القوة السودانية من أمام المحل، أسرع كارليس بركوب دراجته وتوجه لقسم الحربية (war office) وأبلغ السيد / ر. ديفيس في القسم السياسية لحكومة السودان بما رآه.
وأُبْلِغَ اللواء هيدليستون (الذي كان يقوم بمهام السردار) بالخبر، فقام بالاتصال هاتفيا بقائد القوات البريطانية في الثكنات الجنوبية، وأمره بإطلاق صفارة الإنذار، وقال له بأنه قد سمع (من مصدر لا يمكن الاعتماد عليه تماما) بأن بعض الجنود السودانيين قد تمردوا، وأنهم في طريقهم للانضمام للقوات المصرية في الخرطوم بحري. وعلى الفور قام الجنود البريطانيون من الـ (The Leicester and Argyll and Sutherland Highlanders )، والذين كان عدد كبير منهم يلعبون كرة القدم في ميادين كلية غردون القريبة من الثكنات عند إطلاق صفارة الإنذار، باتخاذ مواقع دفاعية في مصرف (جدول) مياه الفيضان وأماكن أخرى في ذلك الجزء من المدينة الذي يقع بين شاطئ النهر ومقر الخدمات البيطرية.
وكانت الأنباء التي بُلِغَتْ للواء هيدليستون صحيحة في الواقع. وفي ذلك الوقت كتن نحو ما بين 70 إلى 100 من الجنود السودانيين ومعهم ستة من الضباط السودانيين (من الكتيبة السودانية 11) يقتربون من كبري النيل الأزرق. وأسرع العقيد ماكوين قائد القوات في الخرطوم بالذهاب بسيارته للتعامل مع ذلك الموقف. وحاول أن يخاطب أولئك الجنود إلا أن الضباط (السودانيين) منعوه من التحدث مع الجنود وطلبوا منه التحرك كي يتسنى لهم عبور الكبرى. ولما لم يستجب العقيد ماكوين لهم أمروا جنودهم بإطلاق النار عليه، إلا أن الجنود رفضوا إطاعة ذلك الأمر. وكان رقيب (شاويش) من أولئك الجنود هو الذي ألغى ذلك الأمر. وأطلق لاحقا أحد الضباط السودانيين فيما يبدو الرصاص على ذلك الرقيب لولائه. ثم ظهر بعد ذلك اللواء هيدليستون وصاح بالرجال: “أنا هيدليستون باشا. هل ستأخذون الأوامر مني؟”. أجابه واحد من الضابط السودانيين بأنهم سيأخذون الأوامر فقط من رفعت باشا. لم يكن رفعت هذا يحمل لقب (باشا)، ولكنه كان الضابط المسؤول في سلاح المدفعية المصرية في الخرطوم بحري (المقصود هو القائم مقام أحمد رفعت بك. المترجم). وعلى الرغم من أن رفعت كان هو المحرض الحقيقي للاضطرابات، إلا أنه كان مثل ما ورد في قصيدة “دوق بلازا تورو Duke of Plaza Toro”، يقود جنوده في أي معركة من الخلف. ولم يقم ذلك الضابط المصري بأي دور علني نشط في الاضطرابات.
صاح فيهم هيدليستون مرة أخرى قائلا: “إن رفضتم إطاعة أوامري فسوف آمر الجنود البريطانيين بإطلاق النيران عليكم”. ورفض الرجال السودانيون إلقاء أسلحتهم، وكرر ضباط متمرد منهم ما قاله سابقا من أنهم لن يتلقوا أي أمر “إلا من رفعت باشا”. استدار هيدليستون باشا وعاد، وظهره أمام مدفعين مصوبين، لسيارته التي كان قد أوقفها في شارع جانبي، وذهب بها لقسم الحربية وأتصل هاتفيا بقائد الجنود البريطانيين من الـ (The Argyll and Sutherland Highlanders )، آمرا إياه بإطلاق النار على المتمردين.
وألقى بعض المتمردين أسلحتهم على الفور، غير أن قليلا منهم فروا عائدين إلى داخل الخرطوم، حيث أحدثوا قدرا كبيرا من الشغب والهياج قبل أن يعتقلوا ويجردوا من أسلحتهم. وقام بعض المتمردين بالدخول في المستشفى العسكري البريطاني الذي كان يرأسه الرائد كارلايل. وعلى الرغم من أن ذلك الرائد لم يكن مسلحا، إلا أنهم هاجموه وأرداه قتيلا أحد المتمردين، واسمه سعد فرح (لعل الصحيح هو سيد فرح، وكان برتبة الملازم. المترجم). وقتل المتمردون أيضا ضابط صف بريطاني وطبيبين سوريين وثلاثة مصريين. وبعد ذلك تحصن المتمردون في ميز الضباط المصريين بالمستشفى. وجلب البريطانيون مدافع من طراز howitzers وبنادق رشاشة. وتواصل القتال لبعض الوقت قبل أن يُفْجَرُ المبنى ويتحول لأنقاض صغيرة. وأُصِيبَ في القتال ضابطان و11 من جنود الـ (Leicester Highlanders) بجروح مختلفة.
لقد كان جنود الكتيبة السودانية 11 من رجال قبائل جنوب السودان الأميين الجهلاء، الذين خدعهم تماما ضباطهم بعد أن أشبعوهم بالبيرة المحلية (المريسة؟) قبل مغادرتهم لمقرهم، فصاروا شبه سكارى. ولكنهم ما أن تبين لهم ما يجري حتى قاموا – وهم في أثناء المعركة – بالاتصال بقائد كتيبتهم الرائد ويزرس Whithers ليأتي لنجدتهم. كان الرائد ويزرس في ثكنات أمدرمان حينما وقعت تلك الاضطرابات في الخرطوم. ورغم أنه كان يريد الحضور للخرطوم، إلا أنه أُمر بالبقاء في أم درمان لمنع انتشار تلك الاضطرابات بين بقية جنوده. وكان بعض الجنود المتمردين الذين فروا من المواجهة في الخرطوم قد استطاعوا العودة إلى أمدرمان. وتقاطر بعضهم، واحدا إثر آخر خلال الليل، وجلسوا القرفصاء في تعاسة بائنة في فرندة بيته، وهم في أشد حالات الفزع والجزع والاندهاش من أحداث ذلك اليوم، وعاجزين حتى عن مجرد التفكير في مجرياته، ولا يدرون ما سيفضي إليه.
قالوا للرائد ويزرس: “أخبرونا بأنك قد أمرتنا بالذهاب إلى الخرطوم بحري. وكجنود جيدين أطعنا الأوامر. كنا نظن أن مهمتنا ستكون هي ضرب أولاد الريف (أي المصريين)، وكنا مستعدين لفعل ذلك. لقد قتل المصريون سردارنا، والصحيح هو معاقبتهم على ذلك. كيف لنا أن نعلم أن تلك الأوامر لم تصدر من أبينا وزيرس؟ وماذا كان بإمكاننا أن نفعله وقد وجدنا رجال “الرحاطة” (1) يطلقون النار علينا؟ كدنا نفقد عقولنا وبدا العالم وكأنه قد انتهى”.
هدأ روع أولئك الجنود بالتدريج، إلا أنهم عادوا للتوتر مرة أخرى بعد سمعوا شائعات عن عودة رجال “الرحاطة” للهجوم عليهم. اتصل بهم ويزرس جماعيا ليثبت ثقته فيهم. وليهدئ من روعهم، أمر بإحضار سرير له في وسط ثكنتهم، وقال لهم إن من يريد أن يطلق النار عليه، فهذه هي فرصته. وعند ذلك تحرك مصري مولد (هجين) نحو غرفة الحراسة ليأخذ بندقية وهو يقول إنه لا يخاف من البيه. غير أن جنود الحرس السودانيين سرعان ما اعتقلوه.
وسرت في اليوم التالي شائعات عن هجوم جديد وشيك لرجال “الرحاطة، ولكن ويزرس شرح لرجاله أنه لا ضرورة لعودة رجال “الرحاطة، لأنه لو أراد البريطانيون فعلا قتل السودانيين، فقد كان بإمكانهم ببساطة أن يلقوا عليهم بعض القنابل. وقام من فوره بجلب طائرة، ودار بها على علو منخفض في أرجاء الثكنة، ورمى من الطائرة ببعض كرات التنس، بينما ركب البُرُوجِيّ (عازف البوق) في طائرة أخرى ليراقب ما يجري وليحكي للرجال لاحقا.
**********
وتوقعا لإمكانية حدوث أي اضطرابات لاحقا، وُضِعَتْ الترتيبات اللازمة قبل إنهاء تلك الاضطرابات بوقت كافٍ لضمان سلامة المدنيين من البريطانيين وغيرهم (مثل السوريين والأغاريق) الذين قد تتعرض حياتهم للخطر من جراء ذلك التمرد. وكان البريطانيون يدركون أن هبة جادة قد تتطور إلى حملة دينية ضد المسيحيين. وتم أخذ الأطفال والنساء، والمدنيين مسلحين بما يمكنهم حمله، في لواري وسيارات إلى القصر. وهنالك تشاركت النساء في الأسِرَّة المتوفرة، وفي بعض الحالات تشاركت ثلاث نساء في سرير واحد، وكن أحيانا لا يعرفن بعضهن البعض من قبل. ونام الرجال على أرضيات صالة الرقص أو في ممرات القصر من دون وسائد، إلا أنه صرف لكل رجل بطانية واحدة.
ولم ينتهز كل واحد (من البريطانيين) فرصة الذهاب للقصر والبقاء فيه بأمان خلال ساعات تلك الاضطرابات. فقد أصرت ممرضات المستشفى المدني (الملكي) على عدم مغادرة مقر عملهن إلا بعد أن تصدر الأوامر لهن من رئيستهن المباشرة (الآنسة باي موور). وحتى إذا صدرت لهن الأوامر بمغادرة المستشفى، فسيغادرنها على مضض. ولم تنجح كل المحاولات التي بذلت لإقناع الآنسة موور نفسها لترك عملها بالمستشفى والذهاب إلى القصر مع الآخرين (2). وأخفقت كذلك كل المحاولات لإقناع أعضاء جمعية التبشير الكنسي (أو الجمعية الكنسية التبشيرية) بترك مقرهم والذهاب للقصر، وكانت حجتهم أن لاجئين قد يأتون إليهم طلبا للأمان. ولما سمع الأسقف قوين Gwynne بذلك أخذ بندقية صيده ودبر حراسة (مسلحة) على النساء المبشرات – وكان هذا واجبا على المسيحية المتشددة لم يكن غريبا على من عرف الأسقف قوين أن يدرك أنه أمر يلائمه تماما، على الرغم من أنه رجل محب للسلام (3). وأعطيت بنادق لكثير من المدنيين، ووضعت تحت إشراف مجموعات صغيرة من رجال الشرطة الذين أتخذوا لهم مواقع في الشوارع، وعلى أسطح المنازل لمنع النهب والسرقة، ولحماية المدنيين من مجازر محتملة. وكان بعض البريطانيين ما زالوا في ملابس التنس، وكان البعض الآخر يرتدون أزياءً استوائية؟ (tropical dining – kit). وكان هؤلاء يحسدون (أو يغبطون) أولئك الذين أجبرتهم الاضطرابات على البقاء في مكاتب الحربية أو الرقابة، إذ أن هؤلاء كانوا في مأمن من هواء الليل البارد، الذي يصير أشد برودةً مع اقتراب الفجر. وكانوا يحسدون أيضا كبير القضاة والآخرين من كبار السن الذين شغلوا أنفسهم طوال الليل بملء الأكياس بالرمل وذلك لتوضع عليها البنادق الرشاشة، وكان هذا ما من شأنه إبقاء أجسادهم دافئة بصورة معتدلة.
ورغما عن أن الموقف كانت تحت السيطرة بصورة معقولة، إلا أنه ظل لمدة 36 ساعة محل شك، ولم يكن هناك تأكيد على عدم إمكانية وقوع تمرد أكثر عنفا في أي لحظة. وتواصلت عمليات القنص ليلا ونهارا، وكانت الطلقات النارية تتساقط على محطة السكة حديد التي كان يرأسها ال. بي. بيلي Bailey. وبعد نحو شهر أو شهرين تقرر نقل بيلي إلى مدينة أخرى، فأقام الموظفون والعمال حفل شاي وداعا له.
وألقى أحد كتبة السكة حديد خطابا إنابة عن المودعين أشاد فيه بشجاعة بيلي والرصاص ينهمر عليه. والتفت لرفاقه في الحفل، وقد قادته حماسته الشديدة للإشادة المفرطة بشجاعة الرجل فقال: ” كان السيد بيلي الشجاع خلال أيام التمرد يصول ويجول في محطة الخرطوم والرصاصات تتطاير من حوله وهو لا يأبه بها وكأنها مجرد بعوض. ولكن أنتم، يا كلاب أولاد الكلاب، أين كنتم؟ بالطبع اِخْتَبَأْتُمْ تحت أسرتكم!”. وصمت قليلا قبل أن يواصل خطبته: “وماذا عني؟ والله كنت مختبأ أنا أيضا تحت سريري!”
******** *******
وتكتمت السلطات البريطانية على ذكر مواعيد بدء تحرك القطارات التي كانت ستقل وحدات الجنود المصريين العائدين لبلادهم. وكان على العاملين في المدن التي سيمر بها القطار، مثلنا، أن نحرص على ألا يغادر أي جندي من هؤلاء القطار، وألا تحدث مظاهرات. ولم يتم إخطارنا بأن القطارات في طريقها إلينا إلا حين تتحرك بالفعل. وتم إبلاغ الشرطة بالتزام الحذر والاستعداد لمهام خاصة قد تتطلب تحركهم في أي لحظة بمجرد تلقي الأوامر بتطويق المحطات. وكان على بعض رجال الشرطة أن يركضوا على ظهور الإبل لعدة أميال ليبلغوا نقاط عملهم في الوقت المناسب. غير أن أولئك الرجال كانوا في غاية الكفاءة، وأنجزوا أعمالهم بسرعة كبيرة، مما جعل عملية الاجلاء تتم دون حدوث أي مشاكل.
وبهذا اُخْتُتِمَ ذلك الحادث التعيس الذي خرب العلاقات الودية التي كان البريطانيون قد أقاموها مع كثير من المصريين الذين عملوا معهم، على الرغم من العديد من الصعوبات والاختلافات.
******** *******
لقد كان من المستحيل الحصول على صورة واضحة عما حدث في خِضَمّ هيجة الأيام القليلة في نوفمبر 1924م، أو تقييم الأهمية الكاملة لما حدث، على الرغم من أننا كنا متأكدين بأن المشكلة قد وقعت بسبب سوء فهم مأساوي. وشُكلت محكمة تحقيق فور انتهاء الاضطرابات. وتوصل التحقيق لمعرفة مدى سوء الفهم الذي حدث.
لقد اقتصر التمرد – إذا لم تكن تلك الكلمة قاسية جدا لنستخدمها هنا – على عدد قليل من صغار الضباط. وكان غالب السودانيين يدينون بالولاء (لبريطانيا)، غير أن قلة منهم – كما رأينا آنفا، قد وقعوا ضحية للأكاذيب، ولم يعوا تماما ما الذي كان يحدث.
وأُمر الضباط المصريون في الكتيبة السودانية 11 باللحاق بزملائهم في الخرطوم بحري، وكان يرافقهم اثنان من الحراس النوبة مسلحين بمسدسين. وواجه ضابط سوداني كبير عسرا في إثنائهما عن إطلاق الرصاص على المصريين الذين كانوا في عهدتهما. وعقب إخلاء القوات المصرية من الخرطوم، أرسلت فصيلين من الكتيبة السودانية 11 لاستلام ثكنات سعيد باشا التي كانت مقرا للجنود المصريين. وأرسل فصيل آخر لحراسة السجن الذي شهد بعض المظاهرات الخطيرة. وذهب الرائد وزيرس في اليوم التالي لزيارة ذلك الفصيل، وسأله الجنود مرة أخرى عن موعد ضربهم لـ “أولاد الريف”. وفي الواقع لم تكن تلك الاضطرابات في السجن وقفا على المساجين السياسيين الذين كانت غالبيتهم من أعضاء جمعية اللواء الأبيض. فقد تظاهر المساجين السودانيون الآخرون (وهم من اللصوص والمجرمين من كل صنف) احتجاجا على مشاركة “رفقاء غير مرغوب فيهم” لهم في سكنهم، ورفضا للحط من قدر بيوتهم المؤقتة. وأرادوا مهاجمة السجناء السياسيين.
لا يملك المرء إلا أن يشعر بالاشمئزاز من المصريين الذين حرضوا (بعض السودانيين) على التمرد، ثم بقوا في خلفية المشهد، تماما كما فعلوا في حادث مماثل عام 1900م. أما المغفلين الذين وقعوا في حبائل خداعهم، فمن المستحيل أن أحس إزائهم بأي شيء سوى التعاطف. والأمر ببساطة هو أن الجنود السودانيين نفذوا أوامر الضباط السودانيين للذهاب إلى الخرطوم بحري، وكانوا يحسبون أنها أوامر صادرة من الرائد وزيرس. غير أنهم فوجئوا بأنهم أدخلوا في قتال مع البريطانيين. وعنما تساءلوا عما يجري، أخبروا بأن الجنود الجيدين يطيعون الأوامر التي تصدر إليهم دون سؤال.
ولم تكن هنالك أي ضغينة عند السودانيين تجاه البريطانيين كما تشهد بذلك العديد من الأحداث في غضون ساعات التمرد نفسه. فلم يحدث قط أن تحرَّشَ السودانيون بالبريطانيين الذين كان يلقونهم وهم في طريقهم إلى كبري النيل الأزرق، بل إن سودانيا كان يحاول الفرار من المنطقة بالقفز على حائط وجد مساعدة من الجنود البريطانيين على فعل ذلك. وتشبث أحد المتمردين الذين أعتقلهم السيد كارليس بقدمي ذلك الضابط البريطاني طلبا للحماية من تهديدات رجل شرطة عربي. ولم تقع في أثناء تلك الأحداث أي سرقات أو اعتداءات على السكان المدنيين، وكان من الممكن التجول بحرية في المدينة. كان بالخرطوم طبيب أسنان اسمه بريدنو Prideneaux كان قد قضى ذلك اليوم وهو يجهل تماما أن تمردا قد وقع بالمدينة. وعند المساء توجه الرجل نحو “نادي السودان” لتناول مشروبه المسائي المعتاد، ورأى رجال الـ Argyll Highlanders في الخنادق، ولكنه حسبهم يقومون بمناورات عادية، ولم يأبه للأمر. وعندما بلغ النادي لم يجد فيه أي عضو أو أي موظف أو عامل، فكتب ساخطا شكوى من غياب كل العاملين بالنادي في سجل الشكاوى!
وكان كل ما أفلح ذلك التمرد في إنجازه في الواقع هو مضاعفة عداء السودانيين للمصريين. ولما دعا البريطانيون من يرغب في التطوع للاشتراك في فصيلة إعدام الضباط الذين قادوا التمرد، تقدم كل أفراد سرية كاملة للمشاركة. وعندما أقيم طابور عرض لأفراد فصيلة الإعدام، وأذيعت لهم أسماء الضباط الثلاثة الذين حُكِمَ عليهم بالإعدام، احتجوا بشدة على عدم إعدام كل أهالي أولئك الضباط الثلاثة معهم أيضا.
وثبت أن ستة من الضباط كانوا قد تورطوا في تلك الاضطرابات. وأصبح واحد من أولئك الضباط “شاهد ملك” (4)، وتم الحكم عليه بالسجن لخمسة عشر عاما. وقُتِلَ أحد أولئك الضباط في الهجوم على المستشفى، وجرح آخر، وتخفى في زي اِمرأة وأفلح في السفر مع الجنود المصريين المرحلين، وحُكِمَ على الثلاثة الباقين بالإعدام (رميا بالرصاص) (5).
وكانت الغالبية العظمي من اضطرابات عام 1924م قد جرت في الخرطوم. ولم تقع في أماكن أخرى بالبلاد سوى بعض المظاهرات الصغيرة، وقد تم احتوائها جميعا. غير أنه وقعت حادثة مهمة وخطيرة واحدة في تلودي، التي لم يكن بها قوات بريطانية تعمل على حفظ النظام، ولكن كان بها حامية مكونة جنود الكتيبة السودانية 10. وحاول بعض الضباط المصريين في تلك الحامية تحريض السودانيين على التمرد ولكنهم وضعوا تحت حراسة بعض جنود الاحتياطي السودانيين. ونجح أولئك الضباط المعتقلين في التملُّص من حراسهم وواصلوا في مؤامراتهم. وقامت بالفعل مظاهرة عنيفة أطلقت فيها عدة طلقات نارية. غير أن الضابطين البريطانيين الوحيدين في المنطقة (الرائد نورثكورت والرائد كولكهون) استطاعا مع عدد قليل من الضباط المصريين الذين كان يمكن الاعتماد عليهما في نزع سلاح المتمردين. غير أنه، قبل أن يتم ذلك، انتهز بعض رجال النوبة فرصة ذلك الاضطراب وهربوا ببنادقهم وذخائرهم إلى مراكزهم الحصينة في الجبال.
ولحسم تلك الاضطرابات بُعث على عجل بتعزيزات عسكرية صغيرة في الأبيض وتونقا والخرطوم وود مدني (التي هجرها المفتشون الزراعيون في مزرعة السودان التعاونية بكل وسائل الترحيل المتاحة)، رغم أنه كان من الصعوبة بمكان جمع حتى 40 عربة فورد.
********** *******
كان عدد السودانيين الذين شاركوا في التمرد قليلا، ولا يزيد عن مائة شخص. ولم يكن لمثل ذلك العدد أن يسبب مشكلة كبيرة لولا أنه كانت هناك كتيبتان مصريتان (واحدة في الخرطوم، والأخرى في الخرطوم بحري، التي كان بها أيضا جنود مدفعية مصريين) تعهدتا بمساندة المتمردين. وظل كل الجنود السودانيين في تلك المنطقة يتعرضون لفيض متواصل من الدعايات المضادة لبريطانيا. ولو كانت المدفعية المصرية قد أقدمت على قصف القصر وثكنات الجيش المصري وأوفت بتعهداتها (للمتمردين)، فليس بمقدورنا تخيل تأثير مثل ذلك الفعل على القوات السودانية الأساسية في الخرطوم وأم درمان.
لا بد أن نعزي قلة عدد حوادث الاضطرابات والسرعة التي تم بها إخمادها لولاء السودانيين (لبريطانيا). ولكن رغما عن قصر فترة تلك الاضطرابات، فإنه من المؤسف القول بأنها كانت طويلة بما يكفي لتوريط بعض أبناء الشيوخ والزعماء الذين كانت لهم مواقف أثبتت اخلاصهم وولائهم وخدمتهم المشرفة للبريطانيين. وسبب عقاب أولئك الأبناء على حماسهم المُضَلَّلٌ الكثير من الضيق والحزن للبريطانيين ولآباء أولئك المضللين، على حد سواء.
وعلى الرغم من مرور تلك العاصفة، إلا أنها خلفت وراءها حطام العديد من الحَيَوات المُدَمَّرة. لقد بذر المصريون في قلوب الكثير من الشباب الصغار بذور كراهية ستبقى دوما معهم، وتنغص، بل تسمم حياتهم.
واستطاع القليل من أولئك المتمردين والمُضلَّلين الوصول إلى مصر، حيث لقوا أشد الترحيب، بينما بقي البعض الآخر في السودان وهم في حالة من الاكتئاب والاحباط والشعور باحتقار الآخرين لهم.
وعندما كنت في مديرية بحر الغزال بعد مرور عامين من تلك الأحداث الحزينة التي رويتها هنا، ذهبت لزيارة واحد من أولئك الشباب الذين حوكموا بالنفي (إلى واو) لدورهم في تمرد جمعية اللواء الأبيض. كنت أعرفه شخصيا منذ أن كان تلميذا في مدرسة بواد مدني. وأذكر أنه كان مشتركا في فرقة كشافة الملك، وكان أفضل كَشَّاف من بين الذين قمت (مع الرائد ويزرس) بالمساعدة في تدريبهم خلال ساعات فراغنا القليلة. وعوضا عن ذلك التلميذ السعيد والدَمِث الرَضِيّ الذي عرفته منذ سبعة أعوام خلت، وجدت أمامي شابا مكفهرا متجهما وحاقدا، يرفض كل مبادرة للصداقة، ويأبى عرضي له بالمساعدة في إطلاق سراحه، وبدء حياة جديدة. بل أمسك حتى عن الكلام معي، وجلس ووجهه قد تشوه – وكان ذلك شيئا مأساويا – من فرط الكراهية، وذلك شيء لم أره من قبل ولا بعد ذلك.
أجد أنه من الصعوبة علي أن أغفر للذين دمروا ذلك الشاب الذي كان موعودا بحياة سعيدة، وعلموه الكراهية عوضا عن الحب.
**********
إحالات مرجعية
1. أشار الكاتب في الهامش إلى أن المقصود هم جنود ال Argyll and Sutherland Highlanders الذين يرتدون التنانير kilts (الأسكتلندية)، والتي شبهها الجنود السودانيون بـ “الرحط” الذي ترتديه البنات الصغار في السودان.
2. لمزيد من التفاصيل عن الآنسة باي موور وبقية الممرضات يمكن قراءة الجزء الثاني من فصل بعنوان “اغتيال وتمرد ومظاهرات” في كتاب “طبيب السودان” لليونارد بوسفيلد في هذا الرابط: https://bit.ly/3vAXOlR
3. الأسقف الويلزي لويلن قوين هو أول رئيس للكنيسة الأنغليكانية في مصر والسودان بين عامي 1920 – 1946م. ورد ذكره في عدة مقالات مترجمة منها مقال يقارن بين آراء الأسقف قوين وغردون حول الإسلام https://bit.ly/2Sq5GID ، ومقال آخر لهيذر شاركي مترجم بعنوان “مسيحيون في أوساط المسلمين” http://www.sudanile.com/56391
4. هو الشاهد الذي يكون داخلاً بالجريمة أصلاً، ولكنه يشهد على زملائه المشاركين معه نظير الحصول على امتيازات معينة. وذكر أن ذلك الشاهد كان هو علي أحمد صالح https://bit.ly/2QMevw1
5. لم يأت الكاتب على اسم أي فرد من الذين اشتركوا في تلك الحركة، أو من تمت محاكمتهم!!! ويتضارب ما أتى به عن إعدام ثلاثة من الضباط مع ما ورد عن تلك المحاكمات في مصادر أخرى https://bit.ly/3utqeOs و https://bit.ly/3thT17m

 

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!