السودان: مصائر أندلسية .. بقلم: جمال محمد ابراهيم


أقرب إلى القلب:

jamalim@yahoo.cim

(1)
لشدّما دهشت من تصريحٍ صدر عن وزيرٍ إتحاديٍّ في الحكومة الانتقالية ، منتقدا وزارة الخارجية التي نبّهته إلى أن الاتصالات الخارجية مع الدول الأجنبية عبر مبعوثيها أو وزرائها أو سفرائها، هي من صميم مسئولياتها ، وهي الوزارة المكلفة بكافة علاقات البلاد مع البلدان الأجنبية ، كما جرى العرف والتقليد السائد منذ قرون . لعلّي أجد لذلك الوزير العذر، إذ لم يكن مطلوبا منه الإلمام الأشمل بالدبلوماسية، أساليبها ومطلوباتها وفنونها، إلا بالقدر الذي يتصل بفنيات وزارته، أما بقية المسئوليات المتصلة بمخاطبة الآخر ، فهي من صميم مسئوليات وزارة الدبلوماسية . ولأنّ الدبلوماسية قد توسَّعت وتطوّرتْ، فصار من المطلوب أن يشارك الفنيون إلى جانب الدبلوماسيين في العناية بجوانب التعاون الدولي، فصارت الدبلوماسية المتعددة الأطراف أو الدبلوماسية الجماعية، تستصحب إلى النشاط الدبلوماسي، كافة المهن الفنية والتخصصات الأخرى، مثل الطب والزراعة والبيئة والاتصالات ، وخلافه. غير أن تلك الشراكات الفنية تظلّ في عرينها ، لتنبري الدبلوماسية بعد ذلك في الخوض بأساليبها في التفاوض الذي يحذق فنياته الدبلوماسيون. أحكي لك مثلا واحداً يبين ما رميت.
ليس لوزير يدير ملفات المياه أن يهدد – بعد استعصاء في خلاف مع دولة أخرى- برفع الملف إلى مجلس الأمن. ذلك تصريح ينبغي أن تصدره الوزارة المعنية بالعلاقات الخارجية، وليس الوزارة المعنية بالمياه. .

(2)
ربما لا يعرف البعض أن وزارة الخارجية ، هي الوزارة االوحيدة من بين وزارات أيّ حكومة راشدة، التي تدخل في ممارسة نشاطها ،ضوابط نصّت عليها اتفاقيات دولية ملزمة. ثمة اتفاقيتان دوليتان وقعتا منذ أوائل ستينات القرن العشرين ،برعاية منظمة الأمم المتحدة ، هما اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية وإتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية، والسودان ملتزم بمقررات هاتين الاتفاقيتين ، وملزم- مثل بقية ادول الراشدة- باتباع الضوابط التي تحكم العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، وهي مقررات لم تأت من فراغ ، بل من تقاليد تليدة راسخة ، بدأت بإبداء الإحترام للرسل والمبعوثين وحمايتهم ، حتى استوت إلى ما صار يعرف الآن بمنظومة الحصانات والامتيازات المتصلة بمهام التمثيل الدبلوماسي والقنصلي بين الدول والحكومات.

(3)
إن وزارة الخارجية هي الصوت الرسمي الذي يعبر عن مواقف الدولة، ولا يصدر ألا بعد تنسيق محكم حول مختلف جوانب تلك القضية التي يراد التعبير عن موقف حيالها. تلتزم الدول الراشدة بأن يكون الصوت الرسمي لمحاطبة الخارج صوتاً واحداً، هو صوت وزارة الخارجية ، ولغيرها من الوزارات داخل الوطن الواحد، ممثلوها الرسميون ينطقون محليا بما يعنيها، إن كان ذلك في الأمن أو الصحّة أو التعليم أو الاقتصاد والتجارة وغيرها من المجالات. إن تعدد الأصوات حول الشئون الخارجية وبما يتجاوز وزارة الخارجية، ينطوي على نوايا غير خافية لإضعاف المصداقية وإظهار ضعف الحكومة في إدارة شئونها بالتنسيق المطلوب بين كافة أطرافها. إذا أردنا أن نجعل من تعدّدنا نقمة، فما أسهل من تنكّب الطريق المفضي إلى فقدان البوصلة وإلى ضياع مصالح الوطن في ضباب التشظّي والانفراط.
في التاريخ البعيد لم تسقط الدولة الأموية في الأندلس، إلا بعد انفراط عقدها، وتناحر أمراء دويلاتها وملوك طوائفها، فكانت لقمة سائغة لمسيحيي الشمال بغروب شمسها، وإشراق شمس دولة إسبانيا التي نعرف الآن. .

(4)
خلال حقبة “الإنقاذ” التي دالتْ دولتها ثلاثين عاما ، شهدنا كيف وصل الاستخفاف بالتقاليد الدبلوماسية الرّاسخة، حدوداً فارق فيها المنطق السّويّ. لك أن تنظر كيف أنشأ ذلك النظام البائد، منظمة جمع لها من أنحاء العالم، أطيافاً من السياسيين المعارضين لبلدانهم، عربا وأفارقة وآسيويين، وفئات أخرى ممّن رفعوا سلاح الإرهاب في أوطانهم، فصار السودان بعدها، ملاذاً للمطاردين والهاربين، والملاحقين من حكومات بلدانهم، أومن قبل مؤسسات الأمن الدولية. لحقتْ بالسّودان وبعد فتح حدوده لمثل أولئك الهاربين، وتكرّمه بمنح أكثرهم جوازات سفر سودانية، فصنّف السودان، ومنذ أواسط تسعينات القرن العشرين ، وبحيثيات شاب لها شعر الولدان، دولة راعية للإرهاب الدولي، تنازعها الريادة دولة واحدة معروفة، هي جمهورية إيران الإسلامية التي صنّفتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، عرّاباً للإرهاب الدولي. .
عُرِفَ رهطٌ مِن الدبلوماسيين السودانيين، وممّن جاءتْ بهم سياسة التمكين البغيض وقتذاك، بأنهم “دبلوماسيين رساليين”. سمعت أنّ سفيرا سودانياً من أولئك “الرساليين”، جاء لوداع ملك في دولة أوروبية، يحمل مصحفاً شريفاً، أهداه لذلك الملك الذي تفضّل بمنحه وساما وفق التقاليد الدبلوماسية الراسخة، فتأمّل . .!

(5)
لم يفقد السودان الرشد في كافة مناحي إدارة البلاد فحسب، بل أكثر فقدان رشده ذلك الذي وقع تحت أنظار العالم والمجتمع الدولي بوجهٍ خاص، في جانب الممارسات الدبلوماسية الخاطئة .
ما كنت أود التطرق لتجربتي الشخصية بين عامي 2005 و2006 ، وأنا أدير الإعلام والنطق الرسمي في وزارة الخارجية، لنفوري عن الأمور الشخصية سلبا أو ايجابا، غير أنّ ما دفعني لذلك، امتعاضي من تصريح لوزبر في وزارة مهمّة في حكومة الفترة الانتقالية، يصف احتجاج وزارة الخارجية على تجاوزاته الدبلوماسية والمراسمية، حين التقى بسفير أجنبيٍّ معتمدٍ في الخرطوم ، من وراء ظهر وزارة الخارجية . لم يقبل الوزير الهمام احتجاج وزارة الدبلوماسية على مسلكه، وعدّه نوعاً من “الوصاية التي انتهى عهدها”، فيما ذكر. .
أودّ الإشارة إلى بعض ايجابيات تجربتي تلك، وإعلام البلاد يتخبّط يمينا وشمالاً في مصارغة المجتمع الدولي، فكان اجتهادنا أن نحدِّث بموضوعيةٍ عن أحوال البلاد، وقد تكاثرت عليها قرارات دولية قاسية . تلك الموضوعية قد تحققتْ بأمرين إيجابيين ، أولهما هو تعزيز وزير الخارجية آنذاك الدكتور لام أكول أجاوين، لمهمة الناطق الرّسمي، الذي يعبّر عن موقف الحكومة في ملفات العلاقات الخارجية، فكان يطلبني لحضور كافة لقاءاته مع زواره من الوزراء والمسئولين الأجانب، وأيضا حضور لقاءاته بمكتبه لكبار زملائه المسئولين في الدولة ، مؤكدا لهم دور وزارة الحارجية في التعبير عن مواقف الدولة .
الأمر الآيجابي الآخر هو الاجتماع التنسيقي بين ممثلي أجهزة الإعلام الرسمية والسياسية والأمنية ، وهو اجتماع أسبوعي راتب، من أهم المشاركين فيه هو ممثل وزارة الخارجية ، إلى جانب ممثلي الوزارات المعنية مثل وزارات الدفاع والداخلية والإعلام وكافة أجهزة الإعلام الرسمية ومؤسساتها. .
لم تعبر تلك التجربة إلى مراقي النجاح في التعبير الموضوعي عن مواقف الرسمية في ساحات العلاقات الخارجية، إلا بتعزيزها من شخص وزير الخارجية ، وأيضا من مبادرة وكيل الإعلام الأستاذ عبدالدافع الخطيب في عقد تلك الأجتماعات التنسيقية الراتبة، مع كلّ الجهات المعنية الأخرى. ذلك ما ساعد في ضبط الخطاب الرسمي ، دون شبهة وصاية من وزارة الخارجية، خلال تلك الفترة القصيرة التي تولّى فيها د.لام أكول أجاوين رئاسة الدبلوماسية السودانية، فقد خفَّت بقدرٍ كبير، ضغوط “المؤتمر الوطني” الحزب الحاكم على وزارة الخارجية ، وبعد خروج الوزير لام أكول عادت حليمة إلى عادتها القديمة، كما يقول السودانيون، فاستأنف “المؤتمر الوطني” صلفه آمراً ناهياً ومسيطراً، فضعف تدريجياً صوت وزارة الخارجية، الصوت الرسمي للحكومة. .

(6)
لا تحسب منقصة في وزير الخارجية في أية دولة، إن لم يكن دبلوماسيا بالمهنة . لو نظرتَ في تاريخ الدبلوماسية السودانية ، ستجد أنّ من أسّسوها في عام الاستقلال، هم من المعلمين ومن القانونيين ومن الإداريين، وأيضاً بعض من لهم خبرات أمنية. ولقد كان د.عقيل أحمد عقيل ومبارك زروق و المحجوب وعمر عديل، وخليفة عباس، ومحمد عثمان يس، ويوسف التني، وعوض ساتي وجمال محمد أحمد، نجوما لامعة وقامات سامقة في سماء الدبلوماسية السودانية، في سنة استقلال البلاد عام 1956. كانت قيادة الوزارة عند الوزير السياسي، وإدارة الوزارة بيد وكيلها بكامل الصلاحيات.
ومن اشفاقي على أداء السيدة وزيرة الخارجية في مرحلة الحكم الانتقالي الحالية، رأيت أن تعزّز قيادتها السياسية للوزارة ، وأن تعيد لوكيل الوزارة مسئولياته الدبلوماسية والإدارية كاملة. لها أن تطلق يد وكيل الوزارة ويد سفرائه، لتنظيم هياكل الوزارة الإدارية والمالية، وتنفيذ سياسات الدولة الخاصة بخارطة التمثيل الدبلوماسي، من فتح واغلاق البعثات بحيثيات موضوعية مدروسة، وترشيح السفراء والدبلوماسيين، وفق معايير الخبرة والقدرات، ومراقبة أدائهم وتجويده وتقويم الهنات وردم الثغرات. ولا بد أن تتجاوز هذه المرحلة الانتقالية، تلك الممارسات التي اختلط فيها الأمر إبان حقبة “الإنقـاذ” المبادة، فأمسك الطاغية – آخر أيامه وأيام أزلامه- بكامل ملفات وزارة الخارجية، من فتح السفارات أو إغلاقها، ومن تطوير العلاقات مع بلدان بعينها أو قطعها ، ومحاسبة – ليس السفراء السودانيين وحدهم- بل السفراء الأجانب المعتمدين في السودان، الذين أسمعهم الرجل تقريعاً منه وكَيلاً من “البركاوي” الذي في جوالاته، بما لا يليق أن يصدر عن رئيس دولة محترم. . !

(7)
على الوزيرة المنصورة أن تعدل قوام وزارتها ، فلا يكون قرار إزالة التمكين وحده هو الأهم، بل ستبقى المسئولية الأكبر هي استعادة هيبة صوت السودان في المحافل الدولية ، وتطوير علاقاته وفقا لمصالح البلاد القومية، وبنديّةٍ تحفظ الكرامة وقيم الدبلوماسية الرّاسخة. إن للدبلوماسية مضامينها ، كما لها ً أشكالها ومظاهرها وفنياتها وتقاليدها المرعيّة ، فلا هي وصاية ولا هي تغوّل على ما ليس من مهامها. لوزارة الخارجية – وكمثلها من وزارات شبيهة في مختلف دول العالم – أن تراعي في ممارسات مهامها ، تلك الضوابط التي ألزمتها بها الاتفاقيات الدولية ، والتقاليد والأعراف التي قامت عليها الدبلوماسية منذ أيام التاريخ الأولى.

(8)
هيبة الدولة من هيبة صوتها الخارجي الرّصين، وذلك الصوت هو صوت وزارة الخارجية: صوت قيادتها وسفرائها ودبلوماسييها وإدارييها. أولئك الذين يفتحون أبواب التعاون مع المجتمع الدولي وكافة بلدان العالم . إن التنازع بين الوزارات حول صلاحيات بعضها ، قد يفضي بنا إلى حال أشبه بحال دويلات الطوائف وتناحر ملوكها، الذين ذهبت ريحهم فضاعت أندلسهم . السودان الماثل بضعف توافق مكوناته العسكرية والمدنية وتنافر جيوش حركاته المسلحة، قد يقبر ثورته الشامخة تحت تراب أندلس قادم إن لم نتجنب مسببات التشظي والانهيار. .

الخرطوم – 23 مايو 2021
//////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!