(سيداو) وثيقة تعري تناقض الفقهاء! (3) .. بقلم: بثينة تروس


وقف لازم: في تاريخ 11 ديسمبر 1970 تمت اول زيجة للجمهوريات بمشروع طرحه الأستاذ محمود محمد طه، بعنوان (خطوة نحو الزواج في الإسلام) مؤكداً فيه انه ليست الكلمة الأخيرة في شأن الزواج، كما قدم طرحه لكماله في كتاب (تطوير شريعة الأحوال الشخصية). الجمهوريات يتزوجن بمهر رمزي قدره واحد جنيه سوداني، بمقابل شروط كرامة تحقق المساواة الكاملة بين الزوجين، بموجبها عصمتهن بأيديهن، كما هي في ايدي ازواجهن، لهن شراكة حق الطلاق، كما انه لا يعدد عليهن في الزواج. وفوق ذلك يشهدن على عقد زواجهن، ويتم بحضورهن في مجلس مشترك. اذن هنالك فرصة للمرأة في (القراَن) وفي مجتمعنا، تعين على القضاء على كافة اشكال التمييز ضد المرأة في الزواج، وبالصورة التي طرحتها اتفاقية (سيداو) عام 1979 في المادة (16) التي تحفظ عليها الفقهاء.
نؤكد ان الفقه المسنود على فهم الشريعة الإسلامية، بالرغم من حكمتها في سابق عهدها، لا يطرح المساواة اليوم، ولا يرقي للدستور الذي تتوفر فيه حقوق مواطنة متساوية بين الرجل والمرأة. من جانب اًخر طرحت المادة (16) (ج) نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه) في مقابل تعريف الفقهاء للزواج، يؤكد إشكالية تحليل النص الديني وضعفه (الحنفية عرّف بعضهم النكاح بانه عقد المتعة قصداً، الشافعية قصد يتضمن ملك الوطء بلفظ انكاح أو تزويج، المالكية بأنه عقد على مجرد التلذذ بآدمية) هكذا ينتجون تعريف يهبط بتلك العلاقة السامية، ويحفز العنف الجنسي، ويشرع الاغتصاب داخل اطار الزواج، بينما سعت (سيداو) لحماية المعنفات من التحرش، و الاغتصاب الزوجي، ودرء اثاره النفسية والجسدية والجنسية المدمرة. لكن رجال الدين لا يغادرون محطة ان المرأة مدعاة فتنة وغواية، خلقت من ضلع اعوج، يتحججون بتفاسيرهم الخاصة لأحاديث مثل (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح) رواه مسلم، و (يتمنعن وهن الراغبات) مما خلق ارهاب ديني، وتمايز، بموجبه اجبرن النساء علي الصمت عن ابسط حقوقهن داخل تلك العلاقة، وهذا يجافي سماحة الإسلام، ودعوة الكرامة الإنسانية (ما اكرمهن الا كريم وما أهانهن الا لئيم).
تقول (سيداو) في البند (ب) (نفس الحقوق في حرية اختيار الزوج، وفي عدم عقد الزواج إلا برضاها الحر الكامل) وهذا فيما يعني حق المرأة في ولاية امرها، عندما تفرض عليها الوصاية الابوية، زوجاُ دون قبولها ورضاها، وفي هذا الصدد اختلف الفقهاء، بالرغم من ان الشريعة، اباحة للنساء وهن في مجتمع قبلي، وحديثات عهد بحفرة الوأد، حق ان يزوجن أنفسهن، بل أكثر من ذلك الراشدات منهن يمكنهن ان يزوجن لأخريات، وهذا ما التقطته دول إسلامية عربية مثل المغرب، وتونس، وعلى أساسه عدلت قوانين الأحوال الشخصية. وللأسف جارت الأعراف المجتمعية، الطرف الفقهي المتشدد الذي يعوق تحرر المرأة، ويحجم معطيات دورها الفاعل في اتخاذ القرارات وكان الأفضل اعتبار رأي السادة الحنفية لحل معضلة ولاية المرأة على نفسها، لأنه ينسجم مع تغيير أدوار المرأة في الاسرة والمجتمع. وكان معمول به في السودان قبل تحكيم المذهب المالكي، واندياح موجة الهوس الديني وأثرها على قوانين الأحوال الشخصية (وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، في ظاهر الرواية الى اثبات هذا الحق لها، فلها أن تزوج نفسها متى كان كفأً، والمهر مهر المثل، ولا اعتراض لأحد عليها، كما لها الحق أن تزوج غيرها أيضا). الأحوال الشخصية، لمعوض محمد مصطفى سرحان، المعمول به في مصر والسودان ص 149.
ويتجلى امعان الفقهاء في تجاهل حركة الوعي النسوي، والتمييز النوعي بين الرجل والمرأة في مسالة الزواج من الكتابي! مع ان الخطاب القرآني ساوي تماماً بين الرجل والمرأة في التدقيق في امر الزواج من (المشرك)، من باب اولي ان لهن حظ المساواة في الزواج من أصحاب الديانات الأخرى، بعبرة فهم النص، واهل الكتاب ليسوا بمشركين، وان حاق ببعضهم فساد العقائد، أو مفارقات لأديانهم، فالمسلمين لم يكونوا بمنجي من أزمة الاخلاق وفساد العقيدة، وعماد الدين الاخلاق (انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) وفي هذا المضار رب رجل مشرك علي خلق وقيم إنسانية، لهو افضل من مسلم شكلي التدين، سيء الاخلاق، يعنف بالمرأة ويضربها ويذلها. وتحريم الفقهاء مرده، كون انها ضعيفة ولأتملك أدوات ان تحمي دينها ودين أبنائها من الكتابي، وما من شك لابد من ضرورة ارتفاع المخيال الديني الي مستوي قامة المرأة المعاصرة، اذ هي جديرة في مجتمعات تسود فيها الدساتير التي ترعي المساواة التامة، ان تحمي دينها واسرتها، بما يتفق وتربيتها، ومسئوليتها الفردية امام الله، كما هو حال الرجل ومسئوليته،
المادة (6) من (سيداو) (تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة بما في ذلك التشريع، لمكافحة جميع أشكال الاتجار بالمرأة واستغلال دعارة المرأة). في مستوي لإعادة النظر في القوانين التشريعية المغلفة بالقداسة الدينية، ويحول رجال الدين دون ذلك، مشرعين للاتجار بالمرأة والبغاء، في دعواهم بصحة زواج الطفلات القاصرات، من بين من اتاهن المحيض ولو بعمر الثامنة! غيرعابئين بالمخاطر الصحية والنفسية والجسدية، التي سوف تلحق بهن من اثر الزواج من رجال يكبروهن في السن، وبفعل التطور الصحي والعلمي، الذي اعاد تعريف البلوغ الجنسي والنضج العقلي، تم تحديد سن قانوني للزواج ببلوغ 18 عام للفتاة، واقرت بقية المعتقدات الدينية، من يهودية وكنسية وديانات أرضية، باتباع هذه التوصيات، ما عدا فقهاء المسلمين الذين يقدمون الإسلام في صورة رجعية، ولقد شهدنا بشاعة الاتجار بالمراة وبيعها في أسواق النخاسة، في نموذج (دولة الخلافة الإسلامية في سوريا والعراق) (داعش). وهكذا المعركة الفقهية ليس مع ( سيداو) وانما في العجز من إيجاد نص ديني، متفق حوله مستمر التطور في مواجهة مشاكل المرأة، ويتوافق مع المواثيق العالمية، وأنظمة الحماية الحداثوية.. ونواصل

tina.terwis@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!