“الشلانقي ما خلا زول عميان” (1) .. بقلم: عبد الماجد عباس محمد نور عالم


“الشلانقي ما خلا زول عميان”، فالكل بفضله وفعله قد صار بصيراً، وكأنه قد القى على الجميع قميص يوسف ،فأغطش ظلمة العمى فأذا بالكل قد صاروا أبصر من غراب، فمن أين يا ترى جاءت مفردة الشلانقى هذه وهي تمشي الهوينا متوكأًةً عصاة موسى وقابضةً عليها بأنامل عيسى ليضرب بها دياجر المحاجر فتنفلق الجفون حتى يبان بياضها من سوادها ، لتمسحها تلكم الأنامل وتمسدها فإذا هي ثاقبه باصرةٌ من جديد وبحدة الحديد رماقة تحشد كل تفاصيل الرؤيا وجزيئات الأشياء في وضوحِ ونقاء،اذن هي كلمة تم استدعائها من دفاتر الطب الشعبي القديم واستلت استلالاً من صفحات تراث غرب السودان وهم قد خصوا بها وأطلقوها على الشخص البارع في طبابة العيون وشأنهم في ذلك كمثل كل خلق الله لهم تجريب ومعاركاتٍ مع الأوبئة والامراض فأورثتهم تلك المنازلات الخبرة والدراية ،فعندما نصيبهم الامراض يلجأون للمتاح من المواد والنباتات فيجربون ما يعتقدون فيه المعالجة والطبابة ،فيصيبون ويخطئون ،وذلك عبر مسيرة تاريخية طويلة ،فتراكمت خبراتهم في المداواة والمعالجة ،وبالمتاح من امكانية محلية وهذه الامكانيات ومن الصدق أن نقول بأنها تكاد أن تكون صفرية، وبالرغم من هذا فقد برعوا في العلاجات والمعالجات الشعبية من كسورِ وجبورِ وجراحة عيون وحجامة ،فجاءتنا كلمة الشلانقي من هذه البيئة طينة وجلدةً وعظماً وروح ،وقد اطلقوا هذا الاسم لطبيب العيون البارع وخصوه به، ذلك أنهم ومن براعتهم فقد قاموا بإجراء العديد من العمليات الجراحية الصعبة للعيون وقد أصابوا في ذلك نجاحاً منقطع النظير مما يشبه المعجزة في زمن أنقطع فيه المعجزات ،بل أنهم في بعض تلكم العمليات تفوقوا فيها حتى على الأطباء الذين يعملون بالمستشفيات الحكومية الحديثة، وهنا يحضرني حديثاً للدكتور عبد الله الطيب وقد كان ذلك ضمن محاضرة له ،بكلية الطب جامعة الخرطوم بمناسبة عيدها الماسي والفضي للدراسات الطبية العليا، وقد أورد فيه حديثاً له على لسان احد الأطباء الكبار والذي يقول فيه للدكتور عبد الله عليه رحمة الله:- بأن هناك عملية قام به شلانقي على ظل شجرة نجحت نجاحاً مذهلاً بينما عملية مشابه اجروها بمستشفيات الحكومة قد فشلت فشلاً ذريعاً ،ولعل هذه المحاضرة التي ورد فيها هذا الحدث قد تتوفر ضمن محاضرات البروف المسجلة باليوتيوب .,, ما أردت هنا أن اقول بأن ما احدثه الشلانقيين من أثار وثقتها أطراف عديدة ،بل أن بعض المعالجين من علية القوم ووجهاء المجتمع أولئك الذين تم شفائهم وبعد أن عادوا مبصرين قد حرروا شهاداتٍ و مهروا خطابات شكرِ تقديرٍ عرفان منهم بنجاح تلك العمليات التي اجريت لهم…إذن فالقوم بارعون في العلاج وبصارين للعيون ولكن هذه العبارة الفاتحة للعيون دفعتنا لنتأمل في هذه المفردة والتي اظنها تنفع كنموذج للتصاهر اللغوي ما بين العربية والمحلية السودانية وقد تكون فيها بصمات اللغة الفوروية أو الدارفوراوية علي العموم وذلك نتاج للتلاقح التلقائي والاندماج السلس لشرائح المجتمع المتعددة الجذور والثقافات وقد تكون هذه المفردة اثرُ من تلك أثار الشاهدةً على ما نقول ونعتقد ،فاذا كان الأمر كذلك فما الدليل عليه..اذا بحثنا في القواميس العربية وتحديداً في لسان العرب والقاموس المحيط نجد أن معنى كلمة شلق اوهي والتي نظن بأن كلمة الشلانقي قد استلت منها تحمل عدة معاني منها بيض الضب اذا رمته ،ومن معانيها الجرح بالسكين ،من معانيها الضرب ، فالمعنى الأول هو بالضبط ما يفعله الشلانقي يقوم به ،فبعد أن يغطي عين المريض غشاءً ابيضاً ويظل يتكثف حتى يحجب سواد العين فتمنعه من الرؤي يقوم الشلانقي بفصل هذه الغشاء السميك عن سواد العين بعملية جراحية يستعمل فيها موسه ويرمي ذلك الغشاء الذي يشبه الصدفة وقشرة البيض معاً فتعود العين مبصرة ،وهذا يشبه تماماً المعنى الاول فالصورة تكاد أن تتطابق وفي هذا دليلً على علاقة المفردة بالعربية ونسبة هذه المفردة بأضافة الالف والنون والياء اللينة للإشارة والتعريف للشخص المتخصص والمعروف بهذه الصنعة فحولت المفردة الى اسم صنعة وطريقة هذه الإضافات الاخيرة ليست عربية ولكن هذه الطريقة شائعة في لغات السودان المحلية وفي دارفور وغيرها، وهذا ما ظننا وقلنا أنه نتاج للمزاوجة والتمازج الثقافي القائم على المبادلة التلقائية للغة المحلية والعربية ،وهذ يحدث كل ما توفرت الظروف الطبعية التي لا قهر فيها و لا تسلط أو تحقيرِ وأستغلال.

عبد الماجد عباس محمد نور عالم
magidas2002magidas@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!