الفصل الثالث من كتاب “ما وراء السودان الحديث  .. بقلم: هنري سيسيل جاكسون  .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


الفصل الثالث من كتاب “ما وراء السودان الحديث Behind The Modern Sudan”
    المُوَاصَلات
Henry Cecil Jackson هنري سيسيل جاكسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة للفصل الثالث من كتاب “ما وراء السودان الحديث Beyond the Modern Sudan”، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م.
عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب التي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرخ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد ترجمنا من قبل بعض فصول هذا الكتاب، ومقتطفات من بعض كتب ومقالات مختلفة لهذا الإداري الكاتب.
المترجم
******  ********   *********
في بِلاد قد تُرْسَلُ فيها، بدون مهلة كافية، دورية عسكرية كي تتعامل مع غارة لتجار الرقيق، أو غارات وصدامات بين القبائل، أو هِيَاجٍ متطرف يمكن أن يفضي إلى انتفاضة عامة إن لم يتم حسمه مبكرا، كان من الضروري جمع معلومات تمكن الدورية من أداء واجباتها. أين يمكن العثور على الماء؟ وكم من الجمال والبغال والرجال يمكن أن تتم سقايتهم من كل بئر في وقت محدد؟  وما هي حالة سطح المسارات؟ وهل هي مغمورة بالمياه ولا يمكن المرور عبرها في فترات معينة في العام؟ وهل يمكن شراء المُؤَن المحلية؟ وهكذا. وهذه قائمة طويلة تتضمن أسئلة مهمة وعسيرة وتتطلب إجابات قد تعتمد على دقتها حياة الكثير من البشر.  وكان من اللازم أولا الحصول على المعلومات، والحفاظ على صِحَّتها وتحديثها باستمرار، إذ أن الأحوال والظروف تتغيران باستمرار.
وفي بداية القرن كان عدد العاملين في مصلحة المساحة بحكومة السودان قليلا جدا، مما جعل الكثير من أعمال اعداد خرائط البلاد تُفَوِّضُ للضباط البريطانيين المنتدبين في الجيش المصري والخدمة المدنية في السودان. وكان العسكريون أكثر خبرةً من المدنيين الذين كان تدريبهم في عام 1907م يقتصر (في أكسفورد على أي حال) على أعمال المساحة في الحدائق، وأعمال مساحة أسبوعية باستخدام أداة لمسح الأراضي بالقرب من تلال كرري (خارج أم درمان). ورغم ذلك فقد تم اعداد خرائط دقيقة لآلاف الأميال المكعبة في البلاد تكفي لإدارة البلاد وتقديم معلومات عسكرية قيمة. واكْتَمَلَ كل ذلك العمل باستخدام بوصلات مَوشُوريّة، وأحيانا بعجلات قياس (كثيرا ما تتعرض لتلف يتعذر إصلاحه في أيام معدودة بسبب عدم استواء الأرض وارتفاع الأعشاب التي تنمو فيها). أما الآن، وقد اكتملت عملية اعداد خرائط مفصلة للبلاد تيح معرفة مكان أي قرية أو بئر صغيرة في نطاق ياردات قليلة، فإنه من الغريب أن نتذكر أنه قبل أربعين عاما لم نكن نعرف موقع المياه أو مكان قرية صغيرة في نطاق عشرة أميال. وفوق كل كذلك، فالمعلومات تتغير بسرعة وتغدو قديمة لا فائدة منها. وكانت أسماء القرى مصدر ارتباك عظيم، ذلك لأن القرية كثيرا ما تُسمى باسم مؤسسها (مثل حلة شيخ فضل المولى، أو حلة شيخ عباس)، ويتغير الاسم بعد وفاته، وتُعْطَى اسما آخر.
وكنا بمجرد أن نحدد موقع القرى، نسعى جاهدين كي نحسن من المواصلات الرابطة بينها. ولم يكن فعل الكثير في هذا الجانب في الأيام الأولى يتعدى إزالة الأعشاب الطويلة وقطع الشجيرات. فحتى بعد انجاز قدر معين من التنظيف، فإن طرق الحكومة، خاصة في الجنوب، لا تؤدي الغرض الذي أنشئت من أجله لفترة طويلة، إذ أن الحيوانات المفترسة كانت تفضل تلك الطرق على طرقها القديمة في وسط الغابات. وإذا سارت قافلة من الأفيال على طريق ما خلال موسم الأمطار، فتلك هي نهاية ذلك الطريق.
ولسوء الحظ، لم تُسْتَغَل الأنهار في السودان بصورة أوسع. وتجف بعض الأنهار في الشتاء، وتترك بعض البحيرات الصغيرة التي سرعان ما تمتلئ بالأسماك والتماسيح، وأحيانا بأفراس البحر. وفي الصيف يتميز كل نهر بخصائص تجعل الملاحة فيه أمرا عسيرا أو خطيرا، إذ أن القاطرات والعجلات الخلفية قد تنقلب في بعض الأحيان بفعل عاصفة مفاجئة. وتكون غالب أجزاء النيل في شمال السودان غير سالكة للمرور في كل شهور السنة بسبب الشلالات. وهنالك خطر دائم للسدود في جنوب السودان. وأغلقت النيل الأبيض جنوب ملكال تكتلات كبيرة للسدود تجمعت في عهد المهدية ولم تجد من يزيلها. وبُذِلَتْ مجهودات ضخمة كي تجعل الحركة في النهر والوصول إلى بحر الغزال ممكنة. وكانت أول مرة يتعرف فيها المسافرون إلى أعالي النيل على السدود هي في كوستى، على بعد مائتي ميل جنوب الخرطوم. وكانت هنالك كتل صلبة من النباتات المائية – قصب طويل وأوراق بردي و”أم صوف”، وأغماد أوراقها بيضاء قد انفصلت من حيث كانت في المراسي – وتُرَى الآن وهي تطفو في وسط النهر، أو متجمعة على طول حافة النهر. وتتحرك تلك “الطوافات” ببطء شمالا لمسافة 700 أو 800 ميل، وتتقوى باستمرار وهي في طريقها وتتحد متلاصقة بآلاف من نباتات صغيرة تشبه الكُرُنْب التقطتها وهي في رحلتها الطويلة، وأيضا عن طريق محالق نحيلة وقوية لنبات اللبلاب السريع النمو. وكثيرا ما يُشَاهَدُ فوق تلك الجزر المصغرة التي تكونها تلك النباتات طائِرٌ خائض ̸̸̸ مُخَوّض (wading bird) مثل “أبو منجل و”مالك الحزين”، يقف رشيقا ومتحفزا وشديد الانتباه لأي طعام قد يصادفه – إذ أنه يعيش حياةً متبطلة مثل التي يعيشها الرجل وهو في عطلة على الشاطئ ويصطاد سمك الفرخ (perch)، ومعه شخص آخر يقوم بجر المركب.  ومنظر أَعذاق ذلك القصب أو الجزر الصغيرة منظر له بالتأكيد جماله الخاص. وتتلألأ رؤوس أوراق البردي ذات الريش الأبيض باللون الذهبي وهي تتعرض للشمس، وتتمايل سيقانها المتشابكة مع اللبلاب الوردي والبنفسجي عند هبات النسيم، وتنحني لتيارات النهر المعتدلة، وتتلألأ تلك النباتات الزاحفة، ويلمع اللون الزمردي على مياه النيل الرمادية – الخضراء. غير أن هذه الصور ليست إلا شُذُور منفصلة من أرض مستنقعاتٍ شاسعة وقاتمة وخطيرة في جنوب السودان، تمتد من بحيرة نو إلى بور ومشرع الرك، وغربا إلى القرب من واو. وهذه منطقة تبلغ مساحتها 5,000 من الأميال المربعة، ظلت في عزلة مُوحِشة لا تتغير، وبقي منظرها أخضرا رتيبا يفتقر إلى التعبير، ويضيع جمال الوحدة الواحدة بها في تماثل شكلها الكلي. ولا غرو، فقد تحولت الأنهار والبحيرات في ذلك الجزء من السودان (بين خطى عرض 9.50 و6.0) في غضون قرون طويلة، إلى مستنقعات مليئة بنفايات جذور نباتات مائية وأرضية تنمو بصورة هائجة. وتوفر الأعشاب والقَصَب (الذي يرتفع طوله إلى 15 إلى 20 قدما، وتمتد جذوره الليفية عميقا في التربة تحت الماء) أساسات متينة وسقالات تنمو عليها النباتات المائية، وتتكاثر بغزارة في تلك المياه الآسيوية. وأفضى كل ذلك لتشكيل بنية هائلة من الغطاء النباتي.
ولا تزال كتل السدود، التي سببت الكثير من المآسي في الماضي، مصدر قلق لمصلحة الري. وتتكون تلك الكتل من وحدات من السدود التي قد تتحرك من أماكنها الأصلية بفعل ريح مفاجئة أو ارتفاع في منسوب النهر، وتطفو في اتجاه مجرى النهر وتنضم لمثيلاتها الأخريات. ويقوم الشاطئ المتدرج عند نقطة معينة بوقف كتلة السدود المنجرفة. وعند ذاك سرعان ما يتم قفل القناة بأكملها جراء تراكم السدود. وتغدو تلك الحواجز الطافية ثابتة مستقرة لدرجة أن الحيوانات المهاجرة قد تستخدمها كجسور في موسم تغييرها لمراعيها – حتى أن قطعان الأفيال تسير في موسم الجفاف نحو مناطق السدود وكأنها مراعٍ هائلة. ولا تزال سبل المواصلات النهرية مع جنوب السودان تعتمد على يقظة وتعاون لا ينقطعان من قبل العديد من المسؤولين، إذ أن الإزالة المتواصلة لتلك الأعشاب أمر ضروري لإبقاء الممرات المائية مفتوحة.
وفي عام 1908م احتجزت السدود ست بواخر و18 من الصَنادِل (أو الزوارق البخاريةbarges )  لعدد من الأسابيع، على الرغم من كل الجهود التي بذلت لإخراجها. وكنت مسافرا ذات مرة بباخرتي على بحر الجيل عندما احتجزتها السدود. ولكن لم نكن قد تقدمنا كثيرا في النهر، لذا كان من غير المحتمل أن نبقى محتجزين فيه لأمد طويل. وبقيت أشاهد، دون أن التهي بالقلق، كيف يتم التعامل مع كتل السدود. فعندما لم تعد الباخرة قادرة على التقدم للأمام، قفز بحارتها على ذلك البساط من الأعشاب والقصب وأعملوا فيها فؤوسهم ومعاولهم وسيوفهم ليقطعوا أجزاءً كبيرة منها ليحملها تيار الماء بعيدا عن طريق الباخرة. غير أنه بعد كل ذلك الجهد الذي بُذِلَ، تبين لنا أننا نفتقر للعدد الكافي من الرجال والمعدات اللازمة لإزالة تلك الكتل بفاعلية. لذا أقررنا بالهزيمة وعدنا أدراجنا لمدينة ملكال. وفي خلال تلك العمليات تعلق ثعبان البوا (الأصلة) بعجلات مجداف الباخرة، ودار نقاش كثير حول مصير ذلك الثعبان. وكنت أرغب في الحصول على جلده، غير أن بعض البحارة أصروا على أنه ابن شيطان، وعلى ضرورة قتله سحقا، بينما أراد آخرون جلبه للسطح كي يوفر لهم وجبة لذيذة. وبحسب رأي ماري كينجسلي (1)، فإن لحم الثعبان يصلح طعاما للإنسان، غير أني أجد فكرة أكل البشر للحم الثعبان أمرا منفرا مقززا. لذا لم أكن حزينا البتة عندما أفلح الثعبان في تخليص نفسه من عجلات المجداف وعجل بالهرب داخل الماء، رغم أنه لم ينزع الجلد الذي كنت أؤمل أن أعطيه هدية لخطيبتي مع نوع غريب من أكياس التسوق.
كان وجود خط ملاحي من الخرطوم إلى الجنوب أمر مهما وضروريا للحكم الثنائي، إذ أن الطريقة الوحيدة للوصول إلى الجنوب – قبل أيام السفر بالطائرات – هو السفر الطويل والخطير بالبر، إما لغرب النيل الأبيض أو لشرق النيل. لقد كان من المستحيل إقامة حاميات عسكرية بالجنوب، وتزويدها (بالمؤون) عن طريق النقل بالجمال غربا، أو النقل بالحمير شرقا. لذا قام الرائد ماثيوز Matthews في عام 1901م بمجهود كبير لفتح ممر خلال السدود. وكان ذلك الرائد قد أُعْطِيَ وحدة مهمة حربية مكونة من مساجين مصريين وأسرى من حرب الدراويش أرسلت أمامه إلى “كنيسة Kanisa” لقطع الأخشاب للباخرة. غير أنه حدثت على الفور العديد من المصاعب. فعند وصوله، وجد الرائد ماثيوز أن من كلفوا بقطع الأخشاب لم يرفضوا فقط عمل ما كلفوا به، بل نجحوا في نزع أسلحة حراسهم المصريين، وأفلح بعضهم في الهرب والوصول إلى الكنغو البلجيكي. وتم استبدال سودانيين بمن بقي من المساجين المصريين، ووضعوا تحت إمرة دكتور كريسبن، الذي كان قد رافق الحملة كطبيب. وسار كل شيء بعد ذلك كما يرام رغما عن كل الصعوبات التي كان يحب التغلب عليها. وكان على الحملة إزالة 19 كتلة متفرقة من السدود بنزعها وفلها بالأيادي وسحبها بعيدا قبل أن تصبح أعالي النهر صالحة للنقل مرة أخرى. وكانت إزالة كتلة كبيرة واحدة من السدود تتطلب عمل 24 يوما كاملا، وكان فتح قناة بعرض 10 ياردات لمسافة 1500 ياردة يتطلب عمل متواصل لتسعة أيام.
لقد كان العمل بالفعل طويلا وشاقا. ففي البدء كان يجب قطع النباتات التي تنمو على السطح بالسيوف والفؤوس أو بالمجارف المحلية التي يستخدمها الأهالي، ثم حرقها. ويتم بعد ذلك تحديد ممر عرضه 12 ياردة ليغدو هو مكان القناة المراد فتحها. وأزال المساجين كتلا من السدود مساحة الواحدة منها 4 ياردات مربعة، ولم يكن ذلك عملا هينا، إذ أن الوصول للماء كان يتم عادةً بعد قدم واحد تحت السطح. وكثيرا ما كانت السدود تمسك في قاع النهر بطين سمكه 3 إلى 4 أقدام. وكان العمال يجدون هناك أيضا في القاع كتلا طافية من “أم صوف” ملتصقة بكتل من الطين. وظل الرجال يقطعون ويستأصلون السدود ويتوقفون حين يغدو الماء عميقا بأكثر مما يسمح لهم بأداء المزيد من العمل. حينها تُرْبَطُ الحبال المصنوعة من الحديد الصلب المرن بالكتل المراد إزالتها، وتُحُرِّكَ الباخرة إلى الخلف، ويشد رباط الحبال وتذهب الباخرة إلى الخلف بأقصى سرعة.  وأحيانا تكون النباتات والقصب متشابكة للحد الذي يتطلب عملا متواصلا لساعتين كاملتين لفصلهما قبل إزالة حتى كتلة واحدة. وعند حل هذه المشكلة تظهر مضاعفات أخرى. فقد كان من اللازم تجميع كتل السدود المُزالة ووضعها في ضفة النهر، أو تركها تطفو في اتجاه مجرى النهر. غير أنه كثيرا ما كانت مياه النهر تخلو من أي تيار محسوس، ولا ترى فيه أي ضِفاف. وأستعمل عُودُ شِّراع مركب محلي كمركز مراقبة في وسط المستنقعات على أمل أن يتيسر تمييز مجرى مفتوح للماء، أو تتبع المجرى الرئيس للنهر. وفي أحد الأماكن قاد التيار إلى بحيرة ولم يعد لمجرى النهر الرئيس إلا بعد 800 ياردة. وكان من الواجب إيجاد طريق لقطع أوراق بردي يصل طولها إلى 18 قدم بينما كان يهدر تيار جارف تحتها. وفي أمكنة أخرى كان النهر قد فاض وتخطى ضفتيه، وكان من اللازم ردم كتل عليهما لإيقاف تمدد الفيضان وإرجاع النهر مرة أخرى للسير في مجراه الصحيح. وعندما لا يكون هناك تيار، تبقى السدود في المياه الميتة. حينها كان يجب سحبها بالباخرة إلى المجرى الأساس للنهر.
وأحتمل الرائد ماثيوز ورجاله شهورا عديدة من المشقة البالغة لفتح ممر نهري عبر السدود. كان ذلك العمل عملا بغيضا للدراويش السابقين، أما بالنسبة للمساجين المصريين فقد كانت تلك الحياة هي تجسيد لأسوأ مخاوفهم. وفي عهد التركية كانت السلطات تعرض على المجرمين النفي للسودان كبديل لأحكام السجن لمدد طويلة التي تفرضها المحاكم المصرية. وكانت مجرد فكرة الذهاب للسودان تملأ جوانح المصري بالإرتعاب. وينبغي أن يُعطي الرائد ماثيوز حَقّه من الإشادة لرفعه للروح المعنوية لأولئك الرجال في تلك الشهور الطويلة من الأعمال البالغة الشدة. وفي الواقع، فإنه من الصعب تخيل أي عمل أكثر مشقة، أو أمل أكثر قتامة من العمل في إزالة السدود لشخص يداوم التحديق في منظر جالب للكأبة يوما بعد يوم. كانت ظروف الحياة هناك مروعة، فقد كان الرجال كثيرا ما يقضون يومهم وهم نصف عراة في الطين والماء إلى الخَصْر، محاطين بأعداد كثيفة من البعوض، تعذبهم ليل نهار، ويشمون دوما الرائحة النتنة الساخنة للنباتات المتحللة، ويتنفسون ما تطلقه المستنقعات من بخار. ولا يمكننا نتجاهل خطر التماسيح والثعابين. عير أنهم تحملوا كل ذلك وأدوا أعمالهم بصورة ممتازة. ولما عادت الملاحة للجنوب مجددا عبر النيل الأبيض، وآب الرجال إلى الشمال، تمت مكافأة المساجين بتخفيض مدة محكوميتهم.
*****   ******   *******
لم تكن التحسينات في المواصلات بالقطارات والانهار والطرق البرية (لتسريع نقل الجنود لمناطق الاضطرابات) كافيةً في حد ذاتها. فقد يُضَاع الكثير من الوقت الثمين عندما يصل للسلطات طلب عاجل للمساعدة عن طريق أحد العَدَّائين أو رجل على ظهر جمل. وكان من الممكن إنقاذ حياة الكثيرين في أحداث نيالا عام 1921م، التي تناولتها في كتاب The Fighting Sudanese – السودانيون المقاتلون (2)، إن توفر يومها خط للبَرْق (التلغراف) بين تلك المنطقة /المُفَتِّشِيَّة الصغيرة وعاصمة مديرية دارفور. ولهذا السبب لم يُدْخَرُ أي جهد لربط أقصى عدد ممكن من المحطات والنقاط البعيدة بالتلغراف حتى يمكن إرسال أخبار أي اضطراب محتمل بأقصى سرعة.
وكانت الصعوبات الواجب مجابهتها جمة وعسيرة. فقد استلزم ربط المناطق بالتلغراف نقل مئات الأعمدة وآلاف الأميال من الأسلاك عبر الصحراء أو المستنقعات بالجمال والبغال والحمير. ولإكمال الربط الأخير لخط التلغراف بين الإسكندرية واوغندا، أُرْسِلَتْ حملة بقيادة الرائد ماكويرث (من فرقة المهندسين الملكية). وكانت مُجاهَدات الرجل تمثل أنموذجا ومثالا قياسيا لما قام به كثيرون مثله. وكان خط التلغراف يقام على أرض سافنا عشبية مُستَوًية تجف في الشتاء وتنغمر بالمياه في الصيف. لقد كانت الأراضي التي مُدَّتْ فيها الأسلاك شديدة التسطيح وعديمة الملامح لدرجة أن السبعين ميلا الأخيرة من الأسلاك كانت قد مُدَّتْ في خط  واحد شديد الاستقامة ليس به زاوية من أي نوع – غير أن ذلك لم يسهل من العمل. وعقب شهور من السير المضني خلال الأعشاب البرية الطويلة التي نمت بشكل سرطاني، وفي تربة مشققة كثيرا ما تعثر فيها الحمير وتسقط على الأرض تحت ثقل أحمالها، أكمل الرائد ماكويرث رحلته بالسباحة أو الخوض في الميل ونصف الأخير عبر مياه عميقة وعشب متشابك.
وبعد الفراغ من إقامة خطوط التلغراف كان من اللازم مراقبتها على فترات متقاربة. وكان من الواجب التخلص من الأعشاب والشجيرات سنويا وذلك لمنع اندلاع حرائق في تلك الأعشاب تُدَمَّرُ فيها أعمدة التلغراف. وفي الشمال كانت الجمال تسير مترنحةً وهي تحمل أثفالها، وقد تميل على اسلاك التلغراف فتقطعها. أما في الجنوب فقد كان الناس يسرقون الأسلاك ليستخدموها أسورةً على الذراع أو العنق. ويبدو أن الحيوانات والطيور والحشرات قد اتفقت على التآمر لجعل ابقاء الاتصالات مفتوحة أمرا عسيرا. فقد كانت الزراف توقع مئات الياردات من أسلاك التلغراف بأعناقها الطويلة، وكانت الأفيال تستخدم أعمدة التلغراف لتحك جلودها وتوقعها أرضا، واحدا بعد الآخر، وهي تواصل الحك. ويبدو في بعض الأحايين أن الفيلة توقع أعمدة التلغراف لمجرد العبث و”الشيطنة” وإحداث الضرر. وقام أحد تلك الحيوانات بكسر سبعة أعمدة، ولم يكتف بذلك، بل لَوَى أربعة من القواعد المعدنية التي عُمِلَتْ بديلا للقواعد الخشبية خشية أن يدمرها النمل الأبيض.
وأقيمت جداول وتلال حول الأعمِدَة في محاولة لصد وحيد القرن والأفيال والحيوانات الأخرى. وقطعت كتل السدود الطافية كابل السوباط الذي يحمل أسلاك التلغراف عبر النهر من الشاطئ. وتم تخريب أو انقطاع خط التلغراف على امتداد أعالي النيل بسبب النمل في صندوق الكابل في خور اتار (Attar)، أو بحرائق الحشائش، أو واحدا من عُقَاب السمك (Fish eagle) أو الضفادع.  وكان مفروضا على الرَقباء البريطانيين وعلى السودانيين تفتيش كل أجزاء خط التلغراف في فترات متقاربة، والتبليغ عن حدوث أي تخريب فيه. وكانت الأمطار الغزيرة كثيرا ما تعيق حركة فرق التفتيش وعمل هؤلاء المراقبين، إذ أن تلك الأمطار كانت تحيل تلك البلاد إلى مستنقع كبير أو بحيرة كان على المراقبين السباحة إلى مركبهم السُرُوب (leaky) الذي كان ينتظر أوبتهم إلى بحر الزراف بعد انتهاء يوم عملهم. وسقط الكثير منهم مرضى بسبب اِبتَلَّالهم بالنهار وانعدام فرص التجفيف بالليل، وأيضا بسبب ملازمة البعوض لهم دون انقطاع.
وكان الرجال الذين يحرسون خطوط التلغراف يقضون وقتا عصبيا مليئا بالمخاطر، ورغم أنهم كانوا يتقاضون أجورا عالية بمقاييس تلك الأيام (شلن يوميا)، إلا أن ذلك الأجر لم يكن يكافئ تماما اختطار التعرض للحيوانات المفترسة (مثل الأسود والأفيال والجواميس والنمور) على الأراضي الجافة، وأفراس البحر والتماسيح والثعابين في المستنقعات. وفي عام 1909م كان اثنان من حراس خطوط التلغراف السودانيين يخوضان في مياه عمقها ثلاثة أقدام بخور الخندق عندما أزعجا منام تمساح كان يرقد على الشاطئ. استيقظ التمساح وأمسك بأحدهما (واسمه فضل المولى جبل) وجره تحت الماء إلى أن فقد وعيه، ثم رجع به سباحةً إلى درج (صخري) في الشاطئ استخدمه كمحزن للحم (larder). وفي ذلك الأثناء كان الحارس الآخر (عبد الله عطار) قد سمع صراخ زميله فضل المولى فجرى نحوه ليساعده. غير أنه لم يلحق به، إذ أن التمساح كان أسرع منه وأفلح في جر ضحيته تحت الماء. ولكن عبد الله، ببعد نظر مَحْمُود، انتظر في مكانه على الشاطئ متحينا فرصة أخرى لإنقاذ صديقه. وعندما بدأ التمساح في الظهور مرة أخرى من تحت الماء أطلق عبد الله النار عليه، وتمكن من انقاذ فضل المولى، الذي كان مصابا بإصابات خطيرة ولكنه ما زال على قيد الحياة. وقدم له عبد الله من الإسعافات الأولية قدر استطاعته وذهب به للمركز. وبعد مسيرة أربعين ميلا صادف فرقة انقاذ كانت قد أُرْسِلَتْ لتبحث عن الرجلين بعد أن تأخرا في العودة في موعدهما المحدد. وأُخِذَ فضل المولي إلى المستشفى في التوفيقية (3)، وبعد شهور عديدة من المعالجة بلغ من الصحة ما مكنه من العودة للعمل. وآثر الرجل أن يواصل في ذات العمل الذي لقي فيه تلك الحادثة المرعبة مع التمساح، التي كادت أن تودي بحياته، رغم أنه كان قد عرض عليه العمل في مكان آخر.
واليوم، حين صار التلغراف واللاسلكي الذي يربط الأمكنة ببعضها من الأمور المسلم بها، نظل نحن الذين عملنا (في السودان) من قبل أن تدخل تلك الابتكارات، نشعر بامتنان تعجز الكلمات عن وصفه لأولئك الذين عملوا في ظروف شديدة القسوة وخاطروا بحياتهم ليمكنونا من إرسال برقية أو خطاب من مكان لآخر في هذا البلد. وعندما رُزقت بطفلي الثاني استغرقت البرقية التي أرسلت لي بذلك الخبر ساعات قليلة لتقطع نحو 7000 ميلا بين شلتنهام Cheltenham (بإنجلترا) وواو بمديرية بحر الغزال. غير أن العداء الذي حمل لي البرقية (مثبتةً على عصا مشقوقة) أوصلها لي بعد ثلاثة أسابيع حيث كنت في منطقة بين يامبيو ومريدي تبعد 300 أو 400 ميلا من واو. وقلما كان ساعٍ للبريد يلقى ترحيبا مثل الذي لقيه ذلك العداء، وقلما كان يقبل بجذل مكافأة متواضعة مثل تلك التي مُنحت له. ومن الغريب أن يفكر المرء في أن كل ما كان يعطى للعداء نظير عمله وما يقابله من أخطار في رحلته الطويلة لا يزيد عن شلنين أو ثلاثة. وأتذكر بكل سعادة منظر ذلك العداء ووجهه يضئ بابتسامة عريضة عندما أعطيته أيضا قطعة من القماش، وعلبة من اللحم (بوليبيف bully beef) وبعض السكر والملح، وبعض علب الساردين الفارغة، وسألته إن كان يريد شيئا آخر. ومن حسن حظي اعتبر الرجل تلك الهدايا أكثر من كافية كأجر مقابل مجهوده. وكان بإمكانه أن يطلب مني أي شيء وكنت سأعطيه له في مثل تلك الظروف.
إن هؤلاء العدائين رجال شجعان. وهنالك دوما فرصة ليصادفوا في رحلاتهم الطويلة وهم بمفردهم فيلا أو جاموسا أو وحيد قرن – ولا يملكون في مواجهة تلك الحيوانات المفترسة سوى سلاح وحيد غير كاف هي حرابهم الصغيرة، أو يجدوا أنفسهم مضطرين للالتفات نحو حيوان مهاجم ومواجهته، أو أن يأكلهم أسد. وذات مرة عاد الرائد تيثرنقتون مساءً إلى المعسكر فأقبل عليه صبي دينكاوي وهو يجري وقال له إن ثلاثة أسود قد افترست معزه. وضعه الرائد على حصان صغير للسائس (وأسمه عربي)، وسار معهما على حصانه إلى قرية صغيرة يسكن فيها الدينكا. وتناهي إلى سمعه أصوات صياح. ومضيا بسرعة معقولة عبر مسار ضيق إلى أن بلغوا بقية المعز الأحياء وهي في طريق العودة للقرية.  وبعد دقائق قليلة لمح تيثرنقتون ذيل لبوة وهي تختفي وسط رقعة صغيرة من الأعشاب الطويلة. وكانت الشمس قد كادت أن تغرب، وتوقع أن تأتي في أي لحظة أعداد من الدينكا وهم في حالة إثارة شديدة، وسيجعل ذلك من إطلاق النار (على الأسود) أمرا عسيرا. ولم يكن هناك أي وقت لإضاعته. ترك الرائد الحصانين والصبي بجانب شجرة، بينما تناول السائس عصا الصبي وأخذ منها شريطا من اللحاء ربط به عشبا جافا وأشعل فيه النار، ثم جرى نحو العشب، ورمى بالشعلة من على مسافة نحو أربعين ياردة في اتجاه الريح. وفي ذلك الأثناء كان الرائد تيثرنقتون ينتظر ليطلق النار على اللبوة بمجرد أن تنسحب مسرعة من وسط العشب.
وبمحض سوء حظ، لابد أن تلك الشعلة وقعت على ظهر اللبوة، إذ أنها اتجهت مباشرة نحو (عربي) في قفزات عالية. وأغتنم تيثرنقتون لحظة مناسبة ليطلق النار عليها، وكأنه يصطاد أرنبا في فسحة، وأصابها في أذنها بطلقة رأسها مدبب أملس. وسقطت اللبوة ميتة تحت قدمي (عربي)، الذي بادر بلعنها، وركلها بازدراء، قبل أن يمسح دمها من وجهه. والتفت نحو تيثرنقتون وقال له وعلى وجهه ابتسامة عريضة: “ألم أقل لك ذلك؟ إليك ما طلبت! تماما كما قلت لك”.  كان تيثرنقتون في حالة من التأثر والصدمة منعته من أن يذكر (عربي) بأنه أكثر رجل محظوظ في أفريقيا، وبأنه كان سيلقى حتفه لولا أن الطلقة النارية التي أطلقها سيده كانت أكثر الطلقات حظا في حياته.
وكانت لقصة تلك الحادثة بقية. فبعد يومين من حدوثها أتي صبي دينكاوي للمعسكر وهو يحمل حقيبة بريد تيثرنقتون وهي غارقة في الدماء. كان أسد قد قتل والتهم العداء الذي كان يحمل تلك الحقيبة. يؤمن بعض السودانيين بأن الأسود، مثلها مثل الثعابين، تسعى للانتقام ممن يقتل رفيقها. ويعد الدينكا مثل ذلك الانتقام أمرا لاَ مَنَاصَ منه.
ومع تحسن المواصلات والاتصالات، وتوفير الأمن والسلامة، أقبل الكثير من المسافرين والرحالة إلى السودان. وفي تلك الأيام، حين كنا نقضي نصف حياتنا في الطواف على مناطقنا، كان من الصعب علينا، نحن “المهنيون” ألا نشعر ببعض الضيق من “الهواة” الذين يطوفون بالبلاد على سبيل التسلية أو الكسب، أو ربما ببساطة لدفع الملل، وكانوا في بعض الأحيان يعدوننا مجرد مقدمي خدمات عالمية، على الرغم من حقيقة أننا قد نكون على بعد مئات الأميال من أقرب دكان، وحتى ذلك الدكان ليس به سوى القليل جدا من البضائع.
وقبل أيام السفر بالطيران لم يكن هنالك سكن (ملائم) للزوار الأوربيين إلا في المدن الكبرى. وكانت مسؤولية رفاهيتهم، وفي كثير من الأحيان إسكانهم أيضا، تقع على مفتش المنطقة. وكنت قد استضفت عددا من أمثال هؤلاء الزوار في سنوات خدمتي في كثير من النقاط البعيدة، وكانوا مجموعة متنوعة المشارب والأهواء! وكانت بعض تلك اللقاءات التي حدثت بالصدفة قد أفضت لصداقات دائمة، بينما كان هناك أيضا بعض الزوار الذين أحدثت غرابة أطوارهم (رغم أنها صارت مسلية لاحقا) مصدرا للكثير من الضيق والمشاكل في بعض الأحيان. وكانت إحدى تلك الشخصيات غريبة الأطوار هي امرأة إنجليزية قررت – لأسباب لا يعلمها غيرها – السفر للحبشة بمفردها. كنت في مأمورية تفتيش طويلة، وعندما عدت لمكتبي البدائي اكتشفت برقية أفادت بأن تلك المرأة في طريقها (للحبشة)، وأن علي أن أوقفها، إذ لم تكن لديها تأشيرة دخول لذلك البلد.
لا بد أن تلك البرقية كانت تنتظرني منذ بعض الوقت، إذ أني وجدت تلك السيدة تعسكر في الممر الضيق بين غرفتي المغلقتين.  كان معها خادم سوداني لا يتكلم الإنجليزية، وحمارين عليهما فرش قليل، وكمية مهولة من الواح الشوكولاتة وكريمات الشوكولاتة، ولا شيء آخر تقريبا! لا أدري كيف كانت تظن أنها ستعيش لبعض الشهور في الحبشة على ظهر حمار، وعلى ذلك الطعام الذي لا أدرك كنهه. وتجاهلت المرأة تحذيري لها بأنه من غير المسموح لها بمغادرة السودان إلى الحبشة، وواصلت مسيرتها قاصدةً الحبشة. علمت لاحقا بأنها تصدت لقطيع من الجواميس ببندقية صيد عديمة القيمة، وأنها تتبعت أثر أسد حتى عرينه عبر نفق عشبي. لقد كانت امرأة مذهلة حقا. ولكنها تخلت أخيرا عن مواصلة رحلتها للحبشة، إما لنفاد ما كان معها من تلك الشوكولاتة، أو لمصادفتها إعاقة من نوع ما.
كنت محظوظا في أنني لم أظل بمفردي لأكثر من أشهر قلائل في أي وقت من الأوقات. ولم تمر عَلَيَّ إلا سنة واحدة فقط لم أر فيها امرأة بيضاء. وكان هنالك آخرون كثر يعيشون حياة وحدة وعزلة أكثر مني. فعلى سبيل المثال لم ير باشمفتش منطقة قامبيلا (وهي نقطة تجارية صغيرة تقع في أعالي نهر السوباط، ومستأجرة من الحبشة) رجلا أبيضا قط منذ شهور متعاقبة عديدة. ولم تكن تأتيه أي باخرة إلا مرة واحدة كل شهر تحمل مهندسا ليقضي معه أياما قليلة ريثما تُفرغُ شحنة الباخرة من البضائع والملح، وتُشْحَنُ بالمنتجات المحلية مثل حبوب البن وجلود النمور قبل أن تعود للخرطوم. غير أن الأمطار الغزيرة التي هطلت بالمنطقة قطعت تلك الرفقة الوجيزة لباشمفتش قامبيلا، وحرمت منها أيضا الباشمفتش المقيم في أيود (Aiyod)، فقد غمرت الأمطار الغزيرة والأعاصير كل تربة المنطقة التي كانت تزرع بالقطن، وارتفعت مناسيب المياه، ومع اشتداد الفيضان لم يجد الباشمفتش له مكانا الا نتوءا رمليا عاليا عرضه لا يتجاوز ميلا أو ميلين تقطعه عدة نهيرات. وعاش الرجل في ذلك المكان مع قليل من رجال شرطته السودانيين، ومع الحيوانات البرية التي اضطرها الفيضان الذي غمر المنطقة للجوء إلى تلك المنطقة الجافة الوحيدة لمسافة قد تصل لمئات الأميال في كل الجهات. وكان باشمفتش (حفرة النحاس) بمديرية بحر الغزال أكثر عزلة وبعدا عن الناس. وكان ذلك الباشمفتش قد حضر من الخرطوم إلى واو في موسم الأمطار في نحو ثلاثة أسابيع. وكان عليه أن يسير على قدميه على مسارات ضيقة عبر غابة، وأن يخوض في مياه النهيرات لشهر كامل – شهر كامل، هذا إذا سار كل شيء كما ينبغي له، وربما أكثر من ذلك إن لاقى مصاعب غير متوقعة.
كنت محظوظا أيضا، إذ كنت قد حظيت بنوع من الحماية من الفيضانات الاستوائية. كم كان مختلفا حظ مفتش بمصلحة الغابات كنت قد التقيته عندما كنت مسافرا ذات مرة بالباخرة جنوبا على نهر السوباط! كانت الأمطار تهبط بغزارة طوال شهور عديدة دون توقف تقريبا. وفي ذلك اليوم كانت الأمطار تنهمر علينا بقوة من كل جانب، عندما سمعت صراخا أتيا من شاطئ النهر.  اقتربنا منه لنجد مخلوقا شديد البؤس قد تقطعت به السبل على كومة من التراب – كانت هي المكان الجاف الوحيد لمسافة لأميال حوله. وكان مخزونه من الكونيين (4) قد نفد منذ وقت طويل، وكان يرتجف بشدة من الحمى والبرد (البُرَدَاء). وكان الزيادة المفرطة في المياه قد أزاحته قليلا قليلا من حيث كان قد نصب خيمته، إلى أن أضطر أخيرا للعيش في مساحة لا تزيد كثيرا عن مساحة ملعب للتنس، تشاركه في سكناها العديد من الثعابين، التي كانت هي أيضا تبحث عن مكان جاف. وكانت بقايا خيمته الممزقة تخفق ببؤس ويأس تحت ثائِرَة العاصفة. وبقي لأسابيع غير قادر على أن يطبخ لنفسه وجبة طعام بسبب تبلل الوقود. ولم يكن معه من رفقة من بني البشر سوى خدمه المتمردين الذي كانوا سيهجرونه إن كانوا على استعداد للسباحة إلى مكان أكثر أمنا، إلا أن هذا كان متعذرا بسبب وجود التماسيح فيما حولهم من المياه. لا أدري كم من الوقت قضاه ذلك المفتش منفردا – مصابا بالحمى، ويعاني من الجوع، ومرتعبا من الزواحف السامة. لقد فقد الإحساس بالزمن. ولم يكن يعلم أن يوما جديدا من الوحدة والبؤس والقذارة قد أطل عليه إلا بعد أن يذكره بذلك طلوع الشمس. ولم يكن غروبها يمنحه أدنى شعور بالمواساة. فمع غروب الشمس خلف سحب العاصفة، كان عليه أن يجابه، وحيدا، هجوم حُمَّى الليل التي لا مناص منها، ومعرفته بأن هناك في ذلك الظلام الحالك الذي يلف المكان ثعابينا تتمعج قريبة بجانب سريره.
صعد الرجل إلى باخرتنا في ملابسه الرثة وهو في حالة قريبة من الهذيان عند ذكره لما تحمله، وحكى لزوجي ولي قصة معاناته. تناول معنا العشاء، ثم زودناه ببعض الطعام والأدوية، وقطعت له وعدا بأني سأدبر له في أقرب فرصة ممكنة من يأخذه لملكال. عاد الرجل لمقره في كوم التراب المحاط بالمستنقعات، على أمل أن تنتهي قريبا فترة نفيه.
لقد تغير الزمن منذ تلك الرحلة المائية التي قام بها ذلك الرجل تعيس الحظ. ومع تحسن المواصلات والاتصالات، قَلَّت منذ ذلك الزمان فرص أن ينعزل المسؤول. غير أن التقارير الرسمية والمذكرات الشخصية التي كُتِبَتْ في تلك الأيام الباكرة دون تدبر أو انتقاد وبرباطة جأش (nonchalance) تحتوي على الكثير من قصص المعاناة والتحمل.
*******    *********     *******
إحالات مرجعية
(1) ماري كينجسلي (Mary Kingsley)، 1862 – 1900م، هي مستكشفة وكاتبة علمية وخبيرة أثنوغرافيا، اشتهرت بأعمالها في غرب أفريقيا.ط
   https://www.britannica.com/biography/Mary-Henrietta-Kingsley
(2). يمكن قراءة مقدمة أ.د. أحمد إبراهيم أبو شوك لترجمة كتاب “المقاتلون السودانيون” في الرابط: https://sudanile.com/archives/117391
(3). التوفيقية كانت إحدى قري مديرية أعالي النيل، تقع جنوب ملكال. وكانت في وقت من الأوقات هي مركزا للمديرية، وسُميت بذلك الاسم نسبة للخديوي المصري توفيق باشا (حاكم مصر والسودان بين 1879 و1882م).
(4). الكوينيين (quinine) هو مركب طبيعي من نبات الكينا (Cinchona) كان يستخدم منذ قرون في الوقاية من الملاريا وعلاجها. ولم يعد يستعمل لهذا الغرض، ولكن وجدت له الآن استخدامات أخرى.
alibadreldin@hotmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!