استعادة ثقة الشارع وليس إعلان النوايا  .. بقلم: عزالدين صغيرون


كانت جميع قوى الثورة وعلى رأسها شباب لجان المقاومة في الأحياء يطالبون بهذا الذي اعتبره السيد رئيس الوزراء “مبادرة” للوضع الكارثي الذي ينتظر السودان.
وكان هو، ومن هم حوله، من يسجلون التراجع تلو التراجع  عن أهداف الثورة، وترك المزيد من المساحات أمام “زواحف” الفلول وطموح حملة السلاح في قيادة الجيش والأمن والشرطة والدعم السريع وحركات الكفاح المسلحة، لتفرض سيطرتها وتحكم قبضتها على السلطة في السودان. (ولا تدري إن كان استخذاءً ذلك عن ضعف، أم بوعي وإرادة !).
وكان، وسيظل، الهدف الذي يوحد هذه القوى مجتمعة هو محو الثورة من ذاكرة وعي الثوار ومن مدونة تاريخ السودان، وإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل لحظة الفعل الثوري، وما أهرق من دم لتحقيقه.
(2)
– لقد أغلق رئيس حكومة الثورة عينيه عن قراءة ما ظلَّ يكتبه بإلحاح المخلصون بعاطفة وطنية خالصة، الحادبون على الثورة، والمشفقون على مصير البلاد من هذا العبث، ولم يقرأ المذكرات التي كانت تطرق أبوابه من الناصحون، بل حتى من ذوي الدم المطالبون بالعدالة.
– وأصم أذنيه، فلم يسمع هتافات الشباب وأسر ضحايا البندقية الغادرة التي لا تجيد التصويب إلا على صدر الشعب (الذي يقتطع من قوت عياله وتعليمهم وعلاجه ليدفع راتبهم الشهري).
– ولم يؤذ رئتيه الشريفتين دخان الغاز المسيل للدموع، ولم يمر بأذنيه أزيز الطلقات التي صوبت على مسيرات اللجان السلمية.
– كما لم يطالع، مثلما نطالع نحن (السوقة الدهماء) ما تَّداوله يوميَّاُ وسائل الإعلام المحلية والأجنبية عن الغارات التي تشنها جيوش مسلحة (تسمى عصابات تدليلاً) على قرى ومعسكرات اللاجئين، لإخلاء الأرض وتوطين مجهولون (من كوكب المريخ ربما) في أرضهم.
– والغريب في الأمر إنه لم يسائل لا وزير دفاعه أو داخليته، ليحاسبهما على هذا التقصير والإهمال وعدم الكفاءة، وهما ضمن طاقم الوزارة التي يرأسها !.
– كما لم يمتلك الشجاعة ليواجه المكون العسكري في مجلس السيادة بمسؤوليتهم، لأن السبب الوحيد للقبول بشراكتهم في السلطة الانتقالية كان هو مسؤوليتهم – بحكم الاختصاص – عن الملف الأمني.
وقد تركوا للجيوش/ العصابات المجهولة هذه المسؤولية !.
 – أما حملة السلاح من الحركات التي تنتمي إلى تلك المناطق و”تناضل” باسمها فقد اكتفوا بالتخندق في العاصمة/ المركز، لتحرير/ الهامش. في معادلة سريالية عصيَّة على الفهم !.
(3)
كل هذا كان يحدث، ورئيس الوزراء يبدي تفاؤلاً يصعب تصديقه عن “نموذج” سوداني يطبقه السودان، لشراكة مدنية/ عسكرية تُحتذى يقدمها السودان للعالم.
ويشتكي اليوم لشعبه تشظي المكون العسكري أو حملة السلاح، وما سيؤدي إليه من مخاطر تطال وجود السودان نفسه !!.
وما يدلك على أن السيد حمدوك يفكر انطلاقاً من منظور يتجاوز الواقعية، ويبدو مغرقاً في سذاجته، أنه ركزَّ في خطابه الذي أذاعه في الساعة الخامسة والعشرين وأراده مبادرة، ركَّز على تشظي وتشاكس الأطراف المسلحة باعتباره الخطر الأكبر على مصير ومستقبل الدولة.
بينما الخطر الأكبر قبل ذلك كان منذ البدء يتمثل في الإبقاء عليها كما هي، ثم الإقرار بشرعيتها. أما تشظيها وتدافع قياداتها بالمناكب على كرسي السلطة فمشكلة طارئة، يمكن أن تنتهي إذا توصلت إلى أن الصراع بينها يعني حرمانها جميعاً من السلطة، وحينها ستتحد في مواجهة العدو المشترك بينها جميعاً.
وبالفعل لم يمض يوم على تصريحه حتى أصدر مجلس السيادة “العسكري” بياناً نافياً لوجود أي خلاف بين المكونين العسكريين.
وإذن فإن السؤال/ العقدة الحقيقي ينبغي أن يكون: كيف تتأهل المكونات المدنية المتشرذمة وتتراص في مواجهة طموحات الشراذم العسكرية. وليس السؤال عن نتائج تشظي العسكر.
فالمراهنة على توحدهم سيزيد من المخاطر على مستقبل الدولة، إذا كان توحدهم اضطراراً لمواجهة نتائج وتحديات الصراع على السلطة بينهم، ضد المدنيين.
إن الرهان على توحد هذه القوى المسلحة، وفي ظل الظروف القائمة لا يمكن أن يكون هو الحل للخروج من نفق الأزمة وتحقيق الاستقرار والعبور الديمقراطي. بل على العكس: توحد القوى السياسية المدنية هو الوسيلة لقطع الطريق على كل متآمر يركبه جن الطموح الجامح الطائش.
(4)
وإذا فكر الدكتور حمدوك على هذا النحو فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه على نفسه هو:
كيف أستعيد ثقة الشارع وقوى الثورة الحيَّة في القيادة المدنية، سواء تمثلت هذه  القيادة في السلطة التنفيذية. وهي التي عجزت عن السيطرة على اختصاصاتها الدستورية في الشؤون الخارجية والاقتصاد والأمن الداخلي.
أو تمثلت هذه القيادة المدنية في الحاضنة السياسية للحكومة، والتي عصفت بها رياح الاختلاف والتكالب على السلطة والنفوذ والوجاهة الشخصية ؟.
كيف نستعيد جميعاً في الحكومة والحاضنة المبعثرة ثقة الشارع والقوى الثورية وهي التي “لا تخون”، لنشكل معاً حائط صد ترتد على جدرانه الصلبة ما يحاك من مؤامرات ودسائس ؟.
هذا هو التحدي الذي تفرضه مبادرة حمدوك، وعليه هو أولاً بالذات تقع مسؤولية الإجابة على هذا السؤال !.
قد تسأل لماذا هو بالذات أول من عليه الإجابة على هذا السؤال؟.
– أولاً، لأنه كرئيس حظي بتأييد وثقة قوى الشارع وقوى الثورة الحيَّة وبدعمها، لم يكن بالكفاءة التي تجعله يجيد تمثيلها في مباشرته لمسؤولياته التاريخية.
– وبالتالي ثانياً، لأنه في حاجة لاستعادة ثقتها في قيادته، لتمنحه فرصة أخرى يعالج فيها أخطاءه التي تراكمت جبالاً على كاهل البلاد.
– ثالثاً، لأن استعادة الثقة تحتاج إلى قرارات صعبة وشجاعة ينبغي عليه اتخاذها تعالج الخلل في هيكل الدولة الذي شخصه في خطابه، وهو وحده من يملك سلطة إصدار القرارات المطلوبة.
بعدها، وحينها فقط يمكنه أن يستعيد ثقة الشارع وقوى ثورته الحيَّة، والتي لن تخونه ، ولن تخذله، إذا ما صارح الشعب بما يلقاه من تعنت شراذم العسكر ومن تهديداهم له، ليتقدم باستقالته، طالباً من الشعب أن يتولى الأمر بنفسه. يومها سيرى العسكر والعالم معهم ما الذي سيفعله الشعب، مثلما رأوه من قبل في ملاحمه التي لن يتوقف هدير زحفها حتى النصر.
(5)
هذا ما يتوقع منه أن يفعله، و”يجب” أن يفعله.
أما ما أعلنه في خطابه، مطلقاً عليه صفة المبادرة في يعدو كونه “عرضحال” يشكو فيه وضعه. ومن يجلس على كرسي القضاء والمسؤولية لا ينبغي أن يرفع مظلمته.
وفي أحسن الأحوال هو “إعلان نوايا”، ولا يُنتظر من رئيس الدولة إعلان نواياه، بل ينتظر منه “العمل” وفق مسؤولياته على تنفيذ ما يحقق مصالح الدولة.
وهناك من الأدوات والآليات والوسائل ما يمكنه أن يستخدمها إذا ما عزم أن يخرج من دائرة النوايا والشكوى إلى فضاء العمل الفاعل المثمر. وهذا ما سنتعرض له لاحقاً.
izzeddin9@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك