السد والطريق المسدود: ثم ماذا بعد؟  .. بقلم: خالد التيجاني النور


صحيفة إيلاف 14 يوليو 2021
(1)
وأخيراً بلغت جهود السودان ومصر منتهاها بالوصول بقضية سد النهضة مجدداً إلى مجلس الأمن الدولي الخميس الماضي دون مردود، كانت المرة الأولى في يونيو من العام 2020، ومرة آخرى بعد أن استمع المجلس إلى الإحاطات التي قدمتها الدول الثلاث، وبيانات الدول الأعضاء في المجلس، إضافة إلى القائم بأعمال جمهورية الكنغو الديمقراطية، التي ترأس الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي، ومع كل الزخم الذي رافق الحدث الذي عوّلت عليه الخرطوم والقاهرة كثيراً، فإنه لم يصدر بعد، حتى كتابة هذه السطور بعد مرور أسبوع على الجلسة، أي موقف رسمي للمجلس بشأن مشروع القرار المقدم من تونس، الدولة العربية الوحيدة ذات العضوية في دورة المجلس الحالياً، سواء كان قراراً أو بياناً رئاسياً أو حتى بياناً صحافياً، نحو ما جرت به أعرافه، ولحين صدور موقف فإنه الوجهة المحسومة لهذا الموقف تشير إلى  شبه إجماع بإعادة الملف مجدداً إلى الاتحاد الإفريقي، كما حدث تماماً في المرة السابقة، لمواصلة قيادة التفاوض بين الأطراف المعنية، مع حثها العواصم الثلاث لاستئناف التفاوض.
(2)
بطبيعة الحال ليست هناك أية مفاجأة فيما خلصت إليه خطوة الذهاب إلى مجلس الأمن بشأن نزاع السد، فقد كانت النتيجة التي انتهى إليها في حكم المعلوم بالضرورة من سياق المواقف المعلنة مسبقاً على الأقل بالنسبة  للعواصم الكبرى صاحبة القرار الدولي، ودون الدخول في كثير من التفاصيل لتفسير هذا الموقف، فإن رمي الكرة في ملعب الإتحاد الإفريقي بدا لها الخيار الأقل كلفة في ظل المعطيات الراهنة، وأهمها توازن لعبة المصالح بين الدول الكبرى، مع استبعادها لاحتمال تطور النزاع وتحوله إلى مهدّد جدي للسلم والأمن الدوليين انطلاقاً من هذه المنطقة، على الرغم من موقعها الاستراتيجي الحيوي، وهو ما يتيح مساحة لتوظيف المساعي الدبلوماسية لتوظيف المساعي الدبلوماسية إلى أبعد مدى، وحصر الملف في إطاره القاري، ومحاولة إرسال رسائل تخاطب مشاغل كل واحدة من الدول الثلاث دون أن يترتب على ذلك موقف حاسم يغيّر من مجرى التوازنات الحالية التي فرضتها إثيوبيا على مصر والسودان بالاستمرار في سياسة الأفعال الحادية وفرض الأمر الواقع، وهي تكرر للمرة الثانية خطوة الملء من جانب واحد دون اتفاق، ودون أن تتعرض لأي تحرك جدي يوقف هيمنتها، لا دولياً، ولا قارياً، وهو ما يرشح مواصلة إثيوبيا التمسك بهذه الاستراتيجية إلى نهاية الطريق، ما لم تتغير قواعد اللعبة الحالية.
(3)
أما ثالثة الأثافي في هذه الفانتازيا السياسية في عالم العلاقات الدولية المعقدة والمكبلة بلعبة المصالح، فهو موقف الاتحاد الإفريقي المثير للحيرة إن لم نقل السخرية، فالمنظمة القارية العتيقة التي تتبنى شعاراً فضفاضاً بلا معنى ولا قيمة حقيقية “حلول إفريقية لمشاكل إفريقية”، وهو الذي لم يُعرف له يوم واحد إنجاز ذي قيمة في هذا الخصوص، اللهم إلا ما يلعبه أحياناً بالوكالة من وراء ستار لخدمة أجندة عواصم القرار الكبرى، فموقفه إزاء قضية السد مثير للرثاء حقاً، ولندلل على ذلك من واقع التطورات الأخيرة عندما طرحت القضية على مجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي، فقد كان الظن أنها مناسبة سانحة، لا سيما وقد كانت كل الإرهاصات تشير إلى أن “المجتمع الدولي” سيعيد تجديد الثقة في الإتحاد الإفريقي لقيادة التفاوض بشأن سد النهضة، تأكيداً لقراره العام الماضي بإعادة القضية إلى ملعبه، كانت مناسبة لأن يظهر الإتحاد الإفريقي اهتمامه الفائق بهذه “الثقة الدولية”، وأن يحتفى بها بتأكيد رغبته واستعداده وقدرته على القيام بهذا الدور في تسوية النزاع والإسهام في حل مهدّد محتمل للسلم والأمن الدوليين.
(4)
 بيد أن المفارقة أن هذ الحدث المهم مرّ وكأن قيادة الاتحاد الإفريقي لم تسمع أصلاً بنبأ مداولات مجلس الأمن حول قضية هي من صميم تفويضه وصلاحياته، وكأنها كانت تريد من حيث لا تدري تأكيد صحة المقترح السوداني المعزّز مصرياً قبل بضعة أشهر بتدويل ملف التفاوض عبر “الرباعية”، والتي كانت انعكاساً لتقاعس المنظمة الإفريقية عن القيام بمسؤولياتها وواجبها، ومحاولة لتجاوز التباطوء، وربا التواطوء، فالرئيس الكنغولي شيكسيدي، الرئيس الدوري للاتحاد والذي يقود الوساطة “النائمة” لم يجد في مداولات مجلس الأمن ما يستحق إرسال مبعوث رفيع يمثله، تاركاً الأمر للقائم بأعمال المندوب الدائم لدولته، وهو تصرف ينّم عن استخفاف، أو سوء تقدير لعواقب وتبعات المهمة الموكلة إليهم. وبالطبع لم يشارك ممثل للمفوضية الإفريقية، التي تشكو هي الأخرى لعزلتها عن هذا الملف. والأدهى والأمر أنه لم يصدر حتى مجرد بيان رسمي، أو تصريح صحافي حتى اللحظة من أي من قادة الاتحاد الإفريقي سواء على مستوى المكتب الدائم أو على مستوى المفوضية تعليقاً على مداولات مجلس الأمن الدولي بشأن قضية السد، وكان الامر لا يعنيها من قريب أو بعيد.
(5)
في الواقع هذه ليست المرة الأولى التي يتعامل فيها الاتحاد الإفريقي، سواء في ظل قيادة جنوب إفريقيا العام الماضي برئاسة جيكوب زوما، أو في ل قيادة جمهورية الكنغو الدينقراطية حالياً برئاسة فليكس شيكسيدي، فقد مارست إثيوبيا خرق قواعد التفاوض في يوليو العام الماضي بالقيام بالملء الأول على الرغم من تعهدها بعدم القيام بخطوة أحادية أثناء التفاوض، ومر ذلك دون أن تتخذ رئاسة الاتحاد الإفريقي أي موقف من أي نوع لتنبيه أديس أبابا على هذا السلوك العدواني، دعك من أن تقدم على إدانة الخطوة. وهكذا رسمت إثيوبيا قواعد اللعبة من طرف واحد رغم أنف الجميع، وعادت لتكرره أيضاً هذا العام بالإقدام على الملء الثاني غير عابئة بكل التصريحات التي تحض الأطراف على عدم اتخاذ أي إجراء أحادي، سواء من الولايات المتحدة أو من الأمين العام للأمم المتحدة، أما الوسيط الإفريقي فبقي صامتا كان الأمر لا يعنيه، وحق لإثيوبيا أن تحتفل بإحرازها نصراً دبلوماسياً لا يستهان به، وقد خرجت الخرطوم والقاهرة خاليتا الوفاض من اجتماع مجلس الأمن الدولي الذي لم يقم أكثر من دعم الموقف الإثيوبي المتمسك بإبقاء حصرية التفاوض في  الإتحاد الإفريقي الذي يتضح كل يوم أنه أصبح ألعوبة في يدها.
(6)
لا شك أن السودان ومصر أسرفا في التعويل على “المجتمع الدولي”، وهو ما تؤكده تصريحات وزير الخارجية المصري تعليقاً على مردود مداولات مجلس الأمن واعتباره أن المصالح هي التي حكمت مواقف الدول، وهو أمر بديهي بالطبع، وكانت خيبة الأمل السودانية المصرية أكثر مضاضة جراء الموقف الأمريكي الذي خذل توقعاتهما، فعلى الرغم من إدارة الرئيس بايدن أظهرت اهتماماً بتعيين الدبلوماسي المخضرم السفير جيفري فيلتمان مبعوثاً خاصاً للفرن الإفريقي، فإن زيارته اليتيمة للمنطقة، المفترض أنها ملتهبة وعلى شفا مخاطر اندلاع حوب مياه، لم تسفر عن شئ ذي جدو في شأن قضية السد، وحتى اقتراحها باتفاق جزئي مرحلي حول الملء الثاني ضربت به إثيوبيا عرض الحائط، على الرغم من قبول السودان به مشروطاً، ومن المؤكد أن تجاهل أديس أبابا لم يأت من فراغ، ولعلها أبرمت صفقة خفية مع إدار بايدن التي أظهرت اهتماماً كبيراً بقضية الحرب في إقليم تقراي وتبعاتها، لا سيما في ظل النفوذ القوي الذي يتمتع به العديد من مناصري التقراي في الإدارة الأمريكية التي مارست ضغوطاً كثيفة على رئيس الوزراء أبي أحمد بهذا الشأن، ويشير سياق الأحداث اللاحقة إلى أن انسحاب الجيش الإثيوبي الفدرالي من إقليم تقراي، واستعادة الجبهة الشعبي لتحرير تقراي السيطرة عليه، يأتي ضمن سيناريو توازن به واشنطن الضغط على حكومة أبي أحمد للخروج من الإقليم، وتعويضها عن الآثار السياسية المترتبة عليه بتخفيف الضغط عليها في مسألة سد النهضة.
(7)
لا شك أن المجتمع الدولي وضع السودان ومصر أمام موقف لا يحسدان عليه، ولم يعد ممكناً أمامهما التظاهر بأن طلب دعم المجتمع الدولي الدبلوماسي  ستكون له أية جدوى في تغيير قواعد اللعبة الحالية التي ضمنت لإثيوبيا على الأقل في ظل المعطيات الراهنة فرض هيمنتها وفق الفرضيات التي بنت عليها تكتيكاتها التفاوضية واثبتت نجاحها حتى الآن، وفي ظل تقاعس المجتمع الدولي، الذي يتجاهل أن حماية السلم والأمن الدوليين يتطلبان دوراً وقائياً، وفي ظل تواطوء الاتحاد الإفريقي المعوَل عليه بلا دليل، لا سيما وقد اضطر البلدين إلى أضيق الطريق أمام خيارات محدودة وحساسة ومعقدة للغاية.
(8)
من الواضح أن ثمة خطأ استراتيجي لازم استرتيجية التفاوض من قبل كلا من الخرطوم والقاهرة، اللتين تجاهلتا أو أغفلتا طبيعة الصراع الحقيقية حول السد، ووأصرتا على التعامل معه باعتباره مسألة فنية وقانونية محكومة باعتبارات ومشاغل تقنية حول الملء والتشغيل، في حين كانت أديس أبابا منذ البداية تعتبر مسألة السد قضية جيواستراتيجية بإمتياز، ولم تتردد مطلقاً في الإفصاح عن أن الصراع في حوض النيل الشرقي يتعلق في جوهره بمعادلة في حساباتها تعمل على تغيير معطيات الجغرافية السياسية في المنطقة، وبالتاليالاستفادة من السد كسلاح سياسي بغرض تعديل توازناتها السائدة، وهدا ليس تحليلاً بل ما صرح به وزير الخارجية الإثيوبي السابق أندراغاتشيو بوضوح وبدون مواربة في أعقاب إعلان إديس أبابا الملء الأول العام الماضي دون أي اعتبار للتفاوض الذي كان جارياً بأن هذه الخطوة “تغير من الجغرافيا السياسية” في المنطقة، والمعنى واضح أنه لم يعد بوسع مصر ولا السودان الرهان على محددّات للأمن القومي أصبحت خارج نطاق سيطرتهما بتوظيف إثيوبيا السد لصالح نظريتها للأمن القومي بفرض هيمنتها المائية على البلدين.
ولذلك فإن استمرار السودان ومصر في التفاوض وفق اعتبارات فنية وقانونية لن تجنيان منه إلا المزيد من الخسائر الفادحة بالخصم من رصيد أمنهما القومي، لم يعد من سبيل إلا التفاوض على أساس اعتبارات “جيوسياسية” تعيد ضبط وترتيب التوازنات الراهنة.
khalidtigani@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك