الخرطوم.. قهوة الزيبق! .. بقلم: عبد الله الشيخ


خط الاستواء
في مثل هذا اليوم – قبل نصف قرن من الزمان – صعد المحجوب مشنقته وأوصد نافذة العصر خلفه، ثم أطبق علينا العسس، و ( حدس ما حدس)..
تأمل حكمة الملك الدّيان في وجوه العابرين.
بينهم من يكدح طول اليوم ولا يجد ما يستر عورته، ومنهم من يسترزق قوت عام كامل بمهاتفة يتيمة بينهم من (يبلع) الحرام غير عابيء باليوم الذي تدور فيه الدائرة، ومنهم من يتعفف، وبينهم المُقتصد، وكلهم على سفرٍ..
وفي نهاية الرحلة، يُحشرون فُرادى بعد أن يغادروا هذه الطرقات خلسةً، ليأتي من بعدهم قومٌ آخرون.
تأمل حتى لا تغرّنكَ الحياة الدنيا، ولا يغرّنكَ بالله الغَرور.
هكذا الدنيا، لا يستطيع تغيير إيقاعها الأقوياء، ولم يتمكن من تفسير أحوالها الحكماء، لذلك عاش أغلبهم مع الجهلاء، سواءً بسواء.
كل زول فى هذه الدنيا (يوّنِسو غردو).. كل زول يعجبو الصارَو.. فصاحب السياسة، يقتات السياسة من سوق طماطِم، والفنان ملك الأحبار والألوان، يستخرج من درب النمل لوحاته..
إذا وقعت عينك على قصر، فتأمل: كم شحيحٍ ضاع في الترب خاتمه، وكم من معركة دارت من أجل لحظة بريق زائف..
كم تلالٍ من الأرواح صعدت إلى بارئها، وكم منها رُدَّ الى أسفلَ سافلين..
من أجل ماذا حدث هذا؟
وفي نهاية الأمر لا تجد أثراً يُذكر لمن سكنوا ولا لمن قطنوا
لا أثر فوق الرمل للعابرين، هذا الزمان وحده، قام بتفريقْ كل المجالس، فلِم كان العِراك؟
أمِنْ أجل أيامٍ شحيحة قبيل صافرة الرحيل في هذه الحيطان الحجرية؟
إن كنت طروباً، فتأمل حال أخيك الذي لن تجد من رحيق ذكرياته، غير سهره وحراسته للنجوم .. كيف تكون الرحلة وكيف تكون نهايتها، كم من صاحب عقلٍ ضاع أو أضاعته هذه المدينة ثلاثية الصدى؟
كان معاوية نور عقلاً مستنيراً، كان ذو فعالية متقدة، لكنه مات تحت سياط الفقراء.. كان أديباً وغارقاُ في الأدب، فهل كان يستحق كل ذلك؟
كيف تفعل الشطارة هكذا بالشطار.. هل مصيرهم هكذا، ودائماً؟
هل كان الدم – على مدار التاريخ – هو مهر الثورة؟
هل كان قدرا حتميا، أن يصعد عبد الخالق محجوب، من فوق حبل المشنقة؟
عندما تستظل بواحة المدينة، تأمل عرض غابة الأسمنت التي بناها إنسان لا يتعدى طوله سنتميترات..
هذه الغابة الفارِهة لم تكن الأثر الأول في المكان، قبلها كان سوقاً، وقبلها كانت ملجة للخضار، وقبلها كانت (قهوة الزيبق) وقبلها كانت حدائقا للتُرك، وقبلها…
كانت هناك لافتة في المكان تقول إن الميدان يتبع للأمم المتحدة، فلا بقيت الأمم فيه، ولا اللافتة..
وإذا مررت تحت أشجار النيم، في الخرطوم القديمة فأعلم أن شبكة الصرف الصحي التي لا يُخفى عليك حالها، قد حُفِرت في زمان الإنجليز، ثم – بعد ذلك – طفح بها الكيل..
قف تأمل،،
فهذه الخرطوم زئبقية الهوى!


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك