العقيد والبروفيسور .. تأليف : ديفيد ونج .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


 

العقيد والبروفيسور  The Colonel and the Professor

  

تأليف : ديفيد ونج  David Wong

  

ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

  

تقديم

 

ديفيد ونج كاتب وصحافي صيني تعلَّم في الصين وسنغافورة وهولندا وأستراليا وأمريكا وإنجلترا، وعمل في إدارة مستعمرة هونج كونج. احترف الكتابة الأدبية بعد التقاعد. أسس ونج زمالة للكتابة الإبداعية في جامعة ايست أنجليا مخصصة للشباب الآسيويين   www.uea.ac.uk/eas/fellowships/wong/wong.shtml   وأسس كذلك جائزة دولية لكتاب القصص القصيرة  www.pen-usa-west.org/shortstory.html  نشرت القصة التالية في Short Story International الأميركية وأذيعت من القناة الرابعة في BBC  وراديو ايرلندا.

 

————————————————–

 

أقبلت بعجل الساعة الحاسمة… الساعة عديمة الظلال، وساد الضيق والترقب المكان. واستبدلت هتافات الأيام الثلاث الفائتة بزمجرة مهددة منخفضة الحدة كأنات حيوان مفترس. وبدت القلاع والمعابد الهادئة الذهبية المحمرة والتي التمعت تحت أشعة الشمس الحارقة كجزء مكمل للمشاهد الدرامية التي ستتوالى بين الجنود العابسين وهم يحملون بنادقهم  الآلية الرشاشة وبين كتل البشر من مواطني العاصمة المطالبين بإنهاء حكم الزمرة العسكرية.

 

كانت المرارة تملأ جوانح العقيد – وهو في سترته العسكرية – يمسح بناظريه الجموع خلف الثكنات حول مبنى البرلمان. حمل وجه العقيد الصارم المكفهر سمات التركيز الآمر، وكانت عيناه السوداويتين تلتمعان بغضب بين خدوده العظمية، وبدا فمه – والذي عادة ما يكون رقيقاً وجذاباً – مضغوطاً من شدة الضيق. ركَّز منظاره المقرَّب على الجموع المتكاثرة والتي لم تكن تبعد أكثر من سبعين ياردة من السلك الشائك حول المبنى، حيث أطلق اللعنات بصوت خفيض.

 

تضاعفت أعداد الجماهير لنحو ثلاثمائة ألف، وربما أربعمائة ألف خلال الثلاثة أيام الفائتة، وكأن كثرة العدد هي التي ستحقق لهم ما حرموا منه طوال سنين. وامتدت مواكبهم على مد البصر وانتشروا على طول الطرقات والأزقة مأخوذين بنشوة التحدي؛ حيث اعتلى بعضهم الشرفات وأسطح البنايات مترقبين. لم يكن أحد منهم يعبأ بسياط أشعة الشمس المحرقة التي عادة ما تسبق موسم الرياح الهندية، بل كانوا جميعاً يترقبون ساعة منتصف النهار… تلك الساعة التي حددها قادتهم لإنهاء صيامهم و تقدمهم نحو مبنى البرلمان. كان الجميع في لهفة للمشاركة – و لو كشهود –  على تلك اللحظة التاريخية العظيمة. وصورت لهم براءتهم أن بمقدورهم طرد الزمرة العسكرية باحتلالهم لمبنى البرلمان. حملت ثلة من المتظاهرين صوراً لقدماء الأبطال والشهداء تذكراً لجيل التضحيات، بينما حمل بعضهم شعارات جامعاتهم وجمعياتهم المدنية، وربط عدد كبير منهم على الرؤوس أشرطة بيضاء أو حمراء كُتب عليها ما يفيد بالتعهد بمواصلة النضال والظفر بالنصر، وعجَّت الساحة بالرايات والأعلام والملصقات المنادية بالحرية والديمقراطية وبإنهاء الفساد والديكتاتورية!

 

ما أشد سذاجتهم”. قال العقيد في نفسه. ألم يتعلموا شيئاً من حمامات الدم التي لطخت تاريخ بلادهم خلال العقود الثلاث الماضية؟ أيؤمنون بأن العسكر يأبهون حقاً بأناس يزعقون ببضعة شعارات؟  وأشفق على الصادقين من أولئك السذج أمامه الذين ما قصدوا إلا الإصلاح… منهم الكهنة بثيابهم الصفراء الفاقع لونها، والأطباء والممرضين بملابسهم الناصعة البياض وبالمحامين بعباءتهم المهيبة والأطفال في أزيائهم المدرسية والممثلات والباعة المتجولين والفلاحين ورجال الأعمال وربات البيوت وسائقي “الرقشات” وصغار موظفي الخدمة المدنية وغيرهم كثير. وأشفق أكثر ما أشفق على البروفيسور…. صديقه المحترم و أستاذه السابق لقيادته لهذه الجموع نحو كارثة محققة. لا يمكن إزالة حكم العسكر بمجرد التظاهر.

 

كان من قبيل الصدفة المحضة أنه لم يتم قمع المظاهرة في بدايتها إذ أن زيارة رئيس إحدى الدول الأوربية للبلاد بغرض توقيع عقد لشراء سلاح قد كف أيدي العسكر عن ضرب المظاهرات في مهدها، ولم يكن بمقدورهم إحراج إحدى الدول القليلة التي ارتضت التغاضي عن سجلهم الشائن في مجال حقوق الإنسان. ولكن وبما أن الوفد المبجل قد غادر البلاد بسلام فإن الوقت قد حان لبدء العمل فتم إعلان حظر التجوال من المغرب إلى الفجر كمقدمة لما سوف يأتي، بيد أن الجماهير في غمرة إحساس كاذب بالنصر، اختارت أن تتجاهل الحظر.

 

قال العقيد في نفسه: “سيدفعون الثمن عاجلاً. لن تغني عنهم كثرتهم، فكلما كبر عدد المحتجين كلما ازدادت ردة فعلنا ضراوة”. واقشعرَّ بدنه وهو يتخيل المذبحة المقبلة. وأعلنت السلطات أنه: “يجب تلقين كل العناصر المنفلتة والآبقة درساً لن تنساه. سيطلق الرصاص على كل مخالف لحظر التجوال”.

 

كان العقيد يدرك جيداً ما يمكن لأسلحته الآلية وبنادقه أن تفعله من تقتيل. يا لفظاعة المذبحة التي ستحدثها! وشعر بالغثيان ولعن في سره البروفسير وحواريه لوضعه في ذلك الموضع المستحيل الذي لا يحسد عليه. لقد أفسدوا عليه خططه السرية الخاصة وتركوه على شفا جرف الكارثة.

 

كان بالغ الحرص والتأني والتخوف والصبر حيال الجواسيس والشرطة السرية التي زرعت في كل مكان. لقد سبق له العمل في المناطق الحدودية النائية وجاهد منذ سنين لتحاشي الأوامر القاسية لإستعمال القسوة مع المدنيين والطلاب العزَّل ومهربي الأفيون، متحملاً شدائد تلك الأصقاع المتخلفة، وخوفاً من القيل والقال من زملائه كان يعطي “الإتاوات” و”الضرائب” التي كان يحصل عليها من مهربي الأفيون لرؤسائه في العمل. ولم يُخفِ نجاحه في تهدئة الأوضاع في تلك الأصقاع النائية وما يجلبه من أرزاق لرؤسائه عن نظر الحكام فتخطَّى زملاءه في الترقيات وقفز فجأة لمنصب الحاكم العسكري للعاصمة، وأمسك بمفاصل السلطة فيها. بيد أن سوء طالعه أوقعه الآن – وهو في بدايات عهده – بأضخم احتجاج شعبي تشهده المدينة. وألقى الأمر بقفاز التحدي أمامه، فإما أن يقوم بالعمل “القذر” أو يرى حطام خططه أمام ناظريه.

 

بحث العقيد – من خلال منظاره المكبر- عن البروفيسور، وعثر على ضالته جالساً على حصيرة  وفوقه مظلة كبيرة. وكغيره من قادة المظاهرة كان يرتدي قميصاً وسروالاً طويلاً أبيضين. كان وجهه صافياً وهو مغمض لعينيه، وبدا متماسكاً رغم مرور ثلاثة أيام لم يذق فيها شيئاً خلا الماء والجلوكوز. كان مقرفصاً على حصيرته ويداه على فخذيه متخذاً وضعية التأمل البوذية التقليدية، ورغماً عن أنه بدا أسنّ وأضعف مما كان عليه، إلا أن هالة من المهابة والسلطة الأخلاقية كانت ما تزال تشع من حوله.

 

“يا له من حالم مخبول”! هكذا فكر العقيد. “كان ينبغي عليه أن يرابط في أحد الأديرة ويقضي سحابة يومه في الصلاة والتسبيح، وعوضاً عن ذلك ماذا فعل؟  أدخل نفسه في عالم السياسة المتعفن. كان دوماً بالغ السذاجة وشديد الإيمان بقدرة البشرعلى التراحم والاستماع  للنصح. إنه كان يصلح أن يعيش في العهود الغابرة للحكام الفلاسفة لا أن يعيش في عالم اليوم”. تذكر العقيد البروفيسور وهو يحاضر قائلاً: “إن نابليون كان قائداً عسكرياً عبقرياً يؤمن بقوتين فقط في هذا العالم: العقل والسيف، وكان يؤمن أن العقل هو من سينتصر أخيراً، إذ أن العقل هو من يدفع البشر نحو طلب القيم الرفيعة مثل الحرية والعدل والشجاعة والتراحم، بينما لا يفلح السيف إلا في قتل الناس، ومع الزمن يصدأ السيف (وليس العقل). لذا فإن الحكم به يفتقر إلى الشرعية ومصيره إلى زوال بسبب تصدعه الأخلاقي. لا حاجة بنا لحمل السلاح فنحن نؤمن بالكفاح المدني السلمي. إن استعمال العنف جرم شنيع، ينبغي السعي لتحقيق الغايات النبيلة بوسائل تماثلها نبلا، ولنتذكر أن الشر لا يولد إلا الشر”.

 

أتى حين من الزمان كان العقيد يجد لكلمات البروفيسور صدى في نفسه. كان العقيد يشارك البروفسير بعضاً من القيم – رغم تباعد الأجيال – بسبب دراستهما لبعض الوقت في المعاهد البوذية، بيد أنه كان يعزو تلك الأفكار “الشاذة” التي كانت تراوده أحياناً لضيقه من تجاوزات السياسيين وأطماع بعض البشر. رأى العقيد السلطات تُخضع الإعلام لسلطتها وتطرد الصحفيين الأجانب وتنشئ برلماناً صورياً تابعاً، لتعطيها غطاء من الشرعية لرغباتها. ثم أتى البطش والتنكيل بالخصوم والمعارضين، الذين كانوا يختفون بمجرد اعتقالهم. ولما جرى قتل اثنين من أخلص أصدقائه تعذيباً لنشرهما أبياتاً ساخرة في مجلة الجامعة قرر أن يقاوم السلطة العسكرية بكل ما يتوفر لديه من وسائل.

 

لم ينقطع العقيد من التعجب من أمر البروفيسور الذي ما زال يؤمن – رغم كل ما جرى في العالم – بالخير في الناس. ينبغي أن يحكم على الناس بما تقترفه أياديهم… فلننظر ما فعله الإنسان خلال المائة عام الأخيرة؟ حربان عالميتان وعشرات الحروب الصغيرة. غرف الغاز النازية ومعسكرات السخرة الشيوعية. أنظمة تقتل الآلاف باسم الوطنية وتبرر الأكاذيب بأوامر الدولة. قنابل تبيد المدن وصواريخ تنقلها عبر القارات. الكراهية تسود بسبب العرق أواللون أو المعتقد. الغذاء يتلف بالأطنان حسب “متطلبات السوق” بينما يموت أغلب الناس جوعاً. ينتشر الطمع والطغيان والفساد كأوبئة سارية.

 

لا ليس بإمكانه أن يظل متفائلاً. مع انبلاج كل صبح يرى السيف وقد عضد نفسه بالبنادق الآلية والدبابات وبقية الأسلحة. وترى شواهد انتصار الأسلحة من جثث متقطعة وأطراف مبتورة وأجساد مهترئة على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد. كيف يمكن للعقل أن يقف ضد كل ذلك ويسود؟ إذا كانت مقولة نابليون صالحة لزمانه، فهي قطعاً لا تصلُح لهذا الزمان. إنه يرى الناس في زماننا هذا ينحدرون بقوة نحو عصر مظلم جديد. إن كان لابد من أن يحكم الناس بالسيف، فلا أقل من أن يصاحب ذلك قدراً من العدل والإنصاف. كان هذا هو الإيمان الذي حفَّزه للالتحاق بخدمة الجيش. ورغم ذلك فإن سنوات من قتل قطاع الطرق والمجرمين ومخالفة العقيدة الدينية واحتمال التجاوزات الفظيعة سوف تذهب أدراج الرياح. سيذهب كل ما خُطط له سدى بسبب هذا البروفيسور وجماعته.

 

أقبل عليه رائد  يحمل وجه فلاح عديم الخيال حاملاً رسالة عاجلة من القيادة: “يمكن أن نبدأ العملية الآن. لقد سددنا كل الطرق والمنافذ، وأخذ الجميع أماكنهم. هل سنبدأ قبل بدء الموكب”؟

 

رد العقيد قائلاً: “يوجد الكثير منهم. لا ينبغي أن نتعجل. للصينيين مثل  يقول: يمكن للنمل أن يهزم الفيل إن كان عدده كافياً”.

 

لا خوف من هذه الناحية يا سيدي العقيد، فهؤلاء الناس ليسوا كمقاتلي الحدود، ليس لديهم الجَلَد على القتال. إن أول طلقة سترسلهم على أعقابهم كالأرانب المذعورة”.

 

“يجب أن لا نؤذي البروفيسور، تقضي أوامرنا بالقبض عليه ومحاكمته بتهمة الخيانة، إنه شخصية معروفة عالمياً، وإن قتل فسيثير ذلك حفيظة العالم علينا”.

 

“يمكننا التصويب على الأجنحة دون المساس بقادة الموكب”.

 

“كلا. فقد يدهس البروفيسور في الهرج الذي سيحدث. دعني أحاول حيلة ما. إنني أعرفه جيداً. سأذهب وأحادثه. سيفصله ذلك عن تابعيه، ثم أنقض عليه فجأة دون أن ينتبه من حوله إلى ما يجري. عليك تحضير فرقة لأخذه عند إعطائي الإشارة”.

 

“ولكن سيكون ذلك يا سيدي خطراً عليك. ماذا سيحدث إن جرت الأمور على غير ما تخطط؟ لقد تسلح بعض هؤلاء الناس بالحجارة والعصي، قد تصاب بحجر أو زجاجة. وإذا ما وقعت في براثنهم فسوف يمزقونك إربا”!

  تلك واحدة من المخاطر التي يتوجب عليَّ القيام بها. أعد على الناس التحذير من مخالفة حظر التجوال، وإن حدث لي مكروه فالقيادة بيدك”.

“نعم يا سيدي”!

 

أزاح العقيد المنظار المكبر من على عنقه وأخذ مكبراً للصوت. بدت عليه مظاهر الإرهاق والتوتر والخوف من الجموع المحتشدة أمامه. إن لديه فرصة واحد في المليون لتخطي العقبة التي تجابهه، و يعتمد كل ذلك على هذا البروفيسور.

 

يوقن العقيد أن الجنود لن يترددوا في إطلاق الرصاص. لقد تشربوا المهنة جيداً. لقد أزال قوادهم وبمنهجية صارمة كل أثر فيهم للتراحم الديني والغريزة الإنسانية. لقد أخذوا كأطفال من أهاليهم الفلاحين البسطاء ورفعوا لطبقة مميزة، فدفعت لهم رواتب تفوق مرتبات غيرهم، وغمروا بالكماليات المستوردة المحرمة على بقية الشعب، بينما كان الضباط يتمتعون بمزايا “إضافية” على شكل تسهيلات ورخص لعائلاتهم وأقربائهم. شجَّع الجنود على ممارسة الاغتصاب والحرق والتنكيل أثناء عملياتهم العسكرية لإدخال الرعب في قلوب أعدائهم، وأيضاً لربط مصيرهم بمصير النظام، فبعد ارتكابهم للفظائع يرتبط مصيرهم بمصير سادتهم دونما فكاك. تذكر العقيد المحاضر الإنجليزي المتعجرف صاحب الطريقة المتعالية في الكلام من الأنف، والذي طفق يشرح للضباط كيف أن القانون والنظام هما مسئولية الدولة الرئيسة وعن وجوب حفظهما مهما كلَّف ذلك من تضحيات، وإذا عجزت الدولة عن حفظهما فلقد تخلَّت عن حقها في أن تحكم. ابتسم العقيد ساخراً وهو يتذكر ذلك الإنجليزي. بدا حديثه مقنعاً في تلك الأيام، ولكن هل واجه ذلك”الخبير” الإنجليزي في حياته ثلاثمائة ألف من المتظاهرين الغاضبين؟ و هل يرى في إطلاق النار عليهم وسيلة مناسبة للحفاظ على أمنهم؟

 

تقدم العقيد نحواً من ثلاثين ياردة وعلا صوته من خلال مكبر الصوت: “أنا ضابط القيادة. أود الحديث مع البروفيسور”. رد المتظاهرون بكورال من الشتائم وبعض الحجارة المتطايرة والتي لم تصبه. واصل العقيد متجاهلاً الحشود ومخاطباً البروفيسور:” بروفيسور… هذا هو ناي، من المهم أن أتحدث إليك”.

 

مرت لحظات ساد فيها الصمت وسط الجماهير، وأخيراً ساعد أحدهم جسماً أبيضَ نحيلاً للوقوف على قدميه.

 

وتقدم نحوه العقيد ماداً يديه قليلاً ليحتمي من المقذوفات الصخرية الصغيرة وساد الصمت المكان، ثم رمى بمكبر الصوت وتقدَّم نحو البروفيسور وهو يعي أن كل خطوة يخطوها تضاعف من الخطر عليه. وما أن واجه صديقه القديم حتى ضمَّ راحتيه معاً ورفعهما إلى جبهته بالتحية التقليدية والتي ردَّ بمثلها البروفيسور.

 

أصحيح أنه أنت يا ناي؟ جميل أن أراك مجدداً. حسبت أنك في مناطق الحدود”.

 

أزاح العقيد قبعته للتدليل على الاحترام ولتطمين المتظاهرين المترقبين ورد قائلاً: “لقد نقلت إلى هنا وإنني آسف لعدم اتصالي بك من قبل. لا يوجد الكثير من الوقت. يجب أن تطلب من جماعتك أن يتفرقوا”.

 

علت وجه البروفيسور ابتسامة وهو يرد:” هل هذا هو الزي العسكري الذي يتحدث الآن؟ منذ متى تقسمنا إلى “جماعتي” و”جماعتك”؟ ألسنا شعب واحد”؟

 

“إنني آسف. لم أقصد ذلك. يجب أن تثق بي وأن تطلب من هؤلاء الناس أن ينصرفوا بسرعة ولكن دون هرج ومرج”.

 

“لا أستطيع ذلك. إن هؤلاء الناس مصممون على اقتحام مبنى البرلمان. لم أرهم متحدين كما هم اليوم. إنهم يهدفون للقضاء النهائي على التقتيل والتعذيب. حتى الزمرة العسكرية يمكنها أن تفهم أن هذه ليست مظاهرة طلابية صغيرة أو معزولة. إنها مظهر من مظاهر عدم الرضا الشامل من الكل. و ستقام مظاهرات شبيهة في عشرات المحافظات الأخرى. إن في أشد الناس شروراً بقية من ضمير ووجدان سليم. يجب عليهم أن يدركوا أن أحداً لا يرغب فيهم و يتوجب عليهم الرحيل دون إراقة مزيد من الدماء”.

 

“إنك لا تعرف الجنرالات كما أعرفهم أنا. إنهم يحكمون بالسيف ولن يذهبوا إلا بالسيف”.

 

أطلق البروفيسور آهة أسيفة ” السيف! دائماً السيف! لقد جرب ذلك وماذا كانت النتيجة؟ دائرة خبيثة من التقتيل. لا يدفع العمل بالسيف إلا مزيداً من سفك الدماء. لا بد أن يأتي الوقت الذي تتوقف فيه هذه الدائرة الخبيثة وأن يمنح الغفران والمصالحة فرصة. إذا لم يرَ العصاة المذنبين أملاً في التوبة فإلى ماذا سيتوجهون”؟

 

ليس هنالك وقت لفلسفة الأخلاق. يجب أن تتخلى عن قيادة الموكب. لم يبقَ وقت كثير لتطلب من الجميع الانصراف، وليكن ذلك عن طريق الأزقة الجانبية، فالطرق الرئيسة مسدودة. إن زمرة القيادة تعني ما تقول. لديَّ أوامر بإطلاق الرصاص”.

 

“ماذا حدث للرجل الذي كنت أعرفه”؟ أين الذي كان يحمل أسمى المعاني والأحلام؟ أيطلق الرصاص بدم بارد هكذا؟ لا أكاد أصدق أنه باعَ نفسه بالكامل لزمرة العسكر”!

 

“أنت تعلم أني لن أفعل ذلك أبداً، و لكن لا يوجد وقت لأشرح لك الأمر. يجب أن يتفرق الناس الآن وإلا فسوف يموت الآلاف منهم”.

 

“لن تجرأ حتى هذه الزمرة العسكرية على ارتكاب مثل هذه المجزرة في العاصمة وفي وضح النهار. يوجد بيننا كهنة ورهبان وأطفال و نساء. “فلتنضمَّ إلينا يا ناي لإنهاء عذابات شعبنا… لمصلحة أمتنا. أدع  جندك لرمي السلاح وسينجلي الكابوس”.

 يا ليت كان الأمر بتلك السهولة. لن ينقاد إلى الجند. إنهم يعلمون سبب وجودهم هنا وهم على أتم الإستعداد لإطلاق النار والقتل.”

لن تقتل زمرة العسكر كل سكان العاصمة”.

 

“ليس كل الناس، ولكن ما يكفي لإخافة البقية” ستفيض الشوارع بالدم. أعدك بأن هؤلاء الجنود سيقتلون الناس. أتوسل إليك أن تفرقهم قبل فوات الأوان”.

 

غمرت وجه البروفيسور الدهشة وهو لا يكاد يصدق أذنيه. بحث بلهفة في وجه العقيد عن أي إشارة – و لو غامضة –  عن أي ظل من التطمين… لم يجد غير كابوس. لقد أكدت تعابير وجه العقيد الجادة حقيقة الأمر.

 

صرخ البروفيسور “يا إلهي. ماذا فعلت؟ لن يتمكنوا من التفرق. إن الشوارع مكدسة”.

 

“أبذل قدر استطاعتك. ومن جانبي سأؤخر الهجوم قدر ما أستطيع. يجب أن تثق بي وسأشرح لك الأمر لاحقاً”.

 

فجأة بدأ البروفيسور في الترنح، ورفع يده ووضعها على جبهته وقال وهو يشهق: “أعتقد أنه سيغمى علي”. أخذ العقيد  بذراع البروفيسور وهزَّه بعنف :” لا. لا تستطيع ذلك الآن. يجب عليك أن تفرق الجموع”. بيد أن جسد  البروفيسور كان قد تهاوى على الأرض فحمله العقيد ورأى الجموع تسرع نحوه في قلق. كان يعلم أن فرقة جنود كانت تتقدم نحوه أيضاً ولم يكن عليه سوى الجري بصيده الثمين نحو جنوده. وفي ثوانٍ سيغمر بالتعظيم وستتقدم خططه في الإستيلاء على السلطة خطوة للأمام. لكنه لم يستطع أن يفعل ذلك. إذا لم يستطع إيقاف نزف الدم اليوم فسيأتي يوم لا بد أن تتحقق لبلاده فيه السلم والأمن والحرية. وأيقن أن خطته لن تفلح إلا في إطالة حكم السيف، ولن يكون هنالك طريق آخر لإشباع نهم غريزة الانتقام وتصفية حسابات الدم. هل لحالم مستحيل كالبروفيسور أن يحظى بفرصة  لترويض السيف؟

 

كانت فرصة عصية التحقيق بيد أنها كانت الفرصة اليتيمة لتضميد جراحات الأمة. لذا حمل الجسد النحيل وركض نحو المتظاهرين وهو يصيح: “اهربوا! اركضوا! سيطلقون عليكم الرصاص”.

 

وحتى وهو يجري كان يسمع صوت إطلاق نيران البنادق الآلية.

 نقلا عن الأحداث       


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!