كان المركز القومي للمناهج الذي عهدت إليه حكومة الثورة للفترة الانتقالية تغيير مناهج التعليم العام، قد اعتمد كتاب التاريخ للفصل الثالث الثانوي الذي كان يدرس في العهد البائد كما هو، ولكنه قرر حذف أربعة دروس من تاريخ الثورة المهدية بالكتاب المذكور.
وقد أصدر المركز القومي للمناهج بذلك في وقت سابق بيانا جرى تعميمه ونشر بالصحف ووسائل الاعلام جاء فيه أن المركز قرر حذف بعض دروس تاريخ الثورة المهدية من المقرر الدراسي بكتاب تاريخ الصف الثالث ثانوي وذكر البيان أن اللجنة المختصة بوضع المنهج هي التي قررت ذلك. والدروس المحذوفة حسبما جاء حرفياً في نص البيان هي:"
1) الدرس الأول: الثورة المهدية: ويتحدث عن ميلاد المهدي، وهجرته، وتعليمه، والتحاقه بالطريقة السمانية.. إلخ
2) الدرس الرابع: تحرير المهدي للأبيض.
3)الدرس الثامن: الأسس والمرتكزات الفكرية للثورة المهديّة.
4)الدرس التاسع: عهد الخليفة عبد الله التعايشي". انتهى.

لم يذكر البيان الأسباب التي دفعت المركز إلى حذف هذه الدروس من الكتاب غير أنه اكتفى بالقول:
"إننا في عهد جديد، يقوم على الشفافية والوضوح، والصدق مع النفس ومع الشعب.. ولهذا نريد لجميع مناهجنا، وخاصة التاريخ، أن يبتعد عن التزييف، وأن يقوم على الحقائق، وأن يقدم نظرة نقدية ثاقبة، لكل تاريخنا على مر العصور، حتى لا نخدع أنفسنا، ولا نضلل أبناءنا، أو نجامل فرد أو جماعة على حساب الحق". انتهى.
عند مطالعة البيان ظننا أول الأمر أن الدروس المحذوفة ربما عُبث بها وجرى توظيفها ايديولوجيا لخدمة أغراض أخرى غير تاريخية. ولكن بالاطلاع على الكتاب والنظر في الدروس المحذوفة لم نجد التزييف والتضليل الذي يتحدث عنه بيان المركز القومي للمناهج، فالمعلومات التاريخية الواردة في هذه الدروس هي نفسها المعلومات التاريخية التي ظلت تدرس في تاريخ الثورة المهدية في كل العهود السابقة، وتحتوي على ذات الحقائق والوقائع الثابتة والواردة بحذافيرها في كل مراجع ومصادر التاريخ الوطنية والأجنبية للثورة المهدية، نقلت مجردة كما هي دونما تزييف أو مزايدات سياسية أو تطبيل لأي جهة.
وفوق ذلك وجدنا أن الكتاب قد أعدّته، كما هو مبين بالصفحة الأولى منه، لجنة من الخبراء بتكليف من المركز القومي للمناهج وبالبحث التربوي ببخت الرضا مكونة من أساتذة في التاريخ من جامعة الخرطوم والجامعة الاسلامية وجامعة الجزيرة وخبراء بوزراة التربية والتعليم.
وكذلك موضح بالصفحة الأولى من الكتاب أن الطبعة المتداولة الآن من الكتاب هي الطبعة المنقحة والصادرة في سنة 2009 ومذكور بالصفحة الأولى اسماء اللجنة التي قامت بالتنقيح، وهي برئاسة الدكتور محمد سعد سالم من جامعة الخرطوم، وعضوية كل من الدكتور عمر حاج الزاكي من الجامعة الاسلامية، والدكتورة فدوى عبد الرحمن على طه جامعة الخرطوم، والاستاذ أحمد عبد الكريم أحمد خبير تربوي، والاستاذين عبد الرحيم إمام محمد، ومعاوية السر قشي من المركز القومي للمناهج.

محاور الكتاب:
يتألف الكتاب من 266 صفحة ومكون من أربع وحدات "أبواب"، كل وحدة مكونة من عدد من الدورس. وهي:
الوحدة الأولى: (الثورة والدولة المهدية في السودان 1881-1899)، 55 صفحة.
الوحدة الثانية: (الحكم الثنائي والحركة الوطنية في السودان)، 57 صفحة
الوحدة الثالثة: (دولة الخلافة العثمانية والاطماع في العالم العربي)، 44 صفحة.
الوحدة الرابعة: (حركات التحرر العربية)، 61 صفحة.
وتبلغ صفحات الدروس الأربعة المحذوفة مجتمعة 20 صفحة من جملة 55 صفحة خصصت لتاريخ الثورة المهدية.

مفارقات قرار الحذف:
ينطوي قرار المركز القومي للمناهج حذف الدروس الأربعة من تاريخ الثورة المهدية على جملة من المفارقات غير المسبوقة في مناهج دراسة التاريخ، السماوية والوضعية على السواء. المفارقة الأولى هي أن التاريخ لا يحذف وإنما يدرس بحذافيره وبخيره وشره لاستخلاص الدروس والعبر ولمعرفة الانسان لماضيه لكي يقرأ حاضره على ضوء هذا الماضي وليخطط لبناء مستقبله.
ولذلك جاء تركيز الكتب السماوية على تاريخ الأمم السابقة على كل رسول من الرسل والأنبياء. فالقرآن مثلا جاءت جلّ آياته ونصوصه في سرد قصص وتاريخ الشعوب القديمة ليأخذ الناس منها العبر والعظات.
المفارقة الثانية هي أن قرار الحذف يمثّل سابقة وبدعة لا نظير لها في تاريخ السياسة التعليمية في السودان. لقد ظل السودانيون بمختلف أحزابهم وانتماءاتهم السياسية والدينية، طيلة العهود الوطنية السابقة ينظرون إلى الثورة المهدية بأنها أعظم ثورة وطنية في تاريخ السودان الحديث وأنها ثورة كل الشعب السوداني وليست ملك لحزب أو جماعة أو جهة بعينها، توحد فيها السودانيون وتلاحموا لأول مرة في تاريخهم بمختلف جهاتهم وأجناسهم ولغاتهم وقبائلهم وطوائفهم وطرقهم الصوفية وزعاماتهم الأهلية.
كانت الثورة المهدية مرحلة تاريخية تأسيسية للقومية السودانية وللشعور الوجداني السوداني الجامع ولوحدة التراب السوداني من حلفا إلى نمولي ومن سواكن إلى الجنينة، مرحلة عاشها السودانيون بخيرها وشرها وقدموا فيها التضحيات الجسام في سبيل تحرير بلدهم من الأجنبي الدخيل ومرغوا فيها أنف أكبر امبراطورتين كانت لا تغيب عنهما الشمس، هما الامبراطورية العثمانية والامبراطورية البريطانية وشهد لهم بذلك العالم كله، بل شهد لهم العدو نفسه قبل الصديق. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الكثير من جمهور المتعلمين، الحكم على التاريخ بأثر رجعي بمعايير اليوم والصحيح هو أن نقرأ وقائع التاريخ في سياقاتها الظرفية والوقتية والظروف الموضوعية التي أنتجتها وألا نسقط عليها معايير عصرنا.
المفارقة الرابعة هي أن المركز قرر حذف كل من الدرس الذي يشمل سيرة الإمام محمد أحمد، مولده ونشاته وحياته وتعليمه ورحلته مع مشايخه في التصوف، وكذلك درس الأسس والمرتكزات الفكرية لدعوته وثورته، في الوقت الذي أبقى فيه على دروس الوحدتين الثالثة والرابعة من الكتاب واللذين يحتويان على دروس كثيرة عن سير وحيوات وتعاليم وأفكار وأسس دعوات زعماء أجانب، عرب وغير عرب، مسلمين وغير مسلمين.
فالوحدة الثالثة من الكتاب والتي تحمل العنوان: (دولة الخلافة العثمانية والاطماع في العالم العربي)، تضم دروس تتحدث عن أصل وفصل الاتراك العثمانيين (الذين أخرجهم المهدي من السودان) وعن سير وتاريخ مؤسسي وسلاطين الامبراطورية العثمانية منذ ارطغرل وابنه عثمان مرورا بمحمد الفاتح والسلطان سليم وعبد الحميد الأول والثاني وانتهاء بكمال اتاتورك الذي خُصص له درس كامل لوحده.
وفي هذا الباب "الوحدة الثالثة" نفسها نجد الدرس السادس والمعنون: (حركات الاصلاح في العالم الاسلامي) يحتوي على مباحث وفصول كاملة تتحدث عن السير الذاتية وظروف الميلاد والنشأة والتعليم والأسس الفكرية والدعوية لعدد من قادة الثورات والدعوات المذهبية في العالمين العربي والاسلامي.
من ذلك فصل يحتوى على جملة من العناوين الفرعية مخصص لسيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس الحركة الوهابية وأسس دعوته الاصلاحية السلفية والحديث عن تحالفه مع آل سعود وسيرة سعود وأبنائه وسيرة عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية وأبنائه.
كذلك يوجد فصل عن الحركة السنوسية بليبيا يحتوي على سيرة مؤسسها محمد علي السنوسي وأهداف حركته ونهجه في الدعوة وكيفية ومدى انتشار حركته. كما نجد فصل عن الثورة العرابية وأهدافها ومطالبها وسيرة زعيمها أحمد عرابي وسير بعض قادتها مثل محمود سامي البارودي. أيضا هناك فصل عن جمال الدين الأفغاني يشمل الحديث عن سيرته وأفكاره وأهداف دعوته وأسسها الفكرية ونشاطاته المختلفة. ويختتم هذا الدرس بفصل عن عبد الرحمن الكواكبي ويشمل سيرته وأفكاره ودعوته لاصلاح نظام الخلافة العثماني التركي إلخ.
وأما الوحدة الرابعة والأخيرة من الكتاب والتي تحمل عنوان: (حركات التحرر العربية) فتحتوي على دروس وفصول تتحدث عن سير وتاريخ الكثير من الزعماء والقادة والملوك العرب الذين قاوموا الاستعمار الأوربي في بلدانهم من أمثال الملك فيصل بالعراق والشريف حسين بن علي بالحجاز والأردن ومحمد عبد الكريم الخطابي والملك محمد الخامس بالمغرب العربي وغيرهم.
وخصص هذا الباب "الوحدة الرابعة" لقضية فلسطين وحدها، خمسة دروس أخذت 30 صفحة من الكتاب، بين هذه الدروس الخمسة درس يحمل عنوان (الحركة الصهيونية وتطورها) يتحدث عن تاريخ نشوء الحركة وأهدافها وأسسها الفكرية ويتناول سير مؤسسيها وزعمائها وعلى رأسهم ثيوردور هيرتزل بصورته الفوتغرافية في منتصف الصفحة وحديث عن تاريخ مولد زعيمها حاييم وايزمان ومكان نشاءته وتعليمه وعمله وأفكاره ونشاطه.
مما سبق بيانه يتضح أن النتيجة المترتبة على قرار حذف الدروس الأربعة من تاريخ الثورة المهدية هي حرمان تلاميذ المدارس السودانية من معرفة سيرة حياة وتاريخ قائد وزعيم وثائر سوداني في قامة الإمام محمد أحمد المهدي وحرمانهم من معرفة سيرة وتاريخ خليفته، في الوقت الذي يتحتم عليهم التعرف على سير وتاريخ مؤسسي وحكام الامبراطورية التركية التي ثار عليها المهدي ومن خلفه قبائل السودان المختلفة والتعرف على سير وحياة وتاريخ قادة وزعماء ثورات ودعوات فكرية في العالم العربي والاسلامي أمثال محمد بن عبد الوهاب وعبد العزيز آل سعود والسنوسي والأفغاني والكواكبي وغيرهم.
المفارقة الخامسة حذف درس "عهد الخليفة عبد الله (1885-1898)". وإذا علمنا أن المهدي قد توفي عقب تحرير الخرطوم في 1885 بستة أشهر فقط وأن الجنرال الإنقليزي كتشنر قد أعاد احتلال السودان والقضاء على دولة المهدية في 1898م، فهذا يعني أن عهد الخليفة عبد الله التعايشي يمثل كل فترة حكم المهدية والتي هي ثلاثة عشر عاماً، وبالتالي فإن شطب درس (عهد الخليفة عبد الله) من دروس الثورة المهدية يعد شطباً لكل فترة حكم الثورة المهدية للسودان!
ويشتمل درس عهد الخليفة عبد الله المحذوف على عناوين فرعية وهي: نشأته والتقاؤه بالمهدي، مكانته عند المهدي، الخليفة عبد الله والمشكلات الداخلية، الصراع بين الخليفة والأشراف، وأخيراً الثورات الداخلية. ولا يتجاوز الدرس المحذوف في جملته الثلاث صفحات لا غير. ويختتم الدرس بالعنوان الفرعي "الثورات الداخلية" بتقييم موجز ومتوازن لعهد الخليفة، يناسب المرحلة الدراسية حيث جاء:
"تزامن مع ثورات الأشراف، تمرد العديد من القبائل ضد الحكم القائم (يقصد حكم الخليفة) بهدف التحرر من السلطة المركزية وتحقيق الاستقلال القبلي والاقليمي. وقد استغرقت الثورات السنوات الثلاث الأولى من حكم الخليفة أي حتى عام 1888. ولما كنت الثورات القبلية متفرقة ولم يكن لها هذف مشترك، فقد أفلح الخليفة في اخمادها الواحدة تلو الأخرى، وبعنف شديد، استنزف الكثير من الجهد والموارد والأرواح". انتهى. ص42

تحرير الأبيض بداية نهاية الحكم التركي:
المفارقة الخامسة هي حذف درس تحرير مدينة الأبيض حاضرة إقليم كردفان على يد المهدي من الحكم التركي العثماني الخديوي. وتكمن المفارقة في أنه لولا تحرير الأبيض لما أمكّن تحرير الخرطوم وكل السودان من الحكم التركي الخديوي. فتحرير مدينة الأبيض يشمل سقوط حاميات التيارة وبارا بشمال شمال كردفان وحامية الدلنج بجنوب كردفان وحاميات بحر الغزال ومديرية خط الاستواء بالجنوب وقطع طريق الامداد عن سلاطين باشا في دارفور مما عجل باستسلامه وكل ذلك فتح الطريق إلى تحرير الخرطوم ومن ثم تحرير كل السودان.
يقول الدكتور محمد سعيد القدال عن أهمية تحرير الأبيض وسقوط حاميتها: "كان لسقوط الأبيض نتائج بالغة الأهمية، فقد أصبح المهدي يسيطر على مدن كردفان وبواديها وتحولت الأبيض إلى عاصمة للدولة الجديدة. وكان سقوط الأبيض بداية النهاية للحكم التركي المصري في دارفور وبحر الغزال. فلم يعد أمام الحاميات هناك إلا أن تسلم أو ترقب بصيص أمل يأتي بنجدة من الخرطوم. وأدى ذلك الانتصار إلى تصاعد الثورة الشعبية في أنحاء السودان. فذاك عثمان دقنة يأتي ساعياً من أقصى الشرق إلى الأبيض، فتنفتح بمجيئه صفحة الجهاد المهدوي في تلال البحر الأحمر. وتصاعد نشاط الثورة في دارفور بقيادة مادبو وبدأت رياح الثورة تهب على مناطق بربر والقضارف. وأدى كل ذلك إلى انفتاح الطريق أمام المهدي للزحف شمالا نحو الخرطوم". (انظر: تاريخ السودان الحديث 2018، ص 190 و191).
هنا تبرز أيضاً مفارقة أخرى لقرار الحذف وهي أنه في الوقت الذي قرر فيه المركز القومي للمناهج حذف درس (تحرير الأبيض) أبقى على درس (المهدية في شرق السودان) مع أنه ما كان لجبهة الشرق والشمال أن تفتح لولا انتصارات الثورة في الغرب كما جاء بالمقطتف السابق من محمد سعيد القدال وكما هو ثابت عند كل المؤرخين.
كان المهدي يضع للأبيض أهمية خاصة منذ أيام سياحته الأولى وقبل الجهر بدعوته للمهدية. فقد زار الأبيض سنة 1879 وكان عمره 35 سنة، وقتها: "كانت المدينة تضج بالتناقضات والصراعات وتشكل مركزا لمعارضة الحكم التركي المصري. فاتصل محمد أحمد في الأبيض بنادي المعارضة الجلابي بقيادة الياس باشا أم برير مدير كردفان السابق وبكبار الجلابة في المدينة. كما اتصل بالشخصيات الصوفية البارزة مثل عائلة اسماعيل الولي (يقصد خليفته السيد المكي سمي عليه الحي المعروف بأم درمان) والشيخ المنّا اسماعيل الذي يتمتع بمكانة دينية وسط قبيلة الجوامعة. واتصل أيضاً بالقيادات القبلية مثل عائلة أبو صفية. وترك محمد أحمد أثراً طيباً بين تلك المجموعات التي اتصل بها. وصار أهل المدينة يتحدثون عن ورعه واصبحت له مكانة بين الخاصة والعامة". (القدال ص 164).
بعد الجهر بالدعوة وهجرة المهدي إلى قدير بجنوب كردفان، بدأ اندلاع الثورة في شمال كردفان حيث قاد الشيخ المنّا اسماعيل أبو البتول (زامل المهدي في الدراسة وتزوج المهدي بنته) قاد قبيلة الجوامعة بشمال شرق كردفان فاستولى على حامية التيارة (شرق الأبيض بالقرب من أم روابة التي لم تكن موجودة) وممن كان في معيته من زعماء الإدارة الأهلية للقبيلة رحمة منوفلي وأحمد عمر حوار الشيخ، وقطعوا طريق الخرطوم الأبيض ومنعوا وصول الامدادات، مما سهل مهمة تحرير الأبيض ثم حاصروا حامية بارا حتى سقطت. وفي ذات الوقت انضمت إلى المهدي بالأبيض قبائل حمر بقيادة مكي ود ابراهيم، والبديرية بزعامة عبد الصمد أبو صفية، والحوازمة بزعامة نواي، والغديات بزعامة اسماعيل الدلندوك ثم توافدت بقية القبائل. (هولت ص 76، القدال ص185، يوسف ميخائيل ص).
أما دارفور فأول من رفع لواء الثورة فيها مادبو، زعيم الرزيقات، والذي كان قد هاجر إلى المهدي في قدير وشارك في معركة الشلالي فأرسله المهدي أميراً على دارفور وكان سلاطين باشا وقتها حاكما على الإقليم فحاربه مادبو في عدة معارك وطلب منه التسليم، فماطل سلاطين أملاً أن يرسل إليه غردون حملة إنقاذ ولكن تحرير الأبيض أفقده الأمل وقطع عليه الطريق وبعد هزيمة هكس في شيكان اضطر سلاطين أن يسلم نفسه إلى المهدي.

قومية الثورة المهدية:
لاحظنا أن قصوراً شاب أصل الكتاب موضوع النقاش إذ قصر الحديث عن أحداث الثورة في أقاليم السودان على تحرير الأبيض وموقعة شيكان والمهدية في شرق السودان، وخلا من تضمين أحداث الثورة في الجزيرة كافة والنيل الأزرق والإقليم الشمالي وجنوب السودان، الأمر الذي يؤدي إلى اعطاء صورة غير مكتملة عن حقيقة الثورة ويقلل من طابعها القومي.
ولما كان الشئ بالشئ يذكر، هناك اعتقاد شائع بين الذين يجهلون حقائق التاريخ، منهم مثقفون وقادة فكر وساسة كبار وهو أن المهدي هاجر إلى غرب السودان بعد أن كذبه العلماء وأهل الجزيرة وأهل الشمال ووجد في الغرب قوما سذجاً بسطاء فآمنوا بدعوته وناصروه.
وهذه المزاعم لا تعدو أن تكون "حُجا حبوبات" ولا علاقة لها بحقائق التاريخ الثابتة. وليس القصد من إثارة هذه المسألة التقليل من نضال أهل الغرب ومن حجم مناصرتهم للثورة، ولكنه محاولة للتذكير بالطابع القومي للثورة على النحو الذي يجده القارئ مفصلاً أدناه، وهو الطابع الذي يجري تغييبه.
وربما يعود ذلك إلى أن المنهج السائد في كتابة التاريخ يركز على أحداث الحروب من معارك ووقائع كبرى ويهمل الكتابة عن حركة الوعي الاجتماعي والتغييرات المجتمعية. ولكن قد يصدق ذلك على منطقة الجزيرة التي اكتسحتها الثورة المهدية مبكراً منذ أيامها الأولى وقبل هجرة المهدي، ولكن لم تخض فيها معركة حربية كبرى أو تنجز فيها انتصارات تذكر، سوى معارك الجزيرة أبا التي قادها المهدي، وذلك لقربها من مركز السلطة في الخرطوم، فما أن تبدأ الثورة فيها حتى تسارع السلطات التركية إلى إخمادها. (نظر أدناه الثورة المهدية في الجزيرة). هنا تكمن أسباب هجرة المهدي إلى كردفان لقيادة الثورة من هناك.
غير أن ذلك لا يصدق على الإقليم الشمالي حيث خاضت الثورة المهدية هناك معارك لا تقل أهمية عن معارك الشرق. وكان قطع طريق الشمال الذي يربط الخرطوم بمصر من أولويات المهدي الحربية وقد تمكن الشيخ محمد خير الغبشاوي أستاذ المهدي من قطعه عند استيلائه على بربر، مثلما تمكن عثمان دقنة في الشرق، من قطع الطريق الثاني من حيث الأهمية وهو طريق سواكن بربر الخرطوم.
ومهما يكن من أمر، الشاهد أن الظروف الموضوعية لاندلاع الثورة ضد الاحتلال التركي الخديوي قد نضجت في كل أقاليم السودان فقد بلغ ضيق الناس من حكم الترك مداه وصاروا مهيئين للثورة عليه في أي لحظة، ولو لم يبرز المهدي لقيادة الثورة لقادها سواه. فقد كان الناس ينتظرون "المخلص" على أحر من الجمر وصار حلماً حتى في ألعاب الأطفال.
فقبل قيام الثورة المهدية بسنوات، كان الصبية في مدينة "الأبيض" قد تعرفوا على لعبة ينقسمون فيها إلى فريقين: فريق المهدي وفريق الأتراك ويحملون الرايات ويتحاربون. يقول يوسف ميخائيل في مذكراته: أن أولاد حارتهم مع بعضهم البعض عملوا لهم رايات: أهل فريق النوبة المواليد قالوا نحن رايات المهدي، وأولاد حسن أفندي الصول قالوا نحن رايات الترك. وصاروا يطلعوا خارج البندر.. وتقاتلوا هناك مع بعضهم البعض بالضرب بالعصي. وانتصر جماعة المهدي وصاحوا: رايات المهدي غلبت رايات الترك". (القدال ص 160).
وكذلك استدل فيرغيس نيكول بهذه القصة على قرب ظهور المهدي المنتظر وذلك في كتابه (سيف النبي: مهدي السودان ومقتل غردون) وجاء في روايته: "وكانت جماعات متنافسة من الأطفال من أحياء مختلفة من الأبيض يحاربون بعضهم البعض، جماعة تمثل الأتراك وأخرى تمثل أتباع المهدي، وعندما اكتشف آباؤهم هذه اللعبة الدامية التي كان ينتصر فيها دائماً أتباع المهدي، نهوا ابناءهم ولكنهم ظلوا يتهامسون فيما بينهم ويرددون المثل: (أخذوا فالكم من أولادكم)". ويبدو أن فيرغس نيكول قد أعجب بهذه القصة أيما إعجاب فاتخذ هذا المثل (أخذوا فالكم من أولادكم) عنواناً للفصل السادس من كتابه. ص 139-140
فقد ارهق الترك أهل السودان بالضرائب الباهظة وهو نظام لم يعرفوه في تاريخهم وكان عمال الترك يوقعون أشد العقوبات قسوة على من يتخلف عن دفع الضريبة. كما اشتد الاسبتداد وكثر الفساد والرشوة. ومن الأمثال التي كان يرددها الكبار حتى أيام طفولتنا قولهم: "عشرة في تربة ولا ريال في طلبة".
والطُّلبة هي مطالبة موظفي الترك الناس بالضريبة وما يصاحبها من عقوبة على من يتخلف عن دفعها، فهي عقوبة أهون منها وقعاً أن تدفن الأسرة الواحدة عشرة من أفرادها في قبر واحد. والريال هو الريال "المجيدي" العملة التركية في ذلك الزمان. وما يزال الأهالي يستعملون كلمة "طُّلبة" في التعبير عن ضريبة قطعان البهائم التي يجمعها شيخ القرية ويسلمها العمدة ليقوم بتوريدها إلى خزينة المجلس البلدي.
ويردف يوسف ميخائيل القول في مذكراته أن عامة الناس كانوا يصيحون في ساعات الضيق قبل ظهور المهدي، قائلين: "الله يقطع دابر الحكام الظالمين.. نحن مظلومين الله يزيل هذا الحكم الجائر.. أليس لنا مهدي.. هذا أوان المهدي". (القدال ص 160).

المهدية في جنوب السودان:
لم تقتصر الثورة المهدية على شمال السودان كما يظن البعض، فقد امتدت إلى جنوب السودان الذي كان خاضعا أيضا للإدارة التركية الخديوية.
وقد بدأت الثورة المهدية في بحر الغزال، كما يقول القدال، عام 1881 أي عندما كانت الدعوة المهدية في بداياتها حيث قام بعض زعماء القبائل الجنوبية بزيارة المهدي في قدير وأعلنوا انضمامهم إليه، فأرجعهم المهدي إلى ديارهم وأعطاهم مطلق الحرية في أراضيهم. وكان أهالي ليفي بالقرب من بحر الغزال أول من رفع راية المهدية، فأرسل عليهم لبتون حاكم الإقليم قوة عسكرية هزمتهم. وبعد القضاء على حملة الشلالي واندلاع الثورة في منطقة الرزيقات قام بانقو أحد زعماء القبائل الجنوبية في شمال بحر الغزال بقتل جنود الحامية وهرب إلى مادبو ثم عاد مع بعض الرزيقات لقيادة الثورة في المنطقة، ولكنه هزم للمرة الثانية في فبراير 1883 وألتجأ مرة أخرى إلى مادبو، ثم انضمت قبائل الدينكا القاطنة حول مشرع الرق إلى الثورة.
وسرعان ما لحق التجار الجلابة ببحر الغزال إلى الثورة ودبروا مؤامرة للاستيلاء على ديم الزبير عاصمة بحر الغزال إلا أن المؤامرة كُشفت ففروا إلى المهدي في الأبيض ومن بينهم كرم الله الكركساوي. وبعد هزيمة هكس في شيكان بعث المهدي بكرم الله الكركساوي أميراً على بحر الغزال، فحاصر ديم الزبير ودعا لبتون إلى الاستسلام فسلم في أبريل 1884 وخضعت بحر الغزال للمهدي. (القدال، ص 200،201).

الثورة المهدية في الجزيرة:
كان أهل إقليم الجزيرة أول من بايع المهدي وآمن به منذ أيامه الأولى وهو لا يزال في مقر إقامته بالجزيرة أبا على النيل الأبيض. فقد بايعه كل مشايخ الطرق الصوفية تقريباً في المنطقة. ومن أوائل قبائل المنطقة التي بايعته وانضمت إليه قبيلة دغيم وقبيلة كنانة بزعامة أولاد عجب الفَيا (الأمير البشير والأمير إبراهيم) وقبيلة الجِمع بزعامة عساكر أبو كلام إلى جانب الكواهلة والحسنات والدويحية وبني جرار والعمارنة وغيرهم.
ويرى الدكتور محمد سعيد القدال أن الثورة المهدية "في جانب من جوانبها تأكيد وترسيخ لمكانة الصوفية في البلاد". ويدلل على ذلك بأن كل قيادات الحركة المهدية في الجزيرة كانوا من رجال الصوفية. ويرجع القدال ذلك إلى "انتشار الطرق الصوفية بكثافة في المنطقة، وإلى المكانة التي يتمع بها رجالها، ومعارضتهم الصامتة للنظام. كما أن نشأة المهدي في المنطقة واحتكاكه بقياداتها الصوفية وسمعته وسط جمهرة سكانها، جعلت دعوته تجد استجابة فورية واسعة". ( القدال ص 184).
وكانت أسرة المكاشفي الصوفية الشهيرة التي تحتل مركزاً دينياً وسط قبيلة الكواهلة من أوائل البيوتات الصوفية التي استجابت لدعوة المهدي، فقد هاجر أحمد المكاشفي إلى المهدي في قدير مبكراً، فاعتقلت السلطات أخاه عامراً وتعرض للتعذيب ولكن عامر تمكن من الفرار من الأسر، ورفع لواء الثورة ووجد تجاوباً من قبيلة رفاعة الهوي وانضمت إليهم مجموعات قبلية أخرى ممن هزتهم انباء انتصارات المهدي فقادهم عامر واقتحم بهم مدينة سنار في ابريل 1882 ولكنه جرح في المعركة فانسحب واستعادت الحكومة المدينة والتحق عامر بالمهدي بقدير. (القدال ص 183).
وكان الشريف محمد الأمين الهندي والد الشريف يوسف وجد الشريف حسين والشريف زين العابدين لحق بالمهدي بكردفان أيضاً. ويروى أنه توجه من الجزيرة قاصدا المهدي في الأبيض وعندما وصل الرهد أبو دكنة جنوب شرق الأبيض داهمته الحمى فسأل عن المنطقة فقالوا له إنها الرهد، فقال: لهم كنت أحسب أني ملاقي ربي برهد الدندر وما كنت أعلم أن هنالك رهد آخر في الغرب. ثم توفى في يومه ولا تزال قبته قائمة بالرهد أبو دكنة تزار ويؤمها مريديه من مختلف الأنحاء.
وكذلك رفع الشريف أحمد ود طه من مشايخ الطريقة السمانية راية المهدية في شرق النيل بين رفاعة وأبي حراز رغم بعد الشقة بينه وبين المهدي في قدير، فانضمت إلى ود طه مجموعات من قبائل البطاحين والشكرية والجعليين والدناقلة. "ويبدو من هذا الخليط أن الدعوة المهدية بدأت تشق طريقها خارج التكوينات القبلية". (القدال ص 183).
وكان المهدي قد عيّن الشيخ محمد الطيب البصير من متصوفة الحلاوين أميراً على منطقة الجزيرة فتبعته معظم القبائل بين الخرطوم وسنار وفي مقدمتهم مشايخ اليعقوباب أحد فروع الطريقة القادرية بمنطقة سنار. وعندما اقترب حصار الخرطوم انضم إليه الشكرية بقيادة عبد الله عوض الكريم أبو سن. (القدال ص 211).

المهدية في البطانة والشرق:
بعد هزيمة هكس التي أرسلها الإنجليز والنظام الخديوي، في موقعة شيكان بالقرب من الأبيض سنة 1883 عين المهدي الحَسين (بفتح الحاء وإمالة السين) عبد الواحد نور الدائم، حفيد الشيخ أحمد الطيب البشير مؤسس الطريقة السمانية في السودان، عاملاً على الإقليم الواقع بين النيل الأزرق ونهر عطبرة (سهل البطانة) وكان لا بد للحسين ان يستعين بقبيلة الشكرية التي بدأ المهدي مراسلة زعيمها الشيخ عوض الكريم أبو سن وأخيه عبد الله منذ وقت مبكر.
فاتجه الحسين إلى "القعلة رانج" أحد مراكز الشكرية وجمع أهلها وسار بهم إلى القضارف التي كان الشيخ عوض الكريم أبو سن مأموراً عليها من قبل الإدارة التركية. فأرسل له الحسين خطابات المهدي فقبلها وسلّم في ابريل 1884 فعيّن المهدي عبد الله أبو سن عاملاً على القضارف وعلى كل جهات نهر عطبرة خلفا لأخيه عوض الكريم. ثم اتجه الحسين إلى "التومات" رئاسة قبيلة الضباينة حيث سلم له الشيخ محمود بك عيسى زايد. (القدال ص 201، 203).
وكان الأمير عثمان دقنة وهو من قبيلة الهدندوة قد سعي إلى المهدي منذ أن سمع بانتصاراته في قدير فلحق به في الأبيض، فعينه المهدي أميراً على الشرق وهناك رفع دقنة راية الثورة في مايو 1883 وسرعان ما انضم إليه شيخه في الطريقة، الشيخ الطاهر المجذوب (من أسرة المجاذيب المشهورة بالدامر) وأذعن لقيادة تلميذه دقنة مما زاد من وهج الثورة في الشرق. وتمكن دقنة من قطع ثاني أهم طريق يربط الخرطوم بالعالم الخارجي وهو طريق: سواكن بربر الخرطوم. ثم استولى دقنة على حاميتي سنكات وطوكر في فبراير 1884 إلا أن حامية سواكن استعصت عليه وظلت حصينة حتى استعاد الإنجليز احتلال السودان في 1898. وكان المهدي قد أرسل الحسين الزهراء فاستولى على حامية كسلا وقطع بذلك طريق مصوع كسلا. (القدال ص 202،203)

المهدية في مديريتي بربر ودنقلا:
أول من رفع راية الثورة المهدية في مديرية بربر (ولاية نهر النيل) هو أحمد حمزة السعدابي أحد أقارب المك نمر والذي لحق بالمهدي في الأبيض في 1883 ثم قام الشيخ محمد خير الغبشاوي شيخ خلاوي الغبش ببربر وأستاذ المهدي ولبي دعوة المهدي وهاجر إليه في كردفان، فعينه المهدي أميراً على مديرية بربر فبايعه الجعليون بزعامة أحمد حمزة السعدابي. كما بايعه أيضاً في الدامر الشيخ الأمين أحمد المجذوب شيخ المجاذيب. وانضم إليه أيضا الرباطاب بزعامة موسى أبو حجل. جمع محمد خير هذه القبائل وهاجم بها حامية بربر عاصمة المديرية فاستولى عليها وقطع بذلك خط التلغراف بين بربر والخرطوم وبين بربر ومصر مما أدى إلى عزل الخرطوم عن العالم الخارجي. ولم تعد هناك وسيلة لارسال معدات عسكرية كما أصبح سحب الحاميات عسيراً. ( القدال ص 210).
أما في مديرية دنقلا (الولاية الشمالية) فأول من رفع فيها راية الثورة المهدية الشيخ الطيب الشايقي السوارابي الذي هاجم مروي في مايو 1884 ثم اتجه نحو الدبة إلا أن مصطفى ياور مدير المديرية تمكن من هزيمته. وبعد سقوط بربر عين المهدي الشيخ الهِدي أميراً على مديرية دنقلا فاجتمع حوله بعض الشايقية فهاجم بهم الدبة لكنه هزم فاستبدله المهدي بأحد أقاربه يدعى محمود ود حاج ولكن تمكن مصطفى ياور من هزيمته أيضاً.
ويعزو الدكتور القدال عدم تحقيق الثورة المهدية انتصارات مهمة في مديرية دنقلا إلى قربها من مصر والخوف من ارسال قوات عسكرية سريعاً للقضاء عليها والى بعد المنطقة من مركز الثورة ودائرة تأثيرها المباشر وإلى ارتباط كثير من الشايقية بالطريقة الختمية التي لم تبايع المهدي إضافة إلى ارتباط المنطقة بمصالح تجارية بمصر. (القدال: ص 209،210).

المهدية في مديرية الخرطوم:
عقب انتصاره الداوي في معركة شيكان أخذ المهدي في الاتصال بالقيادات الدينية والقبلية بمديرية الخرطوم فاستجاب له الشيخ العبيد ود بدر وأبنائه بأم ضبان وبدأوا نشاطهم في مهاجمة حاميات الحكومة حول الخرطوم. وفي مارس 1884 تمكن الشيخ العبيد من الاستيلاء على حامية الحلفاية، ثم تقدم ابنه العباس وعبر النيل الأزرق وحاصر الخرطوم من الجريف. ونزل ابنه إبراهيم مع المضوي عبد الرحمن في قبة الشيخ خوجلي وتمركزا فيها وضربا حصاراً على الخرطوم.
وفي هذه الأثناء أخذ عبد القادر ود أم مريوم حفيد الشيخ حمد ود أم مريوم بتجميع قبائل المنطقة وحاصر بها المدينة من الجنوب الغربي بمنطقة الكلاكلة. وفي الجزيرة اسلانج شمال الحلفاية استجاب الشيخ مصطفى الأمين ود أم حقين لنداء المهدي وتجمع لديه نفر حاصر بهم الخرطوم من خور شمبات. ومن ناحية أم درمان غرب النيل قام أحمد أبو ضفيرة شيخ الجموعية بحصار الخرطوم من أبي سعد جنوب أم درمان. (القدال ص 211).
وكل هؤلاء شاركوا في تحرير الخرطوم الذي تم في 26 يناير 1885 على يد كبار القادة الذين جاءوا في صحبة المهدي في جيش عرمرم من كردفان وعلى رأسهم أمير الأمراء عبد الرحمن ود النجومي الجعلي الذي قاد وأشرف على معركة التحرير. ومن هؤلاء القادة الكبار: حمدان أبو عنجة النوباوي وأبو قرجة الدنقلاوي وعبد الله ود النور العركي والنور عنقرة وغيرهم.

فكرة المهدي المنتظر:
يكاد يجمع المؤرخون على هناك أسباب اندلاع للثورة المهدية في السودان وأسباب نجاح. ومن أسباب اندلاع الثورة تحرير البلاد من الحكم الأجنبي الذي بلغ الذروة في ممارسة القمع والاضطهاد والفساد الادراي وارهاق كاهل الناس بالضرائب الباهظة التي لم يكن لهم عهد بها.
وهنا يرى المؤرخ الدكتور محمد سعيد القدال "أن الثورات لا تتفجر نتيجة للظلم وإنما نتيجة الوعي بالظلم. إن وقوع الظلم وحده ليس كافياً لاندلاع الثورة، لا بد أن يتبلور وعي بذلك الظلم.. فالظروف الموضوعية لا تتحرك بنفسها، والتاريخ يعبر عنه دوما شخصيات تستحوذ على ثقة الجماهير، والتاريخ صنعه نشاط الشخصيات الذين هم القادة، والقائد في التاريخ هو الذي يجسد الحركة الاجتماعية والظروف الموضوعية الناضجة. ولكنه لا يخلق تلك الظروف من عدم ويتولى قيادتها وإنما يسبق معاصريه إلى لمحها وإدراكها وفهمها". ص 152و153.
وهو يتفق مع المؤرخ الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم في أن معظم ما ذكر من أسباب موضوعية عن اندلاع الثورة المهدية يقف دون إبراز الظروف الذاتية التي جعلت محمد أحمد، دون غيره من الناس يصبح الممثل لذلك الاحتجاج. ويرى من الضروري البحث عن الاسباب التي أخرجت محمد أحمد من دائرة الحياة السلبية التي يمارسها المريد الصوفي إلى رحاب الحياة الايجابية الهادفة والعمل من أجل التغيير. (القدال ص152).
وحديث الدكتور ابو سليم هنا يقودنا إلى الوقوف عند فكرة البطل او الزعيم المخلص. ويعرف "المخلص" في العالم الاسلامي بالمهدي المنتظر.
يقول محمد سعيد القدال: "تناول علماء الصوفية فكرة المهدي المنتظر. ولعل من أبرزهم محي الدين بن عربي الذي تناولها باستفاضة. وأعطى وصفا لدولة الاولياء التي يقيمها القطب الامام المهدي. وذكر حديث الرسول الذي يقول: سيأتي آخر الزمان رجل من آل بيتي يوازي اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً). وأنه سيظهر في جبل ماسة بالمغرب في رأس القرن الهجري. وظهوره من أشراط الساعة ثم تناول برنامجه فقال إنه يقسم المال بالسوية ويعدل في الرعية، ويرفع المذاهب فلا يبقى إلا الدين الخالص. وهو صاحب سيف وحق وسياسة. يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف وتعريف إلهي، له رجال إلهيون وأعداؤه مقلدة العلماء الذين يطيعونه كرهاً وخوفاً من سيفه، ولولا السيف بيده لأفتوا بقتله". (القدال ص 157و158).
ويرى القدال أن فكرة المهدي في السودان تعود إلى عصر مملكة الفونج او سلطنة سنار. وأول المتصوفة السودانيين الذين قالوا بالمهدية حمد النحلان المشهور بحمد ود الترابي (1705) فعند زيارته لمكة أعلن أنه المهدي، ولكن دعوته وجدت معارضة، ويبدو أنه سرعان ما تخلى عنها". ص 158
ثم ووجدت فكرة المهدي طريقها إلى أهم الطرق الصوفية في البلاد وهي السمانية والقادرية والختمية والمجذوبية، "فالسيد أحمد بن ادريس الفاسي تحدث عنه وتبعه تلاميذه المشهورون الثلاثة: إبراهيم الرشيد ومحمد السنوسي ومحمد عثمان الميرغني الذي أسس الطريقة الختمية في السودان. ويضع الميرغني في كتاباته، المهدي في مرتبة بعد الرسول، ويليه الختم. وتحدث ابنه السيد الحسن كذلك عن المهدي. وقد أشار محمد أحمد المهدي فيما بعد إلى ذلك التراث الختمي عن المهدي في رسالته إلى السيد محمد عثمان الميرغني الثاني ابن السيد الحسن قال فيها: "لأنك حري بعلم مهديتي الذي لا يخفى على ذي بصيرة نيرة، سيما، وأنت أدرى بإشارة والدك السيد الحسن الميرغني بمهديتي لأنك خلفته وعلى أثره". القدال، ص 158
كذلك ألف اسماعيل الولي بن عبد الله مؤسس الطريقة الاسماعيلية في كردفان كتابين هما: (اللمع في كشف الختم والامام المهدي) و(جامع الكلم الوجيز النظم في معرفة سيدي الامام المهدي والختم) كما ذكر الشيخ عبد المحمود نور الدايم وهو من زعماء الطريقة السمانية، بعض أقوال محمد بن عبد الكريم السمان مؤسس الطريقة ومصطفى البكري. وقال إن كلاهما ادعى أنه من وزراء المهدي. وألّف إبراهيم بن علي المشهور بالكباشي أحد مشايخ القادرية المشهورين كتاباً بعنوان (المهدي المنتظر). كما تحدث محمد المجذوب مجدد الطريقة المجذوبية عن المهدي أيضا". (القدال ص 158).
وبالجملة "شهدت السنوات الأخيرة من الحكم التركي المصري انتشار فكرة المهدي المنتظر وتداولها بين قطاعات واسعة بين الناس". وهناك رواية تقول إن الشيخ أحمد الطيب البشير مؤسس الطريقة السمانية في السودان قال إن زوال ملك الاتراك مقرون بظهور المهدي وإنه سيكون من طريقتهم وقد أطلعه الله عليه حتى كأنه ينظر إلى جلالته". ص 160.
وتمضي الروايات فتقول إن كل من الشيخ محمد توم ودبانقا شبه ظهور المهدي بسحابة تظلهم. ونظم متصوفة آخرون قصائد عن قرب ظهوره المهدي وهناك رواية عن الشيخ القرشي ود الزين شيخ المهدي انه تحدث عن قرب ظهور المهدي وان الشيخ محمد شريف نور الدايم تحدث عن كرامات المهدي المنتظر ومقامه. (القدال ص 160).


المراجع والمصادر:
1- محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث، مطبعة جامعة الخرطوم، الطبعة الثالثة 2018
2- جغرافية وتاريخ السودان، نعوم شقير، بيروت، الطبعة الأولى 1903
3- ب م هولت، المهدية في السودان، ترجمة جميل عبيد، طبعة دار الفكر العربي (بدون تاريخ)
4- مكي شبيكة، السودان عبر القرون، دار الجيل، بيروت، طبعة 1991.
5- فيرغيس نيكول، سيف النبي: مهدي السودان، ترجمة عبد الواحد عبد الله يوسف، مركز عبد الكريم ميرغني، الطبعة الأولى2009
6- محمد المصطفى موسى، الأصداء العالمية للثورة المهدية، دار المصورات،2020.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.