إذا أراد أي حزب سياسي أن يعرف مدى تكلُّسه، وعدم قدرته على النمو، عليه أن ينظر إلى إيِّ مدى تحاشاه المبدعون، أو إلى أي مدى حلَّقوا حول دوحته هُنَيْهةً ثم طاروا. يشم المبدعون شميم التكلس في القوى السياسية من مكان بعيد فيقتربون، لكنهم لا يلبثون أن يبتعدوا حين تُفعم خياشيمهم الرائحة. ويمكن القول: ألاَّ حزب في السودان جمعت دوحته طيور المبدعين كما فعلت دوحة الحزب الشيوعي السوداني. ولكنها عجزت طيلة سبعين عامًا أن تحتفظ بهذه الطيور. ولو كان الحزب الشيوعي السوداني أفضل حالاً، من حيث سعة الأفق المعرفي ومن القدرة على تجديد الدم وعلى فهم السياقات المتبدلة والتعامل معها بمرونة، لكان حاله غير الحال الذي نراه عليه الآن من اليباس. لقد كتبت مرارًا في أوراق وفي مقالات مختلفة أن الإبداع في السودان يساريٌّ بامتياز، ولم يكن للإسلاميين فيه شروى نقير. غير أنني لم أشرح حينها، ماذا أعني باليسار، ولم أكن بحاجة للشرح في تلك الإشارات المبتسرة. التوجه اليساري في السودان قديم. وهو سابق لنشوء الحزب الشيوعي السوداني. لقد فشل الحزب الشيوعي السوداني، حتى يومنا هذا في التجذير لنفسه في تربه بلادنا وتاريخها وتراثها وفي تلمُّس وجدان أهلها. فقد عازه المفكرون والمنظرون الحاذقون. لذلك، لم يستطع أن يصبح مركزًا لحركة يسارية عريضة متصالحة مع المكونات المحلية، وقادرةً في نفس الوقت على شدها نحو آفاق التحرر الواسعة.
الشعراء الخمسة الذين تناولتهم في كتابي "مهارب المبدعين" مثَّلوا إرهاصًا مبكِّرًا لنزعةٍ تحررية سودانية بالغة القوة. غير أن انغراس أقدام منظري الحزب الشيوعي السوداني، في وحل النظرية الأجنبية التي يبست وتفسير السلوك استنادًا إلى الطبقة وحدها، حرمه القدرة على أن يفهم الظواهر خارج ذلك القالب الاقتصادي الغربي. لقد مثَّل كل من محمد سعيد العباسي ومحمد المهدي مجذوب، والناصر قريب الله، والتجاني يوسف بشير، إرهاصًا مبكرًا لتيار اليسار السوداني العريض. لكن، ماذا نفعل مع التحليل الاقتصادي للتاريخ وحشر كل شيء في قالب الطبقة المنقول من السياق الرأسمالي الغربي إلى صحاري السودان وسهوله؟ لقد سبق هؤلاء الشعراء الرواد الذين ذكرناهم، نشوء الحزب الشيوعي بعقودٍ طويلة.
في حقبة الستينات من القرن الماضي، توافدت أسراب المبدعين على دوحة الحزب الشيوعي السوداني وعلى حرمها المحيط بها. فقد كان الحزب الوحيد في الساحة السياسية السودانية الذي كان في وسع المبدعين أن يسقطوا عليه تطلعاتهم وآمالهم في حياةٍ حرةٍ ناميةٍ مزدهرة. ودعونا نذكر، على سبيل المثال، لا الحصر، هذا الرهط المميز حقًا من المبدعين: تاج السر الحسن، جيلي عبد الرحمن، مبارك حسن خليفة، عبد الله شابو، النور عثمان أبكر، محمد المكي إبراهيم، عبد الرحيم أبو ذكرى، محمد عبد الحي، علي عبد القيوم، ألياس فتح الرحمن، محجوب شريف، محمد الحسن سالم "حميد". حلق كل هؤلاء حول دوحة الحزب الشيوعي في مرحلة ما من مراحله المختلفة. فمنهم من حط على غصونها لفترة، ومنهم من حلَّق هنيهةً ثم طار. لكن يمكن القول وباطمئنانٍ شديد، لم يبق أحد من هؤلاء قريبًا من مركز الحزب. كما بعد كثيرون حتى عن محيطه. فهو مركزٌ طاردٌ ومنفِّر لذوي القلوب الحية والوجدانات العامرة والنزوع للحرية. فالحزب بقي ماكينةً سياسيةً تقتات على مجريات الصراع اليومي، فاقدًة القدرة على فهم الظواهر السوسيوثقافية المعقدة وعلى الاستشراف. (يتواصل)