السودان بلد حباها الله بالخيرات فوق الأرض وتحت الأرض، ومساحات شاسعة من أراضي منبسطة تروى بري انسيابي من نمولي إلى حلفا، وهي صالحة للزراعة مرفودة بالطمي سنويا بدون انقطاع ومسطحة لا تحتاج تسوية كما في اليمن أو اليابان.
فيه شمس مشرقة ومناخ صالح لأغلب محاصيل الحبوب الزراعية من قمح و ذرة و أرز ودخن وفواكه، فيها بترول وذهب ونحاس وغيرها من المعادن. لعلي، لا أبالغ إن قلت إن الخير والبركة في ارض السودان قلما توجد في بلد أخر، فهو كرم الهي فياض أوجده الله بمنه في ارض السودان.

هنا تجدني أخجل أن أقول عن حالنا بأنه ينطبق عليه بيت طرفة بن العبد "كالعيس في البيداء يقتلها الظماء والماء فوق ظهورها محمول" ، ومن باب التلطيف أقول أنها قلة فاسدة من الشعب السوداني منذ الاستقلال وحتى اليوم تلك التي تقف عائق دون التنمية وتمنع وجود علاقة ايجابية بين المواطن السودان وتلك الخيرات التي في أرضه، فيما يمكن أن ينطبق عليه المثل الانجليزي " يمكنك إحضار الماء إلى الحصان أو إحضار الحصان إلى موقع الماء، ولكن لا يمكنك إجباره على الشرب"!!!

من ضمن تلك العوائق الجديدة تأتي الوثيقة الدستورية الانتقالية المعدلة حول تكوين المجلس التشريعي الانتقالي من 300 مقعد برلماني موزعة بين قوى الحرية و التغيير والمجلس العسكري، 55 % لقوى الحرية والتغيير و 25 % للجبهة الثورية و 20 % للقوى التي ساندت الثورة!!! وبرغم تلك القسمة الغريبة " تلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ "التي لا منطق فيها ولا مبرر لها ، فأننا نجد إن جماهير الشعب السوداني استمعت و "استمتعت" بتصريح قادة الحركات المسلحة في 14/11/2020 القائل (جئنا برغبة صادقة لتنفيذ اتفاقية السلام) وكذلك قول حميدتي ( حملنا البندقية وقاتلنا بعضنا وخرجنا من الدائرة الشريرة) . لأن الشعب السوداني يؤمن بأن السلام هو أول حجر في أساس البنيان والتعمير.

إذن، قد حانت ساعة الجد فأنه يجب على الجميع أن يضع السلاح جانبا إذا لم يقبلوا بتسليم أسلحتهم فوراً للجيش السوداني القومي. ثم تأتي النقطة الثانية التي تثبت صدق الجميع ورغبتهم في خدمة الشعب وذلك يكون عبر تبني اقتراح سبق وان نشرته قبل عدة سنين يتمثل في نقل الحكومة المركزية أو "البرلمان" على أقل تقدير إلى الأقاليم البعيدة واخص بالذكر هنا إقليم دارفور. في زمان توفر الانترنت ووسائل التواصل الحديثة ليس هناك حاجة أن يكون البرلمان في العاصمة الخرطوم من ناحية، ومن ناحية ثانية يجب أن يحس و يعيش عضو البرلمان وسط أفراد الشعب السوداني في بيئتهم الحقيقية، وبالطبع يأتي اقتراحي الذي كتبته في الشهر الماضي بأن لا يتعدى مجموع المرتب وامتيازات عضو البرلمان مرتب معلم المرحلة الابتدائية. و أضيف لمقترحي السابق اليوم، بأن يكون مرتب وامتيازات الوزير الاتحادي أو الولائي أو حاكم الإقليم لا تتعدى مرتب معلم المدرسة الابتدائية!!! و هنا يظهر الصادق من الكاذب، نعم يظهر من يحب أن يخدم الشعب ومن يحب أن يسير في موكب من سيارات الانفنيتي تتقدمه عربة بصافرة المواكب.

نعم أنها ساعة الجد، لا يمكن أن يحرص من يقول انه أتي لخدمة شعبه وجماهير منطقته على السكن في أرقى الأحياء بالخرطوم والانشغال بالفيلا والسيارة وما يظنه من لوازم المنصب مع الادعاء بأنه يفعل ذلك لخدمة منطقته وأهلها!!!

إن كل هذه الميزانية التي ستصرف على 300 عضو برلماني يجب أن توجه للزراعة وتنمية الثروة الحيوانية، وان لم يتم ذلك يجب اقتطاع 50 % من المميزات المالية لعضو البرلمان وتوجه مباشرة لمنطقته شهريا وتوضع في صندوق يسمى صندوق إعمار الدائرة الانتخابية لعضو البرلمان.

لذلك اقترح أيضا اليوم وقبل أي خطوة أن يقدم جميع المرشحين و"المتاوقين" للمناصب كشف بكل ما يملكون هم وأسرهم الصغيرة ويعلن ذلك للعامة في الصحف الحكومية.

ثم أتوجه بمقالي لحركات الكفاح المسلح الحقيقية أو المزعومة التي انضمت لاتفاقية جوبا أو لم تنضم، يجب أن يعلم الجميع بأنهم مهما أدعوا إنهم قد حاربوا النظام السابق؛ ففي زمن ما كانوا أيضا جزء من النظام السابق بما فيهم الجبهة الشعبية بقيادة مناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة د. جبريل إبراهيم ومسار الوسط وغيره من الحركات. وأنه لولا ثورة الشعب السوداني وخاصة الشباب، وفي الشباب اخص الكنداكات والشهداء وتضحياتهم لما وصلت قيادات هذه الحركات الخرطوم!!! إذن من العار أن تسرق هذه الحركات تضحيات أولئك الشباب وتسعى لأي محاصصات وزارية أو برلمانية تطمع من خلالها للحصول على الجاه والمال.

نعم أن شباب الشعب السوداني قد توحد دون أي تمايز عرقي أو قبلي أو جهوي تحت شعارات مثل " يا عنصري ومغرور، كل البلد دارفور"، في حين أن هذه حركات الكفاح المسلحة وغير المسلحة الدارفورية مثلا تنقسم إلى أكثر من 52 مجموعة!!!. إذن هناك مشكلة أساسية تتمثل في عدم قبول الرأي الآخر وقد تتعمق فتنقلب لتطرف يتمثل في عدم قبول الأخر نفسه!!! ولذلك تأتي نصيحتي هنا لكل الحركات : أرضا سلاح ولنتجه للتعمير والابتعاد عن المطامع الشخصية!!! ولنجعل من دارفور فرنسا أخرى، خاصة إذا علمنا أن مساحة فرنسا هي بالضبط مساحة دارفور، وعدد سكان فرنسا حوالي 62 مليون نسمة. وإذا علمنا إن الباحثين الفرنسيين أنفسهم "ينخلعون" من معرفتهم بالإمكانيات الطبيعية الزراعية والثروة الحيوانية والبترول والذهب وغيره الموجودة في ارض السودان ثم يندهشون لعدم استثمار السودانيون لتلك الإمكانيات الهائلة التي يمكن أن تجعل من السودان أحدى جنات الله على الأرض وتجعل شعبه يعيش في رفاهية أفضل من الدول الاسكندنافية!!!.

سبق وان ذكرت في مقال لي بأن عدد سكان الخرطوم وضواحيها اليوم يمثل قرابة ثلث سكان السودان وذلك يعني أن أكثر من نصف السكان "الأصليين" لأي إقليم من أقاليم السودان الأخرى يسكن الآن بالخرطوم. صحيح إنها من ناحية اقتصادية تعني هجرة مناطق الإنتاج ولكنها من ناحية سياسية تعني اختفاء كلمة المركز والهامش الجغرافي أو الجهوي، وهكذا يصبح ثلث سكان السودان "عاصميين"!!! اعتقد إذا استطعنا توعية و توحيد هؤلاء ال 10 مليون "خرطومي" في إطار وطني قومي جامع، يمكن شيئا فشيئا تغليب الشعور الوطني السوداني على الشعور القبلي و الجهوي و حتى التحزب السياسي.

مرة أخرى، ليسأل كل إنسان نفسه ماذا سيقول لربه غدا وهو سائله عن عمره فيما أفناه وعن ماله كيف اكتسبه وكيف أنفقه!!! وليعد كل منا لذلك اليوم جوابه ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾.

ولنردد مع فرقة عقد الجلاد:

"ايدينا يا ولد ايدينا للبلد
كان اخويا اللبره جانا والله يصلح الحال معانا
ننتج بي ايدينا والله نخلص العلينا
اخلا صنا في العمل إخلاصنا في العمل يسوقنا للأمل
حكومة كان تنصلحي كان تعرفي عيشي وملحي كان تشوفي
اللبي تزحي ما تباري القول تلحي كان تعرفي
كان الحكم صلح سودانا صار مليح
ايدينا ياولد ايدينا للبلد" .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.