ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

"يجب أن يحذر المسلمون في السودان من إكساب الدَّولة أيَّة صبغة دينيَّة، فهذا من شأنه زيادة حدَّة الاستقطاب والفعل المضاد"!

                               الصادق المهدي

 

(78)

لئن كانت (علمانيَّة) عصر (الحداثة) الأوربي، بالمعنى الحرفي، هي ما يسعى التيَّار (السُّلطوي) لإسباغه على صورة القطاع المسلم من القوى الوطنيَّة السودانيَّة، وترويجه عنه في الذهنيَّة والوجدان الشَّعبيين، فلسوف تكشف أعجل نظرة إلى مطلوبات هذا القطاع، في مظانها الأصليَّة، عن كونه لم يسْعَ، يوماً، لإقصاء (الدّين) من حساباته، حتى وهو يتخذ موقف المعارضة المسلحة لمشروع (الدَّولة الدّينيَّة)، وإنما ظلَّ يستهدف تجذير مشروعه هو في قلب تربة (العقلانيَّة الإسلاميَّة)، والفرق بين المشروعين جلي.

هكذا، وعلى حين انغلق التيَّار (السُّلطوي) في إسار التوتر (الشعاري) لمطلب (وصل الدّين بالدَّولة)، جاعلاً منه ترياقاً مضاداً لـ (حقوق الإنسان) التي تسم روح العصر، فإن البيان الختامي لمؤتمر أسمرا للقضايا المصيريَّة (23/6/1995م)، والذي يُعتبر أشمل التعبيرات التواثقيَّة التي صدرت حتى الآن عن (التجمُّع الوطني الديموقراطي)، بالثقل المسلم بين صفوفه، وبألوان طيفه شديدة التعدُّد والوسع، يميناً ووسطاً ويساراً، لم يستخدم، البتة، مصطلح (العلمانيَّة)، رغم أنه صدر بعد انضمام (الحركة الشعبيَّة)، بالثقل غير المسلم داخلها، لـ (التجمُّع)؛ بل استبطن (منهج المصلحة)، بذهن منفتح، ليخلص إلى حظر تأسيس الأحزاب على أسس دينيَّة، واعتماد المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، وإلزام الدَّولة باحترام تعدُّد الأديان والمعتقدات، وعدم رؤية أيّ تناقض بين الإسلام وبين المبادئ العصريَّة لحقوق الإنسان المضمَّنة في المواثيق الدوليَّة والإقليميَّة، فضمَّنها مرجعيَّته الدستوريَّة، وأسَّس عليها برامجه الإعلاميَّة والتعليميَّة والثقافيَّة.

 

(79)

جاءت تلك المقرَّرات تلخيصاً لكل ما سبقها من تعبيرات تواثقيَّة بين أطراف التجمُّع الوطني، ومنها، على سبيل المثال، نصُّ المادة/10 من مشروع (الدستور الإنتقالي) الذي كان اقترحه التجمُّع، وأجازه في دورة الانعقاد الثانية لهيئة قيادته بلندن (26 يناير ـ 3 فبراير 1992م)، على واجب الدَّولة في أن "تعامل .. معتنقي الأديان السماويَّة وأصحاب كريم المعتقدات الأرواحيَّة دون تمييز بينهم في ما يخصُّ حقوقهم وحريَّاتهم المكفولة في هذا الدستور كمواطنين، ولا يحقُّ فرض أيّ قيود على المواطنين أو على مجموعات منهم على أساس العقيدة أو الدّين"؛ كما نصّت، بصيغة أشبه بـ (الصحيفة/دستور المدينة)، على أن "يهتدي المسلمون بالإسلام ويسعون للتعبير عنه، (و) يهتدي المسيحيون بالمسيحيَّة ويسعون للتعبير عنها، (و) يُحظر الاستخدام المسئ للأديان وكريم المعتقدات الروحيَّة بقصد الاستغلال السّياسي".

ومن ذلك، أيضاً، النصُّ في (إعلان نيروبي، 17 أبريل 1993م)، حول (الدّين والسّياسة)، على "اعتبار مواثيق حقوق الإنسان الدوليَّة جزءاً من القوانين السودانيَّة، وبطلان ما يخالفها، وكفالة القانون للمساواة بين المواطنين على أساس حقّ المواطنة، واحترام معتقداتهم، وعدم التمييز بينهم بسبب الدّين أو العرق أو الجّنس، وبطلان ما يخالف ذلك، وعدم جواز تأسيس أيّ حزب سياسي على أساس ديني، ووجوب اعتراف الدَّولة واحترامها لتعدُّد الأديان وكريم المعتقدات، وتحقيقها للتعايش والتفاعل والمساواة والتسامح (بينها) .. وسماحها بحريَّة الدَّعوة السلميَّة للأديان، ومنعها الإكراه أو التحريض على إثارة المعتقدات والكراهيَّة العنصريَّة، والتزام التجمُّع بصيانة كرامة المرأة، والاعتراف لها بالحقوق والواجبات المضمَّنة في المواثيق والعهود الدوليَّة بما لا يتعارض مع الأديان٭، وتأسيس البرامج الإعلاميَّة والتعليميَّة والثقافيَّة القوميَّة على الالتزام بمواثيق وعهود حقوق الإنسان الإقليميّة والدوليَّة".

ثمَّ جاء (مشروع التجمُّع للإجماع الوطني، منتصف يوليو 2003م)، ليؤكد على كلّ تلك المعاني، ويشدّد على حقيقة التعدُّد والتمايز الدّيني والعرقي والثقافي في السودان، وعلى دور الأديان السماويَّة وكريم المعتقدات، كمصادر للقيم الروحيَّة والأخلاقيَّة التي تؤسّس للتسامح والأخوَّة في الوطن والتعايش السّلمي والعدل والمساواة، وعلى ضرورة إقامة السَّلام العادل والدائم والوحدة الوطنيَّة التي تحقق الاستقرار والسَّلام الاجتماعي على أسس العدل والإرادة الحُرَّة والطوعيَّة لأهل السودان، وتضمين الدُّستورين، الانتقالي والدائم، جملة تدابير تؤسّس لاعتراف الدَّولة واحترامها لهذه المبادئ والقيم، وأن تشكل مواثيق حقوق الإنسان الدوليَّة والإقليميَّة جزءاً لا يتجزأ من الدُّستور، بحيث يُنص عليها تفصيلاً، وألا يُعتبر أيُّ تعبير يرد في الدستور أو في أيّ قانون بالإشارة إلى خضوع أيّ من تلك الحقوق (للقانون) أو (وفق إجراءات القانون) أو (وفق قانون عادل)، مقيِّداً لأيّ من تلك الحقوق، بل منظماً لممارستها، وأن يُعتبر أيُّ قانون أو مرسوم أو قرار أو أمر أو إجراء يصدر بالمخالفة لذلك باطلاً وغير دستوري. 

ولا يمكن ، بالطبع ، وصف شئ من كلّ هذا بـ  (العلمانيَّة)، وفق ما استقرَّت عليه في حرفيَّة المصطلح الغربي، إلا بالكثير من المكابرة الفجَّة، والمغالطة الغليظة!

 

(80)

أما حزب الأمَّة فقد أعلن، مراراً وتكراراً، تمسُّكه بمقررات أسمرا، رغم مغادرته (التجمُّع)، بل واقترح على الحكومة التوقيع عليها "إختصاراً للوقت .. بحيث تكتمل الصورة، ويغلق باب المماحكة والجدل العقيم" (الصحافي الدولي، 10/9/2001م). علاوة على ذلك فإن الحزب ما يزال ناشطاً، إلى جانب (كيان الأنصار)، في تعميق رؤيته لإشكاليَّة (الدّين والدَّولة) من منظور (العقلانيَّة الإسلاميَّة)، ممَّا انعكس، مثلاً، في ورقة العمل التي أجازها مكتبه القيادي بتاريخ 9/7/2001م، حاملة موقفه التفاوضي النهائي في المؤتمر التحضيري الذي كان مزمعاً انعقاده للتداول حول الحلّ السّياسي الشامل، قبل (نيفاشا)، حيث طالب الحكومة بإجلاء (مسألة الدّين والدَّولة) بما "يؤكد أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات .. (وأنه) لا يحق لأيّ مجموعة .. أن تنال امتيازات بسبب انتمائها الدّيني، (وأن) الأحزاب .. تقوم على أساس مفتوح لكلّ المواطنين .. ولا تفرّق بين الناس على أساس ديني، (وأن) القوانين السَّارية على كل المواطنين مصادرها تكون مقبولة لهم جميعاً، (وأن) القوانين ذات المصادر غير المقبولة للجميع يكون تطبيقها مخصَّصاً .. (و) أن تكون مصادر التشريع هي إرادة الأمَّة على ألا تخالف الشَّريعة، الأديان السماوية، الثقافات الوطنية والمواثيق الدولية".

ولا يستطيع، أيضاً، سوى مكابر أن ينسب إلى (العلمانيَّة) ، بمفهومها الغربي الأصلي، شيئاً من عناصر هذه الرؤية، أو من نتاج الكدح النظري المرموق للسيد الصادق المهدي، رئيس الحزب، وإمام الأنصار لاحقاً، والذي ظل يتحمَّل، منذ ظهور مؤلفه (أحاديث الغربة)، في منتصف سبعينات القرن الماضي، وحتى صدور كتابيه (نحو مرجعيَّة فقهيَّة جديدة) في منتصف هذا العقد، ثمّ (الإنسان بنيان الله)، خلال يوليو الماضي، فضلاً عن العديد من مقالاته ومنبريَّاته، بمنهجيَّة رصينة، وبصرف النظر عن أيّ تقويم لأدائه السّياسي العملي، سواء في الحكم أم في المعارضة، فذاك شأن آخر، قدراً لا يستهان به من عبء المنازلة الفقهوفكريَّة للتيَّار (السُّلطوي) في حركة الإسلام السّياسي في بلادنا، والتصدّي لمشروع الدَّولة الدّينيّة الذي دشَّنه النميري، بمعاونة هذا التيَّار، خلال السَّنوات التي سبقت انتفاضة أبريل 1985م، وتواصل بعد عودة هذا التيَّار للدفع باتجاه النهايات القصوى للمشروع منذ مطالع تسعينات القرن الماضي.

 

(81)

على تعدد الجَّوانب التي انداح إليها جهد هذا الفقيه المفكر، ظلت موضوعة (الديموقراطيَّة) هي محور عمله النظري الأساسي، فلا ينفك يعود إليها، المرَّة تلو المرَّة، باذلاً جهداً مقدَّراً في توطينها في تربة الإسلام الذي ".. يوافقها في خاماتها المبدئيَّة، ولكنه لا يفصّل نظاماً ديموقراطياً محدَّدا، ويترك ذلك لظروف الزمان والمكان" (أحاديث الغربة، ص 38). ويبدى استنارة كبيرة حين يؤكد أن الإسلام "ليس (فيه) نظام حكم معيَّن، و(أن) النظم التي أقامها المسلمون في تاريخهم نظم بشريَّة .. لا يوجد ما يُلزم بها الآخرين .. جاء الإسلام بمبادئ سياسيَّة مثل الحريَّة، العدل، المساواة، ضرورة الحكم للجَّماعة، ألا يعاقب أحد إلا بقانون، ألا يعاقب أحد بجريمة غيره، أن يكون الأمر شورى .. هذه المبادئ التي أتى بها الإسلام، منذ خمسة عشر قرناً، تطوَّرت حتى ماثلتها النظم الديموقراطيَّة الحديثة .. (التي) وضعت للمبادئ السّياسيَّة ضوابط مؤسَّسة لممارستها بدقة، والحيلولة دون الانحراف (عنها) .. إن أهمَّ صفة للتعاليم الإسلاميَّة السّياسيَّة أنها خلت من تلك الضوابط خلوَّاً كان يُنتظر أن يعالجه الناس، اجتهاداً، بوضع النظم والمؤسَّسات .. ولكن هذا لم يحدث، ممَّا جعل (تلك المبادئ) معلقة بحيث أهملها حكام المسلمين في أغلب تاريخهم السّياسي. إن استصحاب الضوابط التي طوَّرتها نظم الحكم الحديثة .. ضرورة، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب .. (هذه) المبادئ طابق فيها تطوُّر الفكر الإنساني حقائق الوحي .. (ولكن) تقنين الالتزام (بها)، والمؤسَّسات اللازمة لتطبيقها .. ممارسات بشريَّة يقرّرها البشر، ولا توجد فيها أنماط ملزمة لأحد" (تحديات التسعينات، ص 197). كما يبدى استنارة مجيدة حين يستند إلى رأى الإمام الفخر الرَّازي في انعقاد العصمة من الخطأ لمجمل الأمَّة، لكي يعقد السيادة للشعب، ويجعل المرجعيَّة لهيئاته المنتخبة، انتخاباً حراً، في تقرير كلّ شئ، بما في ذلك التقرير بشأن فهم (النصوص) غير القطعيَّة، وتحديد رأي الدّين في المستجدَّات، لأن ".. هذا النهج وحده هو الذي يجنبنا متاهات عانى منها الفكر الإسلامي قروناً طويلة " (نفسه، ص 193). ويبدي، أيضاً، ذات القدر من الاستنارة حين يحذر المسلمين النيجيريين من مغبَّة التطبيق القسري، والانفعالي، للشَّريعة الإسلاميَّة، على حساب وحدتهم الوطنيَّة، وتجربتهم الديموقراطيَّة، والحكمة المتاحة لهم في التعلم من تجارب الآخرين، مهما جاءهم من يزيّن لهم ذلك، ضارباً المثل باستقدام النميري، في سبتمبر 1984م، ضمن احتفاله بمرور عام على تطبيقه الوحشي للشَّريعة، بعض الضيوف من العالم الإسلامي، (فهنأوه) على (إنجازه)، "ولكن، بعد سقوط نظامه، دعوتُ، في فبراير 1987م، علماء ومفكرين من كل أنحاء العالم الإسلامي .. ليأتوا ويراجعوا مغامرة نميري الإسلاميَّة، وبعد أن درسوها قالوا إنها معيبة في جوهرها، وصياغتها، وتطبيقها!" (من محاضرته بكادونا، برعاية جمعيَّة المسلمين في نيجيريا، في 30/6/2001م، الصحافي الدولي، 22/7/2001م). ويبدي ذات الاستنارة، كذلك، حين يحذر المسلمين في السودان من "إكساب الدَّولة أية صبغة دينيَّة، (فهذا) من شأنه زيادة حدَّة الاستقطاب والفعل المضاد" (الرأي العام، 20/8/2001م)، وذلك في مواجهة الصيحات المتشنجة التي ما تزال، حتى الآن، تعيد إنتاج شعار (الحاكميَّة) الخوارجي الأجوف.

ومع ذلك فإن السيّد الصادق كثيراً ما عبَّر عن رفضه لاستخدام مصطلح (علمانيَّة) في توصيف النظر الذي يتبناه هو وحزبه لإشكاليَّة (الدّين والدَّولة)، كون هذه الكلمة "حُبلى بدلالات فلسفيَّة غير مقبولة"، على حد تعبيره، مقترحاً "أن الوصف الأمثل للدُّستور القائم على المساواة بين المواطنين، بغضّ النظر عن الدّين أو الثقافة أو الهويَّة الإثنيَّة أو النوع، هو أن يوصف كذلك" (من محاضرته بكادونا ، مصدر سابق).

لذا، وانطلاقاً من أن لكلّ ثقافة (عقلانيَّتها) الخاصَّة، فعندما يؤكد السيّد الصادق موقف حزبه الرافض لمفهوم ومصطلح (فصل الدّين عن الدَّولة)، ويصف ذلك بأنه "شعارات وتهريج لا بد من إيقافه باعتباره أمراً محسوماً بموجب ميثاق القضايا المصيريَّة في أسمرا" (المصدر نفسه)، فإننا لا نجد أدنى شبهة تناقض بين احتجاجه هذا وبين (النهج) الفقهوفكري المستنير الذي اختطه واعتمده هو وحزبه، بقدر ما نلمس تعبيراً صريحاً عن الرغبة في الاتساق المستقيم مع (العقلانيَّة الإسلاميَّة)، ورفض الالتباس غير المرغوب فيه، والذي يورثه، من جهة، مصطلح (وصل الدّين بالدَّولة) الذي يؤسّس، باستخدامه من جانب الإسلام السّياسي المعاصر، لمشروع (الدَّولة الدّينيَّة) المنبتّ عن (عقلانيَّة الثقافة الإسلاميَّة)، في ما يتصل بوجوب (التمييز) بين ما أمر به الرسول (ص) المؤمنين من (الدّين) فوجب اتباعه، وبين ما كان من أمر (الدنيا) فهم أدرى به، تماماً كالالتباس الذي يمكن أن يخلقه، من جهة أخرى، مصطلح (فصل الدّين عن الدَّولة)، بظلاله (العلمانيَّة)، كمظهر لـ (عقلانيَّة الثقافة الغربيَّة)، وكأسلوب معيَّن، في التفكير والتفلسف، يختلف عن أسلوب (الثقافة الإسلاميَّة)، تأسس في أوربا في مطالع عصر (الحداثة)، نتيجة ملابسات محدَّدة لصراع محدَّد جرى في ظرف تاريخي محدَّد بين المجتمع وبين (الإكليروس الكنسي) في القرون الوسطى الأوربيَّة، كما سبق وأوضحنا.

وإنْ تبقت، بعد ذلك، مساحة للاختلاف المحتمل والمشروع، وسط الجَّماعة المسلمة، فلتكن (للحوار) العقلاني حول تفسير وتطبيق مفهوم (التمييز)، بدلاً من شغلها (بالسجال) العبثي، أو (حوار الطرشان)، بين مصطلحي (الوصل) و(الفصل) بلا طائل.

 

(82)

أما الحزب الاتحادي الدّيموقراطي، فمع كونه خاض تجربة (الدّيموقراطيَّة الثالثة) تحت شعار وبرنامج (الجمهوريَّة الإسلاميَّة)، إلا أن رؤيته (العقلانيَّة) لقضيَّة (الدّين والدَّولة)، في منظور (المصلحة)، انعكست، عمليَّاً، في جملة من مواقفه وترتيباته السياسيَّة، أبرزها (مبادرة السَّلام السودانيَّة) التي أطلقها مع الحركة الشعبيَّة بأديس أبابا، في 16/11/1988م، لتهيئة المناخ الملائم لعقد (المؤتمر القومي الدُّستوري) الذي ظلت تطالب به غالبيَّة الشَّعب وقواه الأساسيَّة. وقد نصَّ البند (أ/1) من تلك الاتفاقيَّة على "تجميد موادَّ الحدود والمواد ذات الصلة في قوانين سبتمبر 1983م، وألا تصدر أيَّة قوانين تحتوى على مثل تلك الموادّ .. إلى حين قيام المؤتمر". ولئن كان مطلب الحركة الشعبية الثابت، في ما مضى، هو إلغاء تلك القوانين التي أصدرها النميري، بدعم ودفع التيَّار (السُّلطوي) في السودان وفى المنطقة، فإن الحزب الاتحادي، بقيادة رئيسه السيّد محمد عثمان الميرغني، زعيم طائفة الختميَّة، أبدى مستوى مرموقاً من الاستعداد لمنازلة (الشعارات الفضفاضة)، وتغليب (منهج المصلحة)، لأجل التوصُّل إلى ذلك الاتفاق الذي استقبل بترحيب هائل من الشارع السوداني، المسلم وغير المسلم، كونه فتح، في ذلك الوقت الباكر، باباً واسعاً للأمل في إمكانية وقف الحرب الأهليَّة، وتجاوز حالة الاختناق الوطني إلى آفاق الوحدة، والسَّلام، والمساواة، والدّيموقراطيَّة.

وفى خطابه إلى الرئيس النيجيري إبراهيم بابنجيدا، فى 21/9/1991م، بمناسبة إطلاق الأخير لمبادرته من أجل السلام في السودان، في أعقاب انقلاب (الجبهة الإسلاميَّة) في الثلاثين من يونيو 1989م، والذي قطع الطريق أمام إنفاذ (اتفاق الميرغني ـ قرنق)، تعمَّد الزعيم الاتحادي تذكير الرئيس النيجيري بأن ذلك (الاتفاق) كان يهدف، في الواقع، لمعالجة كلّ قضايا السودان، لا (قضيَّة الجنوب) وحدها، وأنه كان قد حظي بموافقة الحكومة المنتخبة، وكلّ القوى الأخرى، ما عدا حزب (الجبهة الإسلاميَّة)، وأن الحكومة كانت قد حدَّدت، فعليَّاً، يوم 14/7/1989م موعداً لإبلاغ الحركة الشعبيَّة بتلك الموافقة، كما حددت شهر سبتمبر من ذلك العام موعداً لعقد المؤتمر، باعتباره الآلية الوحيدة المجمع عليها من كلّ تلك القوى التي كانت قد انضوت، وقتها، تحت لواء (التجمُّع الوطني)، وهي الآليَّة التي أثبتت التجربة السودانية أنه ليس ثمة طريق سواها "لإيقاف الحرب الأهليَّة، ونزيف الدَّم، والخراب، والدمار .. (و) تأسيس السودان الحديث .. فى إطار الوحدة، والسلام الدائم، والدّيموقراطيَّة، و .. حقوق الإنسان".

وفي مذكرته إلى سكرتاريَّة الإيقاد، بمناسبة تضمينها مطلب (الدَّولة العلمانيَّة) في صلب (مشروع إعلان المبادئ) الصادر عنها في 20/5/1994م، اتخذ الميرغني موقفاً ناقداً من استخدام (المصطلح)، مؤكداً على "أهمية إعطاء الأولويَّة لوحدة السودان، وتجنب المصطلحات التي تقود إلى البلبلة وسوء الفهم" (مذكرة حول السلام والوحدة والدّيموقراطيَّة، 27/12/1994م).

وفى (نداء السودان) الصادر في القاهرة بتاريخ 1/3/2001م، عن رئيسي حزبي (الاتحادي) و(الأمة) اللذين هما، في الوقت نفسه، زعيما أكبر طائفتين دينيَّتين في البلاد، عرَّف الطرفان (السلام العادل) و(التحوُّل الدّيموقراطي) المطلوب تحقيقهما، بأنهما يعنيان: كفالة "الحرية، والمساواة على أساس المواطنة، و .. التعايش بين الأديان والثقافات .. وحقوق الإنسان .. (و) التبادل السلمي للسُّلطة عبر انتخابات عامة حرة يحتكم فيها الجميع للشعب .. (و) نبذ العنف، ورفض القهر والتسلط .. (و) الاحتكام للشعب وسيلة لحسم الخلافات، وتحديد المسئوليات في ظل دستور ديموقراطي يكفل الحقوق للجميع".

وفى رسالته التي وجَّهها من القاهرة، فى منتصف 2001م، طالب السيد محمد عثمان الميرغني جماهير حزبه "بالالتفاف حول مبادئ الحزب وثوابته المتمثلة في الدّيموقراطيَّة وحقوق الإنسان وبناء السودان الجديد القائم على المساواة وحقوق المواطنة" (الأيام، 24/7/2001م).

ويمكننا، بالطبع، أن نلمس في هذا الطرح تغليباً لنفس الاجتهاد الذي يتبناه السيّد الصادق وحزبه، والقائل بأن النظم الديموقراطيَّة الحديثة تماثل المبادئ التي جاء بها الإسلام قبل خمسة عشر قرناً، ويطابق تطوُّر الفكر الإنساني فيها حقائق الوحي. كما يمكننا، كذلك، ملاحظة الاتفاق بين الزعيمين الدّينيين على الأخذ بـ (فقه المصلحة) الذي يعقد السَّيادة للشعب، ويجعل المرجعيَّة في تقرير أموره إلى هيئاته المنتخبة ديموقراطيَّاً، حيث العصمة لمجموع الأمَّة، لا لإمام فرد، أو لنخبة حاكمة.

ولا يجوز، هنا أيضاً، نسبة شئ من هذه الرؤية (العقلانيَّة) الإسلاميَّة إلى (العلمانيَّة)، وفق أبجدية المصطلح الغربي، اللهم إلا من باب (الحَوَل) الفكري والسّياسي!

 

(83)

ولا بُدَّ أن نشير هنا إلى أن للترابي نفسه طرحاً يكاد يكون مشابهاً، لولا أنه يحوم، بتقلقل، حول الموقف الإسلامي من قضيَّة (الدّيموقراطيَّة)، والتي يفترض أن تشمل الحريَّات والحقوق، دون أن ينصبَّ على المفهوم نفسه بثبات. فعلى حين يقرُّ، مثلاً، بـ (المقتضى المتقارب)، على حدّ تعبيره، لآليتي (الشُّورى) و(الدّيموقراطيَّة)، يعود، من فوره، ليضرب جداراً سميكاً بينهما، يتمثل، حسب رأيه، في اشتمال الأولى على العنصر (الأخلاقي)، وافتقار الأخرى له (من حديثه لتلفزيون أبو ظبي مساء السبت 5/2/2000م). غير أن مجتهداً آخر، هو الشيخ محمد الغزالي، ينفذ إلى المسألة بشكل أكثر وثوقاً، حيث يستشهد بالحديث الشريف: "الحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحقُّ الناس بها"، ليؤكد أن "الدّيموقراطيَّة تنظيم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم (بما يوفر) الكرامة .. للمؤيّد والمُعارض، و .. يشيّد أسواراً قانونيَّة عالية لمنع الفرد من أن يطغى، ويشجّع المُخالف على أن يقول بملء فمه: لا .. (دون أن) يخشى سجناً ولا اعتقالاً .. الاستبداد كان الغول الذي أكل ديننا ودنيانا، فهل يُحرَّم على .. المسلمين أن يقتبسوا بعض الإجراءات التي فعلت الأمم الأخرى لمَّا بُليَت بمثل ما ابتلينا به؟! إن الوسائل التي نخدم بها عقائدنا .. جزء من الفكر الإنساني العام .. إن دولة الخلافة الراشدة اقتبست .. من مواريث الروم والفرس دون غضاضة .. إنه ليس من العقل أن نغمض العين على مقابح الحكم الفردي عندنا، وننظر بازدراء إلى الضمانات التي توفرت لصلاح الحكم في بلاد أخرى. إنه ليس من العقل أن نجمِّد الجهاز الفقهي عندنا قرونا طويلة ثم ننعى على الذين اجتهدوا وتصبّب عرقهم وهم يضبطون سياسة الحكم والمال في بلادهم .. إنه لممّا يثير الآلام أن عدداً من المتديّنين .. يستقى ثقافته من كتابات ظهرت وشاعت أيام الاضمحلال الفكري في تاريخنا، أو أيام الموالاة للظلمة .. إن التعصُّب  للجَّهل والقصور بلاهة وسخف!" (دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، ص 182 ـ 186).

 

(84)

أما الحزب الشيوعي، الأكثر تعرُّضاً للاتهام بالإلحاد، فلم يكن، للمفارقة، بثقل العنصر المسلم في قيادته وقواعده، بعيداً، في أيّ وقت، عن الطرح (العقلاني) لقضيَّة (الدّين والدَّولة)، فقد سعى، عمليَّاً، عندما احتدم الجدل حولها عام 1988م، إلى فضّ الالتباس الذي يخلقه استخدام مصطلحات (دولة علمانيَّة/دستور علماني/دستور إسلامي .. الخ)، وتقديم البديل الاصطلاحي والمفهومي المناسب، وذلك خلال المشاورات التي أجراها (مجلس رأس الدولة)، آنذاك، مع الكتل البرلمانيَّة، بعد إقالة السيّد الصادق لحكومته الثانية، تمهيداً لتوسيع الائتلاف الحاكم بإشراك الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة، حيث شدَّد الحزب على أنه ليس معنياً بحرفيَّة المصطلحات، أو بما إذا كان مصطلح (العلمانيَّة) بكسر العين أو بفتحها، وإنما يولى كلَّ اهتمامه لـ (الدّيموقراطيَّة) كحريَّات عامَّة، وحقوق أساسيَّة، ونظام حكم ومؤسسات، وأنه يعارض (الدَّولة العلمانيَّة) عندما تصادر (الدّيموقراطيَّة)، كما فعل مع ديكتاتوريَّة عبود (العلمانيَّة)، ومع نظام مايو الذي بدأ يساريَّاً وعلمانيَّاً، قبل أن يعلن قوانين سبتمبر 1983م، وينصّب نميري إماماً! ودعا الحزب إلى تجاوز استقطاب (دولة دينيَّة/دولة علمانيَّة)، مقترحاً مفهوم ومصطلح (الدولة المدنيَّة)، باعتبار عُشرة السودانيين، في الشمال والجنوب، مع القانون المدني، والمحاكم المدنيَّة، والشَّريعة الاسلاميَّة، والمحاكم الشرعيَّة (راجع: م. إبراهيم نقد؛ حول الدولة المدنيَّة، دار عزة).

مع ذلك وغيره، جرى، وما زال يجرى التركيز على تكفير الحزب، منذ خمسينات القرن الماضي، وحتى صدور الفتوى المعطوبة، الشَّهر الماضي، من (الرابطة الشَّرعيَّة). فما تراه تفسير ذلك في خلفيَّة الحقائق الموضوعيَّة المتصلة بفكر الحزب، وتاريخه، ونشاطه العملي؟!

 

                                                                 (نواصل غداً بإذن الله)

 

الهامش:

٭ أثارت النصوص المتعلقة بحقوق المرأة في هذه المواثيق خلافاً كبيراً داخل صفوف (التجمع) نفسه، والقوى الاجتماعيَّة الداعمة له، حيث رأى فيها الكثيرون تمييزاً ضد المرأة يصادم المعايير الدوليَّة لحقوق الإنسان. ولأن هذه قضية تفصيليَّة تقع خارج نطاق مبحثنا هذا، فإننا نكتفي، هنا، بالإشارة إلى كونها تشكل، في جوهرها، أحد الأسئلة الشائكة على صعيد المستوى السائد من الوعي الاجتماعي وسط الجماعة المستعربة المسلمة في بلادنا، بأكثر من كونها مجرَّد موضوع (للاحتجاج) السياسي المطلبي على أهميته. ولذلك فهي رهينة للجهود الفقهوفكريَّة المرغوب فيها، حثيثاً، ضمن حركة الاستنارة المرجوَّة من الأقسام المتقدّمة لهذه الجماعة، نساءً ورجالاً.