الصراع حول الأرض في السودان (7)  .. بقلم: تاج السر عثمان


سابعا :
الأرض في فترة الحكم الانجليزي – المصري ( 1898- 1956)
 1
    بعد إعادة إحتلال السودان عام 1898م  جرى التوسع في إدخال نمط الإنتاج الرأسمالي في السودان والزراعة الحديثة ، وكان من ضمن أهداف الاستعمار الإنجليزي تحويل السودان إلى مزرعة قطن كبيرة  تشكل مصدرا دائما ومستمرا لمصانع لانكشير من خامة القطن السوداني ، أي مصدر رخيص للمواد الخام وسوق لمنتجاتها الصناعية حسب قوانين التبادل غير المتكافئ ، ولتحقيق ذلك كان لابد تنظيم ملكية الأرض وإلغاء نظام الرق .
اولا – تعميم العمل المأجور وإلغاء نظام الرق:
     ترجع جذور إدخال العمل المأجور في الزراعة “المقصود هنا العمل مقابل أجر نقدي ” إلى فترة الحكم التركي، وخاصة بعد إدخال المحاصيل النقدية (القطن، النيلة، قصب السكر.. الخ )، إضافة للتوسع في عمليات زراعة الصمغ.
      كانت من الصعوبات التي عاقت انطلاق هذا العمل هو نظام الرق ، فقد كان الأرقاء مرتبطين بأسيادهم وبالأرض إذ كانوا يعملون في الزراعة والرعى . وخلال فترة المهدية لم تتطور الزراعة بسبب الحروبات والضرائب الباهظة على المزارعين ونهب الجهادية لمحاصيل المزارعين رغم المحاولات المختلفة من الخليفة عبد الله لتشجيع الزراعة وخاصة بعد مجاعة سنة 1306 ه .
     وبعد احتلال قوات كتشنر للسودان عام 1898 م كان من ضمن بنود اتفاقية الحكم الثنائي هي إلغاء نظام الرق ، فقد كان من مبررات احتلال السودان القضاء على الرق ومحاربة الاتجار بالرقيق ، وهذا ما تم تصويره للعالم الخارجي ، فقد شرعت حكومة السودان في معالجة بعض المشاكل بشأنه .
    ورغم الجانب الإيجابي في قرار مؤتمر بروكسل 1891 الذي ألغى نظام الرق وتجارة الرقيق عالميا ، وباعتباره قرار إنساني ومثل درجة أرقى في سلم التقدم البشرى ، ولكن كان من ضمن أهداف الاستعمار الإنجليزي إدخال شكل جديد من الاستغلال الرأسمالي الذي يشكل مرحلة أرقى من علاقات الإنتاج العبودية
   . ولتحقيق هذا الهدف كان من ضمن الخطوات لإنجازه هي فك ارتباط الآلاف من الرقيق الذين كانوا في الزراعة والرعى على شريط النيل حسب علاقات الإنتاج العبودية ، فكان لابد من تحرير هؤلاء الرقيق للاستفادة منهم عن طريق العمل المأجور في مشاريع الاستعمار الزراعية ، وفى البنية التحتية كعمال زراعيين ، وعمال خدمات وعمال صناعيين ، وغير ذلك ، ولاشك أن تلك خطوة تقدمية فيما يختص بتحرير هؤلاء الرقيق من علاقات الإنتاج العبودية التي لاتخلوا من استغلال . فقد كان اغلب الرقيق عندما دخلت قوات كتشنر السودان يعمل في الزراعة أو الرعي أو خدما في المنازل ، ولذلك واجهت الإدارة البريطانية صعوبات عدة وصفها أحد الإداريين البريطانيين فيما يلي ( كان على الحكومة الخيار بين أمرين أحلاهما مر ، فإما الاعتراف المؤقت بالرق السائد أو التحرير الفوري للرقيق ، الأمر الذي كان يؤدى إلى تقويض الاقتصاد في البلاد ، وذلك لان التحرير الفوري كان يؤدى إلى هجر اكثر المزارع الكائنة على ضفاف النيل والى فقدان قطعان كثيرة من الماشية التي يملكها البدو ، والى موت آلاف من الأبرياء الذين اجبروا على العيش دون خطأ من جانبهم على العيش في ظلال نظام اجتماعي معاد لللافكار الغربية التي قبلوها باعتبارها أمرا ضروريا لاغنى عنه لممارسة الحياة اليومية والتحرير الفوري للرقيق كان يعنى إطلاق سراح آلاف الرجال  والنساء دون تحمل للمسئولية في مواجهتهم والذين كادوا يصبحون مصدرا للشغب )) ( محمد عمر بشير : مشكلة جنوب السودان ، ترجمة هنري رياض وآخرون ، دار الثقافة بيروت 1970، ص 58 – 59، وللمزيد من التفاصيل عن مشاكل تحرير الرقيق في تلك الفترة، راجع : محمد إبراهيم نقد : علاقات الرق في المجتمع السوداني 1995م ).
   لكن ما يهمنا هنا ملكية الأرض ، فكيف نظم الاستعمار ملكية الأرض لتحقيق أهدافه في زرعة القطن وغيره؟
2
 ثانيا – تنظيم ملكية الأرض:
    عندما بدأ الحكم الاستعماري في السودان عام 1898 م كانت أشكال ملكية الأرض الموروثة من المهدية – كما اشرنا سابقا- على النحو الآتي :
  1- الملكية الخاصة للاراضى :
  2- ملكية الدولة أو بيت المال ، وتشمل أراضى الترك والنصارى التي صادرها الأمام وضمها لبيت المال إضافة للغنائم وغير ذلك.
  3- الملكية الجماعية للأراضى أو ملكية القبائل .
       هكذا كان الحال من ناحية ملكية الأرض قبل الحكم الثنائي، وكان لابد للاستعمار كي يحقق أهداف احتلاله للسودان أو تحويله لمزرعة قطن كبيرة من مواجهة مسألة الأرض باعتبارها مسألة أساسية في مجتمع زراعي رعوي كالسودان، وتشكل ركيزة العمل الأساسي.
    بدأت الإدارة البريطانية في عمل مسح شامل لم يخلو من مشاكل تتعلق بدعاوى الملاك القدامى الذين صادرت المهدية أملاكهم وغيرهم، ولكن الحكومة أصرت على مبدأ أن جميع البور غير المأهولة تعتبر ملكا لها. لإنجاز عملية المسح استخدمت الحكومة فرق كاملة من المساحين في كل أنحاء المديريات فقاموا باستخراج خرائط محددة لكل المعلومات المطلوبة كموارد الماء والمراعى والغابات والجبال والمناطق الصحراوية والمدن الرئيسية وفروع النيل مما ساعد على إنجاز التخطيط للمشروعات الزراعية الكبرى في السودان (أنظر زكي البحيري، التطور الاقتصادي والاجتماعي في السودان، 1930- 1956م، مكتبة النهضة المصرية  1987م، ص 20 – 21).
 وبعد ذلك أصدرت الحكومة قوانين تنظيم الملكية وتسوية النزاع حول الأراضي والتي كان أهمها :
 قانون الحقوق على الأرض الزراعية لعام 1899 م، الذي نص علي الآتي:-
1- الامتلاك المستمر للأرض لمدة خمس سنوات والحصول علي ريعها يعطي الشخص الحق المطلق في ملكيتها ضد أي شخص آخر.
2- أي شخص يدعي فقدان ملكية أرضه في المهدية ، عليه أن يقدم الأدلة الكافية بأحقيته لتلك الملكية.
3- الاحتلال المستمر للأرض منذ مجئ الحكم الجديد يعطي الشخص حقا أوليا لملكيتها، كما نص القانون علي قيام لجان لسماع النزاعات الخاصة بملكية الأرض.
   الملاحظ علي هذا القانون أنه صدر في الأشهر الأولي من عمر الحكم البريطاني ، وقد تفادي خلق اضطراب في المجتمع الذي خرج من حروبات داخلية وخارجية ، ويعكس ايضا اهتمام الحكم البريطاني بعودة الناس الي مناطقهم واستئناف زراعة أراضيهم ، ولهذا جاء اعترافه بالملكية في العهد المهدوي ، كما فتح المجال للاستحواذ الذي تمّ بعد 1899م ( د.محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث 1993م ، ص 254- 255).
–    صدر قانون الغابات 1901 م ، قانون نزع الأراضي 1903 م الذي يعطي الحكومة الحق في الاستيلاء علي أي أرض يمكن أن تحتاج اليها للصالح العام ، علي أن تعوض المالك بقطعة أخري بعد الاتفاق معه ، وقد صدر هذا القانون لأن الحكومة كانت بصدد مد خطوط السكة الحديد في بعض المناطق ، وستحتاج الي تلك الأراضي.
  كما صدر  قانون تحديد الأراضي ومساحتها 1905 م الذي اصبحت  بموجبه الحكومة المالك الشرعي لكل الأراضي الزراعية والغابات الخالية من الملكية الخاصة.
  في عام 1912 ، تم تسجيل كل الأراضي الزراعية ، وصدر  قانون تقييد تصرف السودانيين في الأراضي 1918 م الذي يتضمن عدم جواز بيع أو رهن أو التصرف في اي أرض ما لم يكن بموافقة المديرية ، ماعدا في حالة الوصية أو الايجار لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات ، وعندما يراد بيع الأرض تحصل المحكمة علي صورة مما هو مدون عنها في “تسجيل الضرائب”، وتطلب اذا لزم – شهادة الشيخ أو العمدة بأن الشخص المسجلة الأرض باسمه هو المالك الوحيد لها ( للمزيد من التفاصيل راجع، سعيد محمد أحمد المهدي ، قوانين السودان ، المجلد الأول ، 1901- 1925، دار جامعة الخرطوم للنشر 1975م)   .
       كان الهدف من صدور القوانين المقيدة لبيع الأراضي هو منع المضاربات وانتقال الأراضي للاجانب والمصريين ، ورغم صدور هذه القوانين ، فان عملية المسح والتسوية للاراضى لم تكن قد تمت نهائيا في أنحاء السودان .
       من أهم القوانين التي أصدرتها إدارة الحكم الثنائي فيما يتعلق بالأراضي كان قانون تسوية الأراضي وتسجيلها عام 1925، والذي وضع القواعد الأساسية لتسوية وتسجيل الأراضي إذ ضم وجود صاحب الأرض والمستند الدال على ملكيته، واعتبر الأراضي غير المشغولة ملكا للحكومة.
 ونص على انه في حالة الأراضي التي لاتزرع بشكل منتظم ، فأن مجرد زراعتها بواسطة أي شخص لمدة معينة لا يعطيه الحق في ملكيتها ملكية مطلقة ، كما نص القانون على أن يكون التصرف في الأراضي من خلال وثائق معتمدة ، كما تم إدخال نظام الحكر عندما نص هذا القانون علي ” أن يحوز مالك الأرض الحكر تلك الأرض طوال مدة الحكر المبينة في الايجارة المسجلة مع التمتع بجميع الحقوق الضمنية أو الصريحة والحقوق التابعة لها ، وتكون خاضعة لكل الاتفاقات الضمنية والصريحة والالتزامات المتعلقة بالأراضي خلال مدة الحكر( سعيد محمد أحمد المهدي ، قوانين السودان ، 499- 529).   .
       منذ عام 1923 ادخل الاستعمار نظام الإدارة الأهلية ومعها نظام الحواكير التي يديرها نظار القبائل ، وتقسيم الأراضي القبلية ( الحواكير)، حواكير لمالكيها الأصليين ( الذين يستضيفون قبائل أخري دون أن يكون لهم الحق في النظارة ، والسماح لها بالاستفادة منها، باعتبارها مستضافة)  وأصبح ناظر القبيلة مسؤولا عن إدارة الحواكير ، أي تمّ ربط الحاكورة بالقبيلة في المكان المحدد ، اضافة لسلطات ناظر القبيلة الادارية والمالية للحواكير.
     فى عام 1930 م صدر قانون ملكية الأراضي الذي منح الحاكم العام السلطة للحصول على أي مساحة للاستخدام العام وذلك بنزع ملكيتها.
    هكذا نلاحظ تطورا آخر حدث مع بداية الحكم الثنائي ، وهو تطور حق الملكية الخاصة للأراضى الذي يعنى الاستعمال والاستغلال والتصرف ، فحسب ما ورد في قانون الأراضي وتسجيلها 1925 م عن التصرف في الأرض بأنه كل ما يرهن أو ينقل من شخص لاخر بفعل الأطراف ، أو بأمر محكمة ، وان أيلولة الأرض أو الرهن تعنى نقلها من شخص لاخر بالميراث أو أي طريقة قانونية أخرى (د . سعيد محمد احمد المهدى : قوانين السودان _ المجلد الأول _ 1901 م _ 1925 م ، 1975 م ، ص 6 ).
  يقول د. قدال ” إن نظام تسجيل الأراضي من أهم انجازات الإدارة البريطانية ، وقد اصبحت الدولة هي المالك لكل الأراضي الزراعية والسكنية التي ليس لها ملكية مسجلة ، واصبح نظام ملكية الأرض يقوم علي قانون وعلم ، وحالت تلك السياسة دون نشؤ اقطاع في السودان ” ( قدال، تاريخ السودان الحديث ، المرجع السابق، ص 256).
       مهما يكن من أمر ،فان قوانين الأراضي لم تمس من الناحية الفعلية الحقوق العينية التقليدية المعروفة والمسلم بها للأفراد والقبائل والجماعات ( محمد عمر بشير ، تاريخ الحركة الوطنية في السودان ، ص 38).
  وبصدور هذا القانون 1930 م الخاص بقانون ملكية الأراضي الذي منح الحاكم العام السلطة للحصول على أي مساحة للاستخدام العام ، وذلك بنزع ملكيتها ، تكون الإدارة الاستعمارية قد استكملت قبضتها على ملكية الأرض ، وقننت كل الخطوات التي اتخذتها منذ بداية حكمها والتي مهدت بشكل أساسي لإدخال زراعة القطن والذي كان من أهداف احتلالها للسودان .
   وبعد ذلك قامت مشاريع القطن في مشروع : الزيداب ، الجزيرة ، القاش ، طوكر ، مشاريع القطن في جبال النوبا بكردفان، المشاريع الحكومية في النيل الأبيض وشمال الخرطوم ، مشروع الزاندي، اضافة لمشاريع الاعاشة والتعاونية ومشاريع الطلمبات في الشمالية .
    هذا اضافة لمشاريع القطاع الخاص الزراعية مثل: مشاريع الطلمبات كما في : مشاريع عبد الرحمن المهدي ، ومحمد البربري ، وعزيز كافوري ، السيد علي الميرغني ، محمد ابو العلا ،. الخ، وقد حققت هذه الفئات من الرأسمالية وشبه الاقطاع ارباحا هائلا من الاستثمار في الزراعة.
  هذا اضافة لا ستثمار القطاع الخاص في مشاريع الزراعة الآلية المطرية مثل: مشاريع الزراعة الآلية في القدمبلية شرق القضارف لإنتاج الذرة والسمسم.الخ، والمشاريع الزراعية التعاونية  ومعظمها علي ضفاف نهر النيل بالمديرية الشمالية ( مشاريع الطلمبات)، فضلا عن الزراعة في القطاع التقليدي بالسواقي والشواديف التي كانت أغلبها في الخرطوم وسنار وكردفان والكاملين والنيل الأبيض، والزراعة المطرية في القطاع التقليدي كما في مناطق جبال النوبا والانقسنا وجنوب دارفور ، والزاندي في جنوب السودان والتي زراعة معيشية و تستخدم أدوات إنتاج بدائية ، وملكية الأرض غالبا جماعية للقبيلة كما أشرنا سابقا.
  بالتالي شكل هذا الاستثمار أحد مصادر التراكم الرأسمالي في السودان خلال فترة الحكم الثنائي ، كما حققت الحكومة الاستعمارية ارباحا هائلة من زراعة القطن وغيره ، ولم تعد استثمارها في السودان ، بل هربتها للخارج..
alsirbabo@yahoo.co.uk

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات