عجلنا الذهبي المقدس (4) بنية المنظومة العسكرية .. وجرثومة الفشل

 


 

 

20
قلنا، مهما بلغ منسوب الوطنية من ارتفاع، ومهما صدقت وخلصت نواياه في الحكم، لا يستطيع القائد العسكري إدارة شؤون دولة مدنية ديمقراطية، دعك من أن ينشئها ويؤسس بنيانها. ويرجع ذلك لطبيعة بنية المؤسسة التي برمجته نفسياً وفكرياً وسلوكيِّاً، على متطلبات وظيفتها في الدولة، كذراع باطشة في خدمة نظامها السياسي، تحتكر شرعية العنف واستخدام السلاح. وبالتالي فإن العسكري – كـ"مواطن" في الدولة – تحتاج شخصيته، لكي يتعسكر، إلى إعادة بناء وتشكيل، على نحو يلبي متطلبات وظيفة المؤسسة العسكرية، ويتلاءم ويتوافق مع قوانين ونظم وثقافة وتقاليد بنيتها.

21
بمجرد أن يفتح معسكر التدريب أبوابه لاستقبال المرشح للانتساب، تبدأ طقوس التجنيد التي تقتضي قبل كل شيء أن ينزع هويته "المدنية" التي جاء منها، وأن يتخلص من كل متعلقاتها، من تجارب وقناعات وعادات. باختصار عليه أن يخلع مفردات شخصيته التي ظل ينميها ويغذيها ويبني صرحها طوبة طوبة من خلال القراءات والعلاقات، خلال مراحل حياته المختلفة منذ الطفولة والصبا، فالمرهقة، إلى الشباب. فكل هذه اثمال رثه لن يحتاج إليها في حياته بعد اليوم، وهي لن تفيده، بل وقد تعوقه.
ومن ثم يتم اخضاعه لضغط برامج تحمُّل جسدية قاسية وحادة في ظروف بغاية الصعوبة، وعمليات إخضاع وقهر وإذلال معنوي، وتأثير ضغط نفسي وعصبي، تجعله آلة صماء لتنفيذ الأوامر، وقد تم تفريغه وأصبح مهيأ كجهاز استقبال لتنفيذ التعليمات.
أن يولد الإنسان من جديد، صفحة بيضاء لتتم تنشئته من جديد، في بيئة جديدة بديلة، بثقافة جديدة، وقيم وتقاليد تعزز وترسخ عناصر "هويته" "المُعَسْكَرة" الجديدة، فيكون مرآة لبنيتها، تنعكس فيه صورتها واضحة الاختلاف عن الصورة الأخرى/ المدنية/ النقيض.

22
في الحواضن العسكرية حيث تعاد صياغة عقل المجند، تتقابل متناقضة مفاهيم: "العسكرية"/ "المدنية" كنقائض على مستوى القيم.
فبينما تدل الأولى (العسكرية) على الانضباط ،والمسؤولية، والرجولة.
تدل الثانية (المدنية) على الفوضى، والانحلال، والميوعة.
وحينما يرتكب الجندي فعلاً يناقض "القيم" العسكرية يوصم سلوكه تحقيراً بصفته سلوك "مدني"، أو سلوك مدنيين.
وربما يرجع هذا النمط من إعادة صياغة وتشكيل المجند مهنياً، وعلى هذا النحو القاسي والمتطرف في جذريته إلى منهج المؤسسة الخاص بإعداد أفرادها إعداداً يتناسب وطبيعة ما يُطلب من أفرادها تنفيذه من أوامر ومهام قتالية تقتضي القتل والتضحية بالنفس تنفيذاً لخطط عسكرية ميدانية قتالية، يتطلب إنجازها الطاعة المطلقة والتقيد بتنفيذها حسب الأوامر فور تلقيها، لا مجال معه للتردد، أو الاحتجاج أو مخالفة التعليمات (نفِّذ ... ثُم احتجْ).

23
ينقسم العالم في المنظور العسكري إلى عالمين. ولابد بالضرورة أن يكون كذلك. لكي يتحقق وجود العالم العسكري.
عالم المجتمع المدني يكتسب وجوده بالأصالة.
فوجود "الجماعة" يسبق تقسيم "العمل".
فهو أقدم، ووجوده قائم بذاته.
بينما وجود العسكر ومعسكراتهم طارئ. ولاحق لوجود المجتمع المدني.
وبالتالي: وجود المجتمع المدني لازم لـ"تبرير" وجود العسكري.
يكتسب وجود "المدني" قيمته وأهميته بالنسبة للعسكري، في تأكيده أصالة هوية "العسكري".
فالعسكري عالة على المجتمع، ومنه يستمد هويته.
يعرف العسكري نفسه بالنفي.
وإذ أراد أن يُعَرِّف نفسه لا يجد أمامه سوى تعريف نفسه كـ"ليس مدني".
ولكن، ولأنه يمتلك قوة السلاح وشرعية استخدام العنف حصرياً يميل إلى تمييز نفسه كمعادل "وجودي" للمجتمع.
يوهم نفسه بأنه صنو المجتمع المدني، إن لم يكن تؤامه الأكبر!.
هذه الاستراتيجية في اختلاق عالم خيالي، وقسر المنتمين لمنظومته على تصديق واقعيته، تستدعي بالضرورة شغل حواة يجعلون المنديل أرنباً !. ويتم هذا في فضاء العسكرة باللعب على نرد القيم، وذلك بإعادة تعريفها من ناحية، والتحكم في توزيع مواقعها بين القسطاطين من ناحية أخرى. فيستأثر لنفسه بقيم الانضباط ، ويصم المجتمع المدني بالفوضى.

24
من أين يأتي هذا التوهم ؟.علماً بأن المؤسسة العسكرية ليست جزيرة منعزلة عن مؤسسات الدولة، لتتمتع بسلطات مطلقة بمعزل عن سلطة الدولة.
فالمؤسسة العسكرية بداهة، واحدة من مؤسسات الدولة، مثلها في ذلك مثل بقية المؤسسات، لها وظيفة محددة معينة، وصلاحيات محددة، تستمدها من دستور الدولة ونظامها السياسي، وتخضع لسلطة الدولة المدنية في عملها، في الأحوال الطبيعية للدولة الحديثة.
ويبدو أن انكفاء المؤسسة العسكرية وسائر الأجهزة الأمنية على نفسها، وما تتمتع من قوانين ونيابة وشرطة عسكرية خاصة بأفرادها. إضافة إلى منهجها الخاص في إعداد وتأهيل أفرادها بما يناسب طبيعة عملهم، زادت من عزلة العسكر عن فضاءهم الاجتماعي العام، بما يشكل منهم "مجتمعاً موازياً" قائماً بذاته، داخل معسكراتهم وثكناتهم وقشلاقاتهم السكنية.
وعززت المغالاة في تطبيق منهجية عزل وفصل العسكر والأجهزة الأمنية ومعسكراتهم كمجتمع موازٍ للدولة، وتخصصيهم بنصيب الأسد من موازنة الدولة. إضافة إلى ما ذكرنا من تخصيصهم بقوانين ونيابة وشرطة وقضاء عسكري، عزز لديهم بأن مؤسستهم دولة دخل الدولة، ومع تطاول فترات حكمهم بالانقلابات العسكرية تأكد لديهم الشعور بأنهم دولة "فوق" الدولة. ما ينعكس سلوكياً في تعاملهم بازدراء مع المدنيين وعدم احترام لحقوقهم الإنسانية بما يصل إلى حد الوقاحة، وما ذاك إلا لنظرتهم الدونية للمجتمع المدني، كمجتمع فوضوي غير "منضبط".

25
والمسافة بين "فوضوية" المجتمع المدني المفترضة...
وبين الشعور بواجب "الوصاية" على الدولة وعلى المجتمع المدني ليست ببعيدة !.
ويكفي سياسيَّاً لتفعيل واجب التدخل – انطلاقاً من مبدأ الوصاية – دعوة حزب من أحزاب المعارضة العسكر، للتدخل باستلام السلطة لإدارة البلاد، و"ضبط" فوضى الممارسة السياسية الحزبية حتى لا تضيع البلد !!.
وهذا بالضبط ما كان خلفية سيناريو أول انقلاب عسكري على الحكم الديمقراطي بعد الاستقلال في 17 نوفمبر 1958، حيث دعا رئيس الوزراء وقتها عبد الله بك خليل (عن حزب الأمة) قائد الجيش الفريق إبراهيم عبود لاستلام الجيش للسلطة لما اشتدت الخلافات بين حزبه والأحزاب المعارضة له، وذلك بعد عامين فقط من استقلال السودان وتشكيل أول حكومة وطنية. وتكرر مرة ثانية مع انقلاب العقيد جعفر نميري، ثم انقلاب العميد عمر البشير، ثم انقلاب الفريق البرهان.
فهل هذا "واجب" الجيش؟!.
وإذن ما هي مهمة القضاء الدستوري إن لم تكن الفصل في الخلافات والنزاعات بين مؤسسات الدولة، السياسية وغير السياسية، وتحديد الصلاحيات؟! (1).
إنه ليس واجبه، ولكن طالما المجتمع السياسي المدني عاجز عن تحمل مسؤولياته في إدارة شئون الدولة المدنية، فإن العسكر، وتحت تأثير وهم "الوصاية" الذي عززته الطبقة السياسية نفسها، مدفوعاً بشهوة السلطة، سيتحرك، مغادراً ثكناته صوب قصر الرئاسة ليحكم... وسيفشل.
وسيتكرر فشله.
ونواصل بإذن الله.

مصادر وهوامش
(1) مأزق "الدولة" السودانية2: بين "وصاية" العسكر المدعاة.. و"نقص التربية" الديمقراطية للأحزاب، صحيفة سودانايل الرقمية، نشر بتاريخ: 29 نيسان/أبريل 2020.

izzeddin9@gmail.com

 

آراء